يقدم المؤلف هنا تعريف للقوة على أنها لا تقتصر بداهة على الجانب العسكري ويطرح المؤلف نموذجه الأثير مجسدا في حزمة متكاملة أو منظومة متآزرة تجمع بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة الدبلوماسية (قوة السياسة الخارجية) داعيا إلى تفعيل هذه المنظومة في إدارة «الشأن الأميركي» وخاصة خارج الحدود وباعتبار أن قوة الاقتصاد وقوة الإقناع تكفلان عدم التورط منذ الوهلة الأولى في الحل العسكري.
ويركز أيضا على أهمية دراسة الاقتصاد السياسي ودعمها من جانب الدوائر الاتحادية بواشنطن لإعداد أجيال من الدارسين المستوعبين لحقائق الاتصال بين السياسة والاقتصاد. ينصح النقاد الرئيس الأميركي أوباما بأن يعكف في ساعات المساء على معاودة الاطلاع على الأفكار التي طرحها الكاتب ـ الباحث ليزلي جيلب في سطور كتابه الذي نتناوله بالتحليل والنقد في سياقنا الراهن. يقول الناقد «مايكل بسكلوس» أن أوباما أظهر خلال حملته الانتخابية قدرته على الاقتراب من المشاكل العالمية مع اتباع أسلوب في التعامل مع قضايا السياسة الدولية على أساس نهج يتسم بهدوء الفكر وبالتركيز على استراتيجية الأجل الطويل.
صحيح أن أوباما لن يتفق مع كل ما طرحه مؤلفنا ليزلي جيلب من تحليلات وآراء، ولكنه سوف يستفيد بالقطع من تعريفات جيلب لأسباب قوة الدولة ـ خاصة إذا كانت مسؤولة عن مقاليد القيادة وسط محيط عالمي مائج بالاضطراب.
يسترعي النظر هذا الشكل الهرمي الذي يرسمه مؤلف الكتاب لانساق أو مستويات القوة في عالمنا.. وكأنما يعمد إلى تقسيم العالم إلى طبقات عليا من الدول وطبقات وسطى، ناهيك عن الطبقات الدنيا التي تكاد تلامس قاع الهرم المذكور ـ هذا النسق قد لا يسعد فقهاء القانون الدولي، فضلا عن أنصار حقوق الإنسان.
حيث القاعدة الدولية المرعية تقول بمساواة الدول في السيادة وبأن حقوق الإنسان ـ بمعنى حقوق الشعوب ـ تتسم بالتكافؤ ولا تقبل التجزئة.. ناهيك عن أن تقبل تلك التقسيمات الطبقية التي تكاد تقسم العالم إلى دول أرستقراطية عليا ودول بورجوازية وسطى ثم دول يكاد تصدق عليها أوصاف الرعاع أو الحرافيش أو الدهماء (!).. هذا في الوقت الذي يؤكد أن تركيبة مجتمع الدول في العالم باتت تشهد تداخلا بين الانساق ـ أو فلنقل الطبقات.
مجموعة الثماني في إيطاليا
وعندما استضافت إيطاليا في أوائل يوليو اجتماع مجموعة الثماني وهي التي تكاد تشكل ـ حسب توصيف مؤلف كتابنا ـ قمة الهرم وأعلى مستوياته ـ فإن العالم لم يقصر اهتمامه فقط على الإصغاء لأصوات الأعضاء المؤسسين للمجموعة الصناعية المذكورة.
وقوامها دول أوروبا وكندا وأميركا واليابان.. بل كان من الأصوات المسموعة بحق تلك الآراء التي اهتم العالم بها صادرة عن قيادات الصين والهند والبرازيل على وجه الخصوص.. ثم كان في مقدمة الذين أصغوا واستوعبوا الرئيس الأميركي أوباما شخصيا.
انطلاقا من استيعابه كمثقف وأستاذ جامعي سابق لحقيقة الاعتماد المتبادل أو واقع ما نصفه بأنه التكافل السياسي ـ الاقتصادي بين دول العالم.. وإذا كان على رأس هرم البروفيسور جيلب كيانات مثل أميركا أو أوروبا الغربية أو اليابان.
فمن ذا الذي يملك الترف السياسي كي يتجاهل مثلا.. مثلا منتجي البترول أو المطاط أو معدن اليورانيوم وما في حكمها من المواد الأولوية اللازمة لاستمرار دورة الصناعة والتقدم والحياة في الكرة الأرضية؟.
ومن يستطيع أن يتجاهل غابات البرازيل المطيرة التي تمثل رئة كوكبنا، أو يتجاهل منتوجات الهند في عالم الحاسوب الإلكتروني؟ أو حتى يتجاهل إنجازات الطب في مجال مكافحة وباء الإيدز في بلد فقير اسمه كوبا.. الجزيرة الصغيرة الواقعة في مياه الكاريبي؟.
مع هذا كله.. يكاد الناقد مايكل بسكلوس يتفق مع مؤلف كتابنا بأن أميركا ما زالت القطب العالمي الأقوى والأقدر، ومن ثم الأكثر مسؤولية في التعامل مع الشأن الكوكبي ولكن من منطلق الواجب قبل منطلق الكبر أو الاستعلاء.
في هذا السياق يقسم المؤلف عوامل ومظاهر وأسباب قوة أميركا إلى المجالات الأساسية التالية التي يعرضها على صفحات هذا الكتاب. وأهم عوامل هذه القوة ما يلي:
(1) القوة العسكرية
(2) القوة الاقتصادية
(3) القدرة على تهيئة مسرح الأحداث
(4) قوة السياسة الخارجية
الحرب أولى بالاهتمام
ولما كان كتابنا هو محاكاة عصرية لرسالة السياسي الإيطالي القديم مكيافيللي وقد وجهها منذ 500 سنة إلى «الأمير» ـ حاكم فلورنسا.. فإن كتاب جيلب الراهن يخاطب «الأمير» أوباما ـ مقتبسا سطورا من مكيافيللي يحض فيها الحاكم على أن يضع على رأس أولوياته ذلك الاهتمام الحيوي بأمور الحرب وفنون الاقتتال يضيف المؤلف: أن أميركا بكل قدراتها الجبارة عسكريا، لم تستطع أن تحول بين الهند أو باكستان ـ أو تحول بين إيران أو كوريا الشمالية وبين تطوير قدرات نووية خطيرة، ولا استطاعت أن تحول بين الصين وبين زيادة طائلة بل فادحة في معدل الإنفاق والحشد العسكري.. ولا هي الآن تحول دون توسع النفوذ الروسي في أكثر من مكان.
من هنا يتصور المؤلف أن القدرة العسكرية وحدها لا يمكن أن تحل المشاكل، ولا تكفل ذلك التفوق الذي ينشده بداهة لبلاده وسط المحيط العالمي..
منظومة القوة الثلاثية
لهذا فهو يحرص على توصيل رسالته إلى «أميره» الجديد في البيت الأميركي الأبيض وفحواها أن أمر التفوق لا بد وأن تسنده قوة أو قدرة تتشكل من 3 عناصر متمازجة ومتماسكة وهي: القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة الدبلوماسية (قدرة السياسة الخارجية).
هذه هي الحزمة الثمينة، كما يصورها المؤلف أو هي الجسر الذهبي الموّصل إلى تحقيق الهدف كما تقول الحكمة الصينية التي يحيل إليها الكتاب وهي ثمينة في رأي المؤلف، وفي رأينا أيضا، لأن وجود القوة الاقتصادية أو السياسية كفيل بأن لا يبادر الزعيم أو القائد إلى استخدام القوة العسكرية بكل ما قد ينجم عنها من دمار من شأنه أن يلحق بدوره أضرارا فادحة تصيب الطرف الضعيف بل والطرف القوي على السواء، وفي الأجل الطويل أيضا.
وحين يعاود المؤلف ارتداء ثياب مكيافيللي القديم، فهو يوجز نصيحته إلى «أمير» واشنطون قائلا: يستحق الأمر باستمرار أن تفكر في استخدام هذه الحزمة المتكاملة: ما بين الاقتصاد والدبلوماسية قبل اتخاذ خطوة لشن الحرب وبدء الاشتباك.. اللهم ـ يا مولانا ـ إلا إذا كنت مقدما على مواجهة هتلر!.
باختصار، القوة العسكرية هي بمثابة العاصفة العاتية. أما القوة الاقتصادية فهي بمثابة مدّ الأمواج التي تعلو فوق سطح البحر.. صحيح أن القوة الاقتصادية لن تصلح الأمور بين عشية وضحاها، لكن ميزتها هي إمكانية الصمود وبقاء الأثر واستمرار الفعالية.. وهي من ثم القادرة على أن تحدث تغيرات جذرية في الأوضاع.
ولأن المؤلف ينطلق، كما نلاحظ باستمرار، من موقف الواقعية السياسية، ولأن هذه الواقعية تتسم بالالتصاق الدائم بالموقف على الأرض بكل حقائقه الإيجابية.. وربما السلبية في بعض الأحيان.. فإن الكتاب يورد تعريفا لعناصر القوة الاقتصادية كما يفهمها مؤلفه الأميركي على النحو التالي: إنها التجارة.. والمعونة.. والاستثمارات والعقوبات.. ثم.. الرشاوى (!)
وهو يعترف (ص 191) بأن كل هذه الأساليب أو العناصر الاقتصادية أو المالية ليست سريعة الأثر ولكنها فعالة التأثير في الأجل الطويل.. ولكن باستثناء عنصر واحد هو.. الرشوة.. هي وحدها التي يمكن أن يكون لها أثر سريع.. للأسف الشديد!
الحقبة الأولى للعولمة
والحق أن التاريخ الاقتصادي يفيد بين أوروبا والغرب بشكل عام لم يكن لهما التمتع بهذه القوة الاقتصادية إلا في عصور قريبة نسبيا، فقبل زمن النهضة الأوروبية ـ القرن السادس عشر مثلا كانت القوة الاقتصادية العالمية ـ بل كان التقدم الاقتصادي في يد كيانات كبرى غير أوروبية مثل الهند والصين، لكن بدأ الموقف يتغير لصالح أوروبا بعد عام 1500 وهي الفترة التي شهدت ظهور الدولة ـ القومية كما يسمونها في مصطلح علم السياسة.
وبذلك تهيأ المناخ لأن تتسلم أوروبا الغربية مقاليد الأمور بفضل الثورة التجارية ثم الثورة الصناعية ولدرجة أن الفترة الزمنية الفاصلة من بدايات القرن ,19. وبين دويّ المدافع في عام 1914 (الحرب العالمية الأولى) وجدت من يطلق عليها الوصف التالي: الحقبة الأولى للعولمة.
في كل حال يرى المؤلف أن أي محاولة من جانب أميركا لاستخدام العنصر الاقتصادي في إطار حزمة القوة الثلاثية التي ألمحنا إليها ـ هي جهد مرهون أساسا بقدرة أميركا في الحفاظ على قدرة وحيوية اقتصادها الوطني. ثم يقول المؤلف مخاطبا الرئيس أوباما: إن اقتصادنا المستند إلى نحو 14 تريليون دولار هو القاعدة التي يستند إليها تفوقنا العسكري والدبلوماسي والاقتصادي الواسع النطاق، بقدر ما أنه الركيزة التي يقوم عليها دعائم الرفاه والاستقرار داخل أميركا ذاتها.
ومن ثم فحل المشاكل في اقتصاد الداخل (هي كثيرة وبعضها فادح حاليا)، هو قاعدة القوة رقم واحد في هذا المضمار، شريطة أن يفهم «الأمير» المقصود أن القوة الاقتصادية تؤدي دورها إذا ما أتحنا لها المجال كي تمارس تأثيرها بوتيرة بطيئة الخطى ولكن فعالة التأثير.
وعلى مستوى التخطيط والتنفيذ يضيف المؤلف هذه النصيحة التي يبلور فيها أهم قاعدة يراها من قواعد القوة الاقتصادية.. يقول (والخطاب دائما من مكيافيللي المعاصر إلى الأمير في المكتب البيضاوي في واشنطون): إذا أردت بالفعل أن تجيد استخدام القوة الاقتصادية، عليك ـ بعد إذنك ـ أن تنشئ نظاما يضم بين مكوناته ممثلي وزارات الاقتصاد والدفاع والخارجية.. ومن الأهمية بمكان تعيين مسؤول كبير يتمتع بمساندة شخصية من جانبك وتكون مهمته التنسيق بين ما يصدر عن هذه الدوائر من دراسات وقرارات.
لا ينسى المؤلف في نفس السياق أنه باحث أكاديمي.. ولذلك فهو يضيف ما يلي (ص 288) إلى مجموعة قواعد القوة التي يطرحها على الرئيس الأميركي:
- في عام 1958 أصدر الكونجرس قانونا بالغ الأهمية خاصة خلال سنوات المد من الحرب الباردة.. وحمل القانون العنوان التالي: قانون تعليم الدفاع الوطني
بموجب القانون أتيح لآلاف من الطلاب الأميركيين الحصول على معونات مالية للانخراط في سلك دراسات عديدة ومتعمقة كانت لازمة لكي تفوز أميركا في معارك تلك الحرب الباردة.. وخاصة في مجال الاقتصاد السياسي.
ونحن بحاجة ـ سيادة الرئيس ـ إلى نفس المستوى من التشجيع من جانب الدوائر الاتحادية على دراسة فروع الاقتصاد السياسي.. وإذا كنت تؤمن بحق بأن القوة الاقتصادية (قبل شنّ الحرب أو امتشاق السلاح) هي العملة التي لا بد وأن تكون متداولة أو رائجة على ساحة القوة الدولية المعاصرة.. فإن هذا البرنامج التعليمي المدعوم اتحاديا من العاصمة واشنطون سوف يتيح لخلفائك في موقع رئاسة أميركا إمكانات الخبرة والدرس من أجل أداء هذه المهمة على الوجه المطلوب.
عند هذا المنعطف من طروحات الكتاب يتحول المؤلف مع الفصل العاشر من عوامل القوة المادية ـ العسكرية والاقتصادية كما رأينا ـ إلى العناصر غير المادية.
ورغم أن هناك من أطلق على هذه العناصر اللا مادية وصفها الشهير بـ «القوة الناعمة» إلا أن المؤلف يختلف مع أصحاب هذا الوصف ويحاول أن يطرح أفكارا بديلة في هذا الخصوص.
اضاءة
يرى المؤلف أن أي محاولة من جانب أميركا لاستخدام العنصر الاقتصادي في إطار حزمة القوة الثلاثية التي ألمحنا إليها ـ هي جهد مرهون أساسا بقدرة أميركا في الحفاظ على قدرة وحيوية اقتصادها الوطني.
ثم يقول المؤلف مخاطبا الرئيس أوباما: إن اقتصادنا المستند إلى نحو 14 تريليون دولار هو القاعدة التي يستند إليها تفوقنا العسكري والدبلوماسي والاقتصادي الواسع النطاق، بقدر ما أنه الركيزة التي يقوم عليها دعائم الرفاه والاستقرار داخل أميركا ذاتها.. ومن ثم فحل المشاكل في اقتصاد الداخل (هي كثيرة وبعضها فادح حاليا)، هو قاعدة القوة رقم واحد في هذا المضمار.
الصفحات: 334 (متوسط)
الكتاب: قواعد القوة في السياسة الخارجية
تأليف: ليزلي جيلب
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: هاربر كولنز، نيويورك

