يرى المؤلف أن السياسة الخارجية هي في التحليل الأخير فن المعقول، بمعنى القدرة على إقناع واجتذاب الأطراف الأخرى. ويحذر من المبادرة إلى الاحتكام للحل العسكري للمشكلات، قبل أن تمارس الوسائل الاقتصادية والسبل الدبلوماسية دورها.

ويخلص إلى انتقاد تطورات الأمور في الساحة الأميركية من فرض آراء المدنيين على الجنرالات ومن تركيز وسائل الإعلام على جوانب الإثارة بدلا من القضايا السياسية التي تمسّ المصلحة القومية ويؤكد على دور أميركا المحوري في حل قضية الصراع في الشرق الأوسط على ضوء ما تحقق في حل قضية الصراع في أيرلندا الشمالية. وخلال السياحة الفكرية الطويلة التي تجوّلنا فيها بين سطور وطروحات هذا الكتاب نستطيع أن نصف المؤلف بأنه أقرب إلى «معسكر الصقور» في السياسة الأميركية.. بمعنى أنه يؤمن بقوة الحسم وقوة تفعيل الدور القيادي للولايات المتحدة بالنسبة لقضايا العالم الراهنة.. لكن دون أن يحضّ على المبادرة إلى الاحتكام لقوة السلاح أو شن القتال.

لا يعني توصيف المؤلف بكونه من الصقور أنه «دونالد رامسفيلد» أو أنه هو «بول فولفوتز» اللذين دفعا برئيسهما جورج بوش إلى الاشتباك في أكثر من مسرح عمليات بكل ما نجم عن ذلك من تكاليف باهظة ومغارم فادحة سواء في الأرواح أو في الأموال أو في رأسمال أميركا من مودة الشعوب أو تقديرها. ربما نصف مؤلف هذا الكتاب المهم بأنه فصيل «متعقل» من صقور السياسة الأميركية: وهو كذلك لأنه أكاديمي دارس بقدر ما أنه خبير ممارس، وبمعنى أن لا تراوده أوهام القوة المغرورة فإذا بها تُباعد بينه وبين حقائق الواقع العالمي المجسد على الأرض، فضلا عن أن دراساته وممارسته في دنيا الكتابة الصحافية والتحليل السياسي ما زالت تضفي على طروحاته في ثنايا هذا الكتاب قدرا ملحوظا من رشد الموضوعية.

رأي من كندا... في هذا السياق يقول سياسي كندي مرموق هو «مايكل إجناتييف» في عرضه النقدي لهذا الكتاب: يظل التفوق العسكري عنصرا لا غنى عنه للقوة الأميركية. وجيلب بالمناسبة يعارض إجراء تخفيضات في اعتمادات الإنفاق على أغراض الدفاع، ولكنه يرى أن القوة لا بد وأن تكون في خدمة السياسة والدبلوماسية لا أن تكون سيدة مهيمنة على كل منهما، (نيويورك تايمز، عدد 23/3/2009). يقودنا هذا إلى الطروحات الأخيرة من الكتاب، وكلها تتعلق بالجوانب غير المادية من استخدام القوة.

عن الواقعية السياسية

ونلاحظ في هذا الصدد أن الواقعية السياسية.. هل نقول مثلا الواقعية الملتصقة بحقائق الأرض ـ هي التي تملي على المؤلف أن يوضح أن أي قوة معنوية غير مادية.. أو أدبية.. أو هي القوة «الناعمة» على نحو ما يسميها البروفيسور جوزيف ناي وهو بدوره من أساتذة جامعة هارفارد ـ هذه القوة اللامادية لن تؤدي دورها أو تمارس تأثيرها في نظر مؤلفنا إلا إذا واكبها استخدام العصا والجزرة.. ـ المرادف البديهي للروادع الحوافز.. أو الوجه الحقيقي للتهديدات والإغراءات.

والمؤلف يركز في هذا السياق على مجال السياسة الخارجية قائلا إن السياسة الناجحة هي ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين إمكانية إجراء النجاح واحتمال وقوع المأساة. وأول أبجديات هذه السياسة الخارجية هو التحديد الدقيق للأهداف المتوخاة وهي بداهة الغايات المرتبطة بتحقيق المصالح القومية للدولة.

يضاف إلى هذا اتباع سياسة النَفَس الطويل مع استخدام كل الأساليب المتاحة في يد صانع السياسة الخارجية في واشنطن والعمل باستمرار على بناء التحالفات بين الدول الصديقة بعيدا عن الانفراد بالرأي أو اتخاذ قرارات خطيرة ـ الحرب مثلا ـ من جانب واحد.

كيف تجذب الآخرين

كما يحرص المؤلف على تعريف السياسة الخارجية بأنها فن أو آلية اجتذاب الآخرين وليست سلطة الفرض أو الإملاء أو إلقاء المواعظ أو المحاضرات على مسامع هؤلاء الآخرين (ونتصور أنه يكتب سطوره هذه من واقع خبرة المتابعة لما أقدمت عليه إدارة بوش من الانفراد بالقرار ومن الزراية حتى بالحلفاء التاريخيين لأميركا عبر المحيط الأطلسي وهو ما أدى إلى مشاكل أميركا في ساحة العراق بقدر ما سبق وأدى إلى ورطة أميركا أيضا في مستنقع الجنوب الأسيوي في فيتنام).

وفي هذا يوضح المؤلف (ص 253) أن قوة الجذب التي يعرض لها.. لا تعفي رؤساء أميركا من ضرورة التماس الحلول الوسط ومن الحرص على التراضي وتوافق الآراء مع الأطراف الأخرى من أجل تشكيل التحالفات ـ الائتلافات المنشودة.

وقصارى الأمر كما يقول المؤلف ـ أهو هي الشطارة كما قد نقول من جانبنا، تتمثل هي قدرة رئيس الولايات المتحدة (ومعاونيه) على تحويل التوافقات إلى فرص تتيح لواشنطن أن تمسك زمام القيادة ومنا تنطلق إلى مواجهة المشكلات.

فن المعقول

قصارى الأمر أيضا أن السياسة الخارجية هي فن المعقول كما يسميها البروفيسور جيلب وليست بالتالي علما صعبا أو تخصصا يستعصى على الإلمام والأفهام. لكن تتمثل مشكلتها في الغلو و المبالغات والتصادم مع قواعد الأخلاق.. فما بالك عندما يمارس القوم السياسة من منطلق غطرسة القوة المغرورة.

هذه الشياطين الثلاثة، كما يسميها المؤلف، هي التي تصيب «سياستنا الخارجية».. وساعتها تحرمنا من فرص الاختيار السليم بين البدائل المطروحة.. في حين أن هذا الاختيار أمر جوهري لأي سياسة خارجية تصدر عن فهم سليم لطبائع الأمور.

ولكي يسلط المؤلف مزيدا من الضوء على الأهمية الفائقة للسياسة الخارجية.. يعرض بالذات إلى الأحداث التي شهدها التاريخ الأميركي الراهن وشكلت فيها السياسة الخارجية طوق إنقاذ لسمعة أميركا وهيبتها ومكانتها خلال ذروة الحرب الباردة في عقد السبعينات من القرن الماضي.

كان الشرق الأوسط هو الساحة التي شهدت عملية الإنقاذ المذكورة.. وكانت المسألة قد بدأت في حقبة نيكسون ومستشاره كيسنجر بانسحاب أميركا المهين من أرض فيتنام.

وجاء الإنقاذ لسمعة أميركا بفضل ما حققه الثنائي المذكور من بدء علاقات مع الصين ومن دعم تكنولوجي ودبلوماسي لكوريا الجنوبية ومن تعميق للعلاقة بين واشنطن وطوكيو اليابانية.. مما أضاف إلى قدرة أميركا على الحراك السياسي ـ الدبلوماسي الواسع في الشرق الأوسط مع التركيز على العلاقات بين مصر وإسرائيل.. إلى حد توقيع ما أصبح يوصف باسم معاهدة السلام خلال حقبة كارتر ومستشاره بريجنسكي.

والمعنى الذي يذهب إليه المؤلف هو أن نجاحات السياسة الخارجية الأميركية في مجالات شتى استطاعت ـ في رأيه ـ أن تمتص عوامل الإخفاق التي تجلت ـ بنص كلمات الكتاب ـ في ذلك اليوم الأسود الذي شهد طائرات الهليكوبتر الأميركية وهي تنتشل آخر الفلول المتبقية من فوق سطح السفارة الأميركية في سايجون (عاصمة فيتنام الجنوبية).

بعدها نجح الثنائي أيضا في إرساء قواعد الأمن والاستقرار والرخاء في آسيا وساعدا على تحويل الصين من العدو الاسيوي رقم واحد بالنسبة لأميركا إلى حيث أصبحت منافسا وأحيانا شريكا (تجاريا) للولايات المتحدة.

عن الشرق الأوسط يواصل المؤلف تحليله موضحا أن قضية فلسطين ـ أو بتعبيره الذي نراه سخيفا وهو «الكابوس الفلسطيني ـ الإسرائيلي» لا يمكن حله في الأسبوع القادم ولكن لا يمكن أيضا تركه في هامش الاهتمام، حيث ان الركود (ص 272) يؤدي إلى تسميم كل الأوضاع.

في نفس السياق أيضا يحيل المؤلف إلى نجاحات الإدارة الأميركية (في عهد كلينتون) في حل الصراعات الدموية بين طرفي النزاع في أيرلندا الشمالية عام 2006 داعيا إلى الإفادة من بعض الآليات التي نجحت في هذا المضمار..

وإن كنا نتحفظ على ما نسبه المؤلف إلى اثنين من أهم خبراء السياسة الأميركية وهما ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية وجورج ميتشل مبعوث الرئيس أوباما الحالي إلى الشرق الأوسط حين أرجعا هذا النجاح في قضية أيرلندا إلى أن الحلول الوَسَط كانت تنبع من جانب الطرفين (يعادلهما بداهة الفلسطينيين والإسرائيليين في الشرق الأوسط) إذ كان كل من هذين الطرفين في أيرلندا قادرا على «كبح جماح أحلامه» حيث تركا مستقبل وضع أيرلندا الشمالية مفتوحا.

في هذا الإطار تأتي دعوة المؤلف إلى دعم الأطراف الفلسطينية القابلة للتفاوض أو الحلول الوسط باتباع سبل شتى منها الوسائل الاقتصادية.

دور إسرائيل والفلسطينيين

في نفس الإطار أيضا يدعو المؤلف الرئيس أوباما إلى إلقاء خطاب شامل يوضح فيه موقف أميركا واستراتيجيتها الجديدة تجاه المنطقة.. ومن منظور مصالحها الأساسية في التصدي للإرهاب فضلا عن اعتمادها الراهن على البترول..

مع إيضاح أن أميركا هي القوة القادرة على مؤازرة شعوب المنطقة في سعيها نحو الاستقرار والسلام والرخاء إضافة إلى التأكيد على تعهد أميركا بتنفيذ حل الدولتين. ثم يختتم المؤلف تحليله في هذا الفصل المحوري بسطور تقول حروفها ما يلي (ص 275): على إسرائيل أن تساهم في هذا الحل بأن توقف توسيع المستوطنات القائمة أو بناء مستوطنات جديدة، باعتبار أن هذه أشد النقاط حساسية واستفزاز بالنسبة للفلسطينيين.

أما السبيل الوحيد والواقعي لمساهمة الفلسطينيين فهو بذل جهد شامل لوقف الهجمات «الإرهابية» فليس هناك من أمر غيره يهتم به الإسرائيليون. وعلى الدبلوماسية الأميركية في أولى مراحلها أن تركز على هذه الخطوات العملية الهامة.

السطور الأخيرة

ليس صدفة أن تكون السطور الختامية موجهة مباشرة إلى الرئيس الأميركي وأن تعزف نغمة تحذير مما يمكن أن تؤول إليه الأمور في الولايات المتحدة بعد فترات من أخطاء السياسة وعثرات السياسيين.

في هذا السياق يثير المؤلف عدة قضايا وتساؤلات: منها أن الخطاب السياسي الأميركي افتقر في الآونة الأخيرة إلى صوت المعتدلين.

وجاء ذلك بداهة لحساب المتطرفين الغلاة (المحافظون الجدد نموذجا) ولكن مشكلة المعتدلين أنهم لا يناضلون بالإصرار على طرح آرائهم والدفاع عنها. ومنها أن أعضاء الكونغرس بمجلسيه من نواب وشيوخ لم ينهضوا بمسؤولياتهم الواجبة في فترات سبقت (حقبة بوش بالذات) فيما يتعلق بالمتابعة والنقد والرقابة بالنسبة لما اتخذته الفروع التنفيذية من الحكومة، من قرارات مصيرية بالغة الخطورة منها ما كان يتعلق بالحرب (في العراق وأفغانستان) أو ما جاء بالهيكل الاقتصادي الذي ترك المجال مفتوحا أمام أطماع المغامرين والمحتالين الذين أهدروا مليارات الثروة الوطنية وقادوا مسيرة الاقتصاد إلى أزمة خانقة.

ومنها أن الجنرالات من قادة العسكرية المحترفين في واشنطن ظلوا يعانون إلى أبعد الحدود وهم يتلقون من رؤسائهم المدنيين (رامسفيلد ـ فولفوتز ـ مثلا) أوامر تزجّ بهم إلى ساحات المعركة بغير ما يكفي من موارد مادية وقوى بشرية.

ومنها ما آلت إليه أوضاع الإعلام الأميركي حيث بات القوم يخصصون (ص 301) مساحات أوسع واهتمامات أعمق لأحوال الطقس أو مباريات الرياضة.. أو أخبار متسلقي الجيال المفقودين أو الأطفال المختطفين أو مغامرات أوجي سمبسون اللاعب المتهم بقتل زوجته.. أو «فتوحات» المغنيّة برتني سبيرز ـ بأكثر مما يولونه من اهتمام مطلوب بجوهر القضايا المتصلة بالمصالح الحيوية العليا للولايات المتحدة.

من هنا يؤثر المؤلف ـ كما أسلفنا ـ أن يوجه رسالته على شكل كتاب حافل بالصفحات والأفكار والرؤى والمقترحات ـ إلى رئيس أميركي واعد.. محذرا من تداعي مكانة أميركا سواء في مجالات القيادة أو في هياكلها الأساسية المادية والبشرية.. وساعتها لن تصبح أملا يرتجى أو نموذجا جديرا بالاتباع.

المؤلف في سطور

الدكتور «ليزلي جيلب» هو الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الذي ما زال يعد من الخبراء في ثلاثة مجالات كان كل مضمار منها معنيا بقضية القوة أو النفوذ وهي: الحكومة، الصحافة ، مراكز البحوث.

وعلى سبيل التفصيل فقد تولى المؤلف عددا من الوظائف الرفيعة في ظل الإدارات الجمهورية والديمقراطية، سواء في مجال التخطيط السياسي بوزارة الدفاع ـ البنتاغون أو في وزارة الخارجية حيث تولى منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية ـ العسكرية..

إضافة إلى كونه كاتبا ومحللا في مجال السياسة الخارجية في جريدة «نيويورك تايمز» فضلا عن مشاركته في البحوث السياسية الرفيعة في مؤسسات مهمة في تصنيع القرار السياسي الأميركي مثل مؤسسة بروكنغز ومؤسسة كارنيجي في واشنطن ثم مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك.

حصل البروفيسور جيلب على دكتوراه العلوم السياسية من جامعة هارفارد تحت إشراف عدد من كبار أساتذتها من بينهم هنري كيسنجر الذي أسرّ إليه يوما بنصيحة تقول: إذا أردت أن تكون عميقا.. فعليك أن تكون غامضا (!) ويعلق المؤلف قائلا: وأخشى من سطور كتابي أن أرفض النصيحة فأخيّب ظن أستاذي كيسنجر من جديد.

الصفحات: 334 (متوسط)

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: هاربر كولنز، نيويورك