لا يهدأ الإنسان، بحكم طبيعته، في سعيه وراء تلبية احتياجاته على اختلاف أنواعها، وإن كان ترحاله يعني تحقيق هذا الغرض كليا أو جزئيا، فإنه على أهبة الاستعداد لتحمل مشاق السفر وظلمة المجهول في سبيل تأمين ما ينقصه.
وفي زماننا هذا لا يختلف أمر الإنسان كثيراً، فحينما تضيق عليه سبل الحياة أو يضيق ذرعاً بواقعه تراه يبحث عن خياراتٍ أخرى، يبحث عن بلادٍ تستقبله ويبني بها مستقبلاً يأمل أن يكون أفضل من واقعه الذي يعيشه. في بلدان العالم الثالث، أصبحت الهجرة هي الملاذ الذي يرى فيه الفرد حياته البائسة بثوبٍ جديد، ففي هجرته إلى بلاد جديدة يتراءى له الأمل في تأمين حاجاته الفردية والتي يرى أنها ستسمح له بالوصول إلى القمة وذروة العيش. من بلاد الأمل، وهو الوصف الذي يطلق تقليديا على كندا، جاءت الخيارات وتصدرت اهتمامات الناس في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث.
ونظراً لعوامل عدة، منها كثرة الراغبين بالهجرة وتشديد البلدان الغنية على مسألة الأمن الوطني، أصبح الوقت المتطلب لدراسة طلبات الهجرة يعد بالسنين. معادلة زمنية معقدة فمثلاً معدل الوقت المتطلب لدراسة طلب الهجرة إلى كندا أصبح يقارب ست سنوات، وهذا الوقت لا يزال في تزايد مستمر، علما بأن النتيجة غير مضمونة. في حين أن الوقت المتطلب لدراسة طلبات الهجرة لأزواج وأفراد عائلة أي مواطن كندي تصل إلى ما يقارب السنة والنتيجة هي القبول عادة. حيث يسجل سنوياً أكثر من 45 ألف حالة من المهاجرين الذين يصلون إلى كندا عن طريق الزواج، وفي حين تتكتم السلطات الكندية الأرقام التي تشي بعدد حالات الزيجات القائمة على الغش إلى أن العديد من المصادر تتحدث عن آلاف الحالات التي تحدث سنوياً.
فقد أصبحت ظاهرة»الزواج الأبيض» من الظواهر الشائعة في بلدان العالم المتطور. والمقصود بالزواج الأبيض هو الزواج القائم على مصلحة أحد أو كلا الطرفين في سبيل هجرة أحدهما إلى وطن الطرف الآخر.
وينقسم هذا الزواج لنوعين، الأول هو ذاك القائم بعلم وموافقة كلا الشخصين، والثاني هو القائم على خداع المواطن من قبل الطرف الآخر. وبينما في النوع الأول يقوم المواطن عادةً بكسب المال من المهاجر، فإن المواطن في النوع الثاني يقع ضحية لهذا الزواج.
هؤلاء الضحايا أثاروا الموضوع ولفتوا اهتمام السلطات المعنية إليه. ومؤخرا،قامت المواطنة الكندية ليني تاوِل بالاعتصام أمام البرلمان الكندي مرتدية ثوب عرسها بعد أن قام زوجها الأفريقي الأصل بتركها بعد قدومه إلى كندا بشهر واحد فقط. بينما كانت قد وقعت، ضمن طلبها لإحضار زوجها، على عقد كفالة مع الحكومة الكندية يجعلها مسؤولة عنه مالياً لمدة ثلاث سنوات. وأثناء اعتصامها طالبت ليني الحكومة بأن تعفيها من مسألة كفالتها لهذا الرجل. وفي مقابلة أجرتها قناة «سي تي في» مع تاوِل قالت إنه على الرغم من أن الحكومة قد طالبت بترحيل زوجها، إلا أن طلب الترحيل لم يكن بسبب استغلاله لها بشأن الهجرة إلى كندا،وإنما لعدم مصداقيته في تقديم نفسه أمام الحكومة الكندية، فهو له ولد لم يخبر الحكومة الكندية لم يخبرها بأمره.
وزير الهجرة جيسن كيني أوضح في مقابلة أجرتها معه قناة»سي تي في» التلفزيونية الكندية، مؤخرا، أن هذا النوع من الهجرة هو أحد الأشكال الأكثر شيوعاً في ميدان الهجرة المبنية على الغش، وأن هناك الكثير من المواطنين الكنديين الذين يقعون ضحية هذا الزواج مثلما حصل مع تاوِل.
وبما أن المواطنين الذين يأتون عبر هذه الطريق الملتوية لهم حقوق كبيرة كمواطنين تمنع ترحيلهم من كندا مباشرةً، فإن الحكومة الكندية تحاول منع حصول هذا الأمر منذ البداية. ولذا فقد أصبحت الحكومة الكندية ترسل فِرَقا متخصصة إلى أنحاء العالم لتقوم بدراسة وتقييم مصداقية طلبات الهجرة عن طريق الزواج، لمحاولة منع المستغلين من الوصول إلى كندا منذ البداية.
بَيْدَ أن هذه الإجراءات الرادعة لا يمكن أن تمضي قدما دون ان تلقي بظلال قاتمة على الأزواج الصادقين حقاً، فلقد وجد كريج هامون وزوجته سونيا نفسيهما ضحايا للإجراءات الجديدة. ففي مقابلة أجريت مع كريج، مؤخرا، قال إنه بعد أن قامت الحكومة الكندية برفض طلب استقدام زوجته في 2005 ظل يكرر المحاولة طيلة ثلاث سنوات قبل الحصول على الموافقة على طلبها أخيرا.
نتيجة لصعوبة التحريات في هذا المجال واحتمالية وقوع المتخصصين بالخطأ، فقد طالب وزير الهجرة جيسن كيني، في مقابلته مع محطة «سي تي في» التلفزيونية، المواطنين بأن يحكموا عقولهم وأن يقلبوا الأمر جيداً قبل الدخول في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر. وبرأيه، فإن المواطنين يجب أن يتحملوا مسؤولية خياراتهم وعلاقاتهم. وعلى الرغم من رغبة الوزير في الحد من هذه الحالات، إلا أنه يرى أن المواطنين يجب أن يتحملوا المسؤولية الأولى عن طريق إقامة علاقات موثوقة.
استطلاع للأراء
«البيان» استطلعت آراء عدد من المواطنين الكنديين.. ع. ح (52 عاماً) اعتبرت أن ما يسمى بالزواج الأبيض هو تدنيس لمعنى الزواج وقدسيته. وترى أنه في حين جاء زواج المحكمة ليثبت الحقوق الزوجية، فإن الزواج الأبيض يفتقد لكل الحقوق الزوجية والقانونية ولا يبقى فيه سوى مظاهر الابتزاز والمصلحة من أحد الطرفين أو كليهما، وهو زواج غش ودمار لأنه مجرد أوراق لا معنى لها.
و تضيف ع.ح قائلة «إن هذا النوع من الزواج يقوم على مقولة الغاية تبرر الوسيلة. وكلمة الزواج «الأبيض» جميلة وملفتة للنظر ومحببة للنفس، ومن يطلقون هذه الأسماء البراقة إنما هم يحاولون كالشيطان إقناع الآخرين بأفكارهم السوداء.
المواطن د.ب (61 عاماً) يتساءل عما إذا كانت هذه الظاهرة تشكل «مشكلة» في واقع الأمر. فكم زواج يتم بين مواطنين كنديين وآخرين من جنسيات أخرى في السنة؟ وكم منها هو زواج كاذب فعلاً؟ فهو يظن أن الكثيرين ممن يتزوجون من أجانب هم رجال كنديون يتزوجون من نساء أجنبيات وأن الكثير من هذه العلاقات يتسم بالوفاء والديمومة، وديمومتها تماثل، على الأقل، ديمومة الزواج الذي يتم بين كنديين والذي لا يتعدى خمس سنوات في هذه الأيام برأيه. س.ش، 25 عاماً، فإنها ترى أن هذا النوع من الزواج ليس سوى علاقة مصلحة كغيرها من علاقات المصلحة المنتشرة في هذه الأيام. فما الذي يحمي الزواج من أن تنتهك حرمته ويتم استغلاله لأجل مصالح شخصية؟
الحقيقة هي أنه ما دام هناك غياب للوازع الديني والضمير الحي فإن أي شيء مقبول. ولكن أي علاقة مصلحة أو غش يقوم بها الشخص على حساب الشخص الآخر،أي بغير اتفاقهما، تؤدي إلى أضرار جسيمة يتكبدها الشخص المغشوش مالياً، نفسياً وربما جسدياً أيضاً، فكيف يكون الحال إذا كانت هذه العلاقة هي علاقة زواج؟ جميع الديانات السماوية تنهى عن فعل الحرام مهما كانت ظروف الفرد.
نظرية للتفسير
س.ش. تذكر نظرية عالم النفس الأميركي « أبرهام مازلو» المسماة بـ «تدرج الاحتياجات». في هذه النظرية رتب مازلو احتياجات الإنسان في هرم بنيته التحتية ترتكز على تأمين الحاجات الفيزيولوجية المهمة لحياة الإنسان كالطعام والشراب، وقمته هي تقدير الذات والكمال. وفقاً لنظرية مازلو، لابد للإنسان من إيجاد كل ما يحتاجه في الطبقة الدنيا قبل الانتقال إلى الطبقة الأعلى منها والتي تليها مباشرة. فالإنسان قبل أن يبحث عن الأمان يبحث عن طعامه وشرابه وما يؤويه ويكسيه، فإذا لم يستطع إيجاد طعامه فإنه سيسرق، غير آبهٍ بحاجته للأمان والعواقب المترتبة على سرقته.
و تضيف س.ش « إذا ما كنا لنأخذ هذه النظرية بعين الاعتبار، فإن مسألة الزواج الأبيض وغيرها من علاقات المصلحة هي مسألة محتومة في الوقت الذي يغيب فيه الوعي الديني وتوفر فيه هذه المسألة غير القانونية ما يعجز عن توفيره الطريق القانوني.» وهي ترى أن الحل لا يكمن بإرسال فِرق متخصصة لدراسة طلبات المهاجرين عن طريق الزواج.وإنما يكمن في تسريع دراسة طلبات الهجرة حتى لا يحتاج الشخص لإيجاد وسائل ملتوية للوصول إلى غايته.
أوتاوا ـ خالدة الرفاعي وسلمى الشهابي


