يغوص هذا الكتاب في أعماق الحياة السياسية في الصين خلال فترة حرجة من تاريخها وهي عقد الستينات بشكل خاص والتي مارس خلالها الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ سياسة القبضة الحديدية في الحكم وبشكل خاص من خلال ما سمي بالثورة الثقافية والتحولات التي جرت خلاله وانتهت إلى تغير حاد في السياسات الصينية فيما بعد خلال السبعينات على يد دينغ زياو بينغ خليفة ماو. بعبارة أخرى فإنه يمكن للقارئ من خلال الكتاب أن يكون فكرة شاملة عن التاريخ الحقيقي الثورة الشيوعية في الصين.
وتتأتى أهمية الكتاب من الوظيفة التي كان يحتلها المؤلف خلال الفترة التي يقدمها لنا من خلال الكتاب. لقد عمل المؤلف كباحث في المكتب السري للأبحاث في الحزب الشيوعي الصيني والذي يعد بمثابة الأرشيف المركزي الخاص بماوتسي تونج الذي ترأس الدولة ومنافسه ليو تشاوشي ومساعد ماو ودينج زياو بينج الزعيم الذي تولي بعد ماو، وكذلك شين يون الذي صاغ العديد من السياسات الاقتصادية، هذا بالطبع بالإضافة إلى شواين لاي.
تمكن المؤلف من تقديم هذه المادة بالغة الخصوصية من خلال وضعه الوظيفي كباحث في الأرشيف الصيني. وقد كان نظام الحزب الشيوعي الصيني يحتفظ بالوثائق السرية في مجمع محاط بالحراسة على بعد عشرين ميلا من شمال غرب بكين. حيث يتاح هذا الأرشيف لأفراد ذوي مهام خاصة منها مثلا الاستعانة بها من أجل كتابة تاريخ الأحداث في الوجهة التي تريدها الدولة.
وقد عمل المؤلف على الجزء المتعلق بشواين لاي مدة تصل إلى أربعة عشر عاما، وركز على الفترة منذ بداية الثورة الثقافية في عام 1966 حتى وفاة شواين لاي عام 1976 كما قدم لمحة في شأن فترة شباب شواين لاي ودوره في الحزب حتى عام 1949.
التعلم في الغرب
ومما يشير إليه المؤلف في استعراضه سيرة حياة شواين لاي أنه سافر إلى الغرب وبالتحديد باريس ومنها أبحر إلى انجلترا حيث اكتشف أن المبالغ المالية التي تم تزويده بها غير كافية وعلى ذلك قرر التقدم لجامعة إدنبرج في سكوتلاندا حيث تكاليف المعيشة أقل ولا يتطلب الالتحاق بها سوى اجتياز الاختبار في الإنجليزية.
غير أنه لم يجد إزاء تزايد أعباء المعيشة عليه سوى العودة إلى باريس وهناك عاش الحرية وارتاد مدارس مختلفة من الأفكار والأيديولوجيات ولم يعتنق على الفور النموذج الروسي للثورة كما أنه لم يجد في النموذج البريطاني القائم على الإصلاح السياسي التدريجي بغيته وعلى هذا كان شواين لاي يبحث عن طريق وسط يمكن أن يجمع بين محاسن هذين النموذجين المتعارضين.
وهناك التقى بزانج شينفو الذي كان من بين مهامه تأسيس فرع للحزب الشيوعي الصيني في باريس حيث تم تجنيد شواين لاي. ومن باريس انتقل شواين لاي إلى ألمانيا حيث التكلفة نصف تلك التي ينفقها في باريس وأصبح أحد رموز الحزب الشيوعي الصيني في أوروبا. وقد تم إسناد مهمة الدعاية للحزب إلى لاي والذي أصبح أحد الأعضاء الرئيسيين في الثورة فيما بعد.
ومن خلال الغوص في الوثائق الصينية يقدم المؤلف العديد من الحقائق بشأن حياة شواين لاي وشخصيته ربما أكثر من أي شخص آخر لم يعمل بشكل مباشر مع رئيس الوزراء، كما تمكن من إدراك الكثير مما كان يدور في كواليس السياسة الصينية على المستويات العليا الخاصة بالثورة الثقافية بما يفوق ما عرفه الكثيرون باستثناء أولئك الذين شاركوا في صنع الثورة بأنفسهم.
وعلى ذلك فإن ميزة الكتاب تتمثل من أنه يأتي من شخص اطلع على ما يمكن اعتباره التاريخ السري لمسيرة النظام الشيوعي في الصين خلال عقدي الستينات والسبعينات بشكل يسمح لنا بالإطلاع على الصورة الحقيقية التي تبرز الجانب الإنساني بشخصية رئيس الوزراء الصيني الراحل شواين لاي وليس الجانب الأسطوري.
علاقات متداخلة
وقد تمكن المؤلف من خلال الفترة التي قضاها في دراسة الوثائق الصينية النادرة التي تمثل رصدا لخفايا ما كان يجري وراء كواليس الحكم خلال حكم ماو، من الكشف عن مختلف جوانب علاقات شواين لاي مع الحزب الشيوعي الصيني وعلاقاته مع قيادته وبشكل خاص رئيسه ماوتسي تونج.
وحسبما يذكر المؤلف فإن أحداث تيان آن مين في عام 1989 ميدان السلام السماوي في بكين والتي جرى خلالها قمع مظاهرات الطلبة.. اللحظة الفاصلة في حياته على النحو الذي انتهى به إلى تأليف الكتاب، حيث تابع بنفسه الانقضاض على الطلبة في الميدان وقرر قطع علاقته مع الحزب الشيوعي، الأمر الذي استغرق منه بعض الوقت ولكنه تمكن في النهاية من الحصول على منحة من جامعة هارفارد لكي يقدم ما يراه الحقيقة ممثلة في كتاب متكامل عن رئيس وزراء الصين الراحل حيث عمل على تهريب أوراقه ووثائقه إلى خارج الصين عبر مجموعة من الأصدقاء الذين يوثق فيهم.
وحسبما يشير الكتاب في مقدمته وفيما يؤكد على المكانة الخاصة التي يحتلها شواين لاي في التاريخ الصيني الحديث، حقيقة أن كل الأساطير المتعلقة بقادة الصين قد سقطت إلا شواين لاي، حيث أن قيادة الحزب الشيوعي الصيني إنقلبت بعد رحيل ماو على الكل بدءا من زوجة ماو ومن أطلق عليهم عصابة الأربعة. الوحيد.. شواين لاي.. الذي لم يمتد إليه أحد بسوء.
ورغم أن معظم الصينيين كان لديهم فكرة جيدة عنه عكستها مواقفه التي تبناها خلال وجوده في الحكم إلى جانب ماو، إلا أن الكثير من التفاصيل المتعلقة بحياته وبخلفيات تلك المواقف لم تكن معروفة، الأمر الذي يقوم على تحقيقه هذا الكتاب. ولعل ذلك ما يجعل أندروا ناثان في تقديمه للكتاب يصفه بـ «الأوديسة الصينية» التي تعرض لنا ملامح شخصية شواين لاي التي قد تبدو غريبة وهى الشخصية التي كان لمواقفها في التحليل النهائي حسبه نتائج كارثية على الصين. فعلى مدى ثلاثين عاما وحتى وفاته ظل شواين لاي يخدم الحزب الشيوعي بشكل غير مسبوق، دون أن يدري أنه قدم حياته للنظام الذي دمره.
شخصية بالغة التعقيد
جاو يقدم لنا صورة مركبة عن شواين لاي.. رجل بالغ التعقيد.. مكنته مهارته في التقرب من طبيعة ماوتسي تونغ وحالته المزاجية من التخفيف من التأثيرات السلبية للثورة الثقافية، ومن التقارب مع الغرب.
وإذا كان الجانب الأكثر أهمية في الكتاب هو علاقة شواين لاي مع ماوتسي تونغ فإن المؤلف في هذا السياق يستعرض الأساليب التي لجأ إليها لاي من أجل عدم إغضاب ماو والوسائل التي لجأ إليها من أجل تفسير رغبات ماو ومساندة خط ماو القائم على التغيير. كما أنه يقدم لمحة عن قسوة ماو تجاه شواين لاي في سنواته الأخيرة والمعاملة السيئة له ورفضه أن يتلقي علاجا من سرطان المثانة الذي أصيب به.
إن لغز هذه العلاقة حسبما يتكشف لنا من خلال الكتاب لا يكمن في سادية ماو والتي جرى التعرض لها من قبل العديد من الكتاب، ولكن في خضوع شواين لاي.. فرد فعله على ما قام ماو به معه لم يكن تحديه وهو القرار الذي يشير المؤلف إلى أن لاي التزمه تقريبا منذ بداياته الثورية وحتى نهاية عمره. لقد كان ذلك هو الجانب المأساوي في تلك الشخصية المرنة.
وفيما انتقد مؤرخون حزبيون في الصين المؤلف على أنه عري شواين لاي فإنه قد يكون من الدقة القول أنه أبدى قدر من التعاطف معه بشأن ما قد يكون لاي أبداه من ندم على دوره في الثورة الثقافية.
وهو الأمر الذي يمكن أن نلمسه من خلال تناول المؤلف لهذا الجانب والذي يشير إلى دور تلطيفي قام به شواين لاي خلال فترة الثورة الثقافية من أجل ما رآه حماية للشعب ومن أجل الحفاظ على الدولة لكي تمضى في خطواتها على طريق بناء الإقتصاد وتحقيق الإنجازات في السياسة الخارجية.
ورغم ذلك فإن سياق تناول المؤلف لموضوعه يشير إلى الحقيقة المرة والتي تتمثل في أنه بدون مساندة لاي لماو فإن هذا الأخير لم يكن ليستطيع أو يتمكن من مواصلة المضي على طريق الكارثة التي شرع فيها ولم يكن لفصول الثورة الثقافية أن تتواصل على النحو الذي بدأت وسارت فيه.
الشعور بالإحتياج لـ «لاي»
باختصار لقد كان ماو يحتاج شواين لاي. ورغم أن هذا الأخير لم يكن لديه القدرة على الإطاحة بماو إلا أنه كان بمقدوره الإنسحاب وحينئذ لم يكن بمقدور ماو السير على الطريق الذي بدأه. وعلى ذلك فإنه في محاولته للتقليل من تأثير سياسات ماو بدلا من معارضتها قبل لاي بشكل أو بآخر أن يكون معاونه من أجل ما يمكن اعتباره ضمان أن يسير قطار الحكم في طريقه الصحيح. وتبدو هذه الفكرة بالغة الوضوح في أن شواين لاي بدا على فراش الموت يعاني من تأنيب الضمير على الاشياء التي قام بها على خلاف قناعاته، فقد كان حريصا على أن تظل هذه المراجعة في إطاره الذاتي خوفا من أن ينقلب عليه ماو أو يتخلص منه.
لماذا ؟ ليس بسبب أنه كان يعتقد بصحة ما يقوم به ماو، فالمؤلف يوضح أن لاي لم يكن واقعا أسر وهم أن ما يقوم به ماو كان جيدا من أجل الصين، أو أن سياساته تعبر عن حاجة حقيقية للثورة ولكن لاي انطلق في مواقفه تلك مما يعتبر في نظر المؤلف رغبة دفينينة في الانتساب إلى المؤسسة. كما تجد مواقف لاي كذلك تفسيرها في أنها تعكس عدم القدرة على خوض مغامرة وجودية والحاجة النفسية لديه لأن يكون الرجل الثاني، الأمر الذي يرجعه المؤلف إلى طفولة لاي باعتباره كان ابنا محبوبا من قبل والدتين.. الأولى أمه التي ولدته والأخرى التي تبنته، وإلى حرمانه من أب فعال، هذا فضلا عن تربيته على القيم الكونفوشيوسية القائمة على العطاء والتسامح والحلول الوسط.
الصفحات: 345 (متوسط)
الكتاب: شواين لاي آخر الثوار المحترمين
تأليف: جاو وينكيان
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرزاق
الناشر: ببليك آفيرز - نيويورك
