هو المشهد نفسه يتكرّر كل عام في بلدات البقاع الشمالي، بما يذكّر اللبنانيين بلعبة القطّ والفأر.. فالحلقة الأولى من مسلسل إتلاف الحشيشة انطلقت قبل ثلاثة أيام ليبدأ معها السيناريو الذي بات مألوفاً: وجعة رأس للقوى الأمنية، تهيّب من التاجر الذي يترقّب نهاية شهر سبتمبر بفارغ الصبر قبل أن يتسلّم «غلّة» الموسم الجديد.
و«ترقّب حذِر» من المزارع الذي يمعن اهتماماً برزقه: يؤمّن له مياه الريّ حتى يغدق عليه الدونم بدل القنطارين ثلاثة.. (القنطار يعطي من هقّتين إلى ثلاث.. والهقّة تساوي 1200 غرام)، ويأمل في أن يتخطّى سعر الكيلوغرام الواحد عتبة ال1000 دولار، فيما يده على «الزناد» استعداداً للمواجهة والدفاع عن الرزق الغالي، حسب قول أحدهم لـ «البيان».
16 ألف دونم، هو مجموع المساحات المزروعة بنبتة الحشيشة (القنّب الهندي) في البقاع الشمالي.. هذا ما أشار إليه مصدر أمني بارز لـ «البيان»، موضحاً أن هذا الرقم هو وفق التقديرات الأوّليّة.
وبالتأكيد سيرتفع خلال الأيام المقبلة، وأن عملية الإتلاف بدأت الأحد الماضي، بعدما تأخّرت لأسباب تقنيّة ارتبطت بتأمين الجرّافات الكبيرة التابعة لقوى الأمن الداخلي اللبناني، والاستعانة بآليات تابعة لوزارة الأشغال العامة، إضافة إلى وجود أسباب لوجستيّة كان لها علاقة بالتنسيق مع الجيش اللبناني والذي يؤازر، عادة، الشرطة القضائيّة في عملية مكافحة زراعة الممنوعات في البقاع.
وفي هذا السياق، لفت المصدر إلى أن المساحات المزروعة بالحشيشة تقلّصت هذا العام إلى ال16 ألف دونم، مبدئيّاً، قياساً مع السنوات الماضية، إذ كانت بين عامَي 2003 و2007 تقارب ال75 ألف دونم.
وتقلّصت العام الفائت إلى ال37 ألف دونم، عازياً أسباب هذا التقلّص إلى «مكافحة التهريب، من خلال التشدّد بضبط الحدود البريّة والبحريّة، ما أدّى إلى تكدّس الإنتاج في المستودعات وعدم تمكّن المزارعين والتجّار من إيجاد أسواق خارجيّة لتصريف الحشيشة المصنّعة.
وبالتالي، انخفضت الأسعار وفقاً لانخفاض العرض والطلب»، عدا عن كون الحملات العسكريّة التي قام بها الجيش اللبناني والقوى الأمنية، مطلع العام الجاري، والتي شملت معظم البلدات البقاعيّة، أسهمت في «توقيف عدد من المطلوبين للعدالة بجرائم مختلفة، ومن ضمنها الاتجار بالمخدرات، وضبط ومصادرة كميات كبيرة من المواد المخدّرة في جميع مراحل تصنيعها.. وبالتالي، أسهمت هذه الحملات العسكرية إلى حدّ كبير في تقلّص نسبة المساحات التي كانت تزرع بالممنوعات».
سجلّات «نظيفة»
وإذا كانت عبارات: «الموسم لح يمرق على خير» و«المواجهة ما بتكون إلا بالسلاح» و«الرزق متل العَرْض.. كتير غالي» و«نحنا (نحن) مش مجرمين.. سجلاتنا نظيفة متل التلج.. والحمد لله» باتت تشكّل قاموساً لتعامل المزارعين مع ملف إتلاف الحشيشة.
لم ينكر أحد المزارعين عرّف عن نفسه بـ «ماهر»، ويسكن خيمة أقامها عند أطراف حقله وإلى جانبه بندقية سيمينوف جاهزة لـ «غدرات الزمان»، اضطراره الى مواجهة القوى الأمنية إذا حاولت إتلاف «رزقه»، فالدولة، بحسب قوله «لا تقدّم لنا شيئاً.. نزرع بطاطا أو قمحاً، فلا تدعمنا ولا تساعدنا على التصريف.. فكيف يريدون منا ألا نزرع الحشيشة أو الأفيون؟».
وقال لـ «البيان» إنه يفضّل زراعة الحشيشة على الأفيون لأنها لا تحتاج إلا إلى رشّ القنب (سعر الكيلو 1500 ليرة) من دون أسمدة أو مبيدات. ويضيف، في وصف لسهولة هذه الزراعة ومكاسبها الكبيرة، قائلاً: «لا منروح ولا منجي، التاجر بياخدها بموسم القطاف، ولا مين شاف ولا مين دِري».
بيروت - وفاء عواد
