في هذه الحلقة يتابع فيها المؤلف أصل الاشتقاق الإغريقي لمصطلح «إستراتيجية» بمعنى القيادة ومن ثم المعاني التي أضيفت عليها مع التطور، وأهمها رسم الأولويات التي تهتم بالأهداف القابلة واقعيا ـ للتحقيق. ويورد أمثلة على الأساليب الواقعية لالتماس حلول المشكلات وخاصة من تجربة كيسنجر في الصين وفيتنام والشرق الأوسط.
ويخلص المؤلف إلى طرح 4 قواعد لممارسة القوة.. التأثير والنفوذ، على الرئيس الأميركي أوباما مشيرا عليه أن يضم خلال عمليات صنع قرار السياسة الخارجية كل العناصر المفيدة.. ما بين خبراء الدبلوماسية إلى أركان الاستخبارات.. إلى العسكريين وحتى ممثلي المنظمات غير الحكومية.
في إطار الشكل ـ النظام الهرمي الذي يتصوره مؤلف هذا الكتاب بوصفه توزيع القوة على مستوى العالم.. تتجلى بالضرورة صورة المستوى الثاني ـ المباشر تاليا لقمة الهرم حيث تقبع كل من الصين.. روسيا.. الهند والبرازيل.. ومن قبلها بالطبع دول الاتحاد الأوروبي.
يصدر المؤلف على هذه القوى، سواء كانت أوروبية ـ أو كانت صاعدة كما أصبحت تسمى الحكم التالي: لقد استوعبوا حقيقة أن قوتهم تنافس قوة أميركا.. ولكنها لن تساويها أو تتكافأ معها. هذه الحقيقة ـ كما يفهمها مؤلف كتابنا ـ تستدعى نظرة متأنية في رأيه من أجل تحليل أساليب تنظيم القوة وتدبير أمرها.. وهي نظرة إلى قواعد القوة التي يجسدها عنوان هذا الكتاب.
صحيح أن الكتاب ينطلق من فكرة المستويات العليا الثلاثة من هرم القوة في العالم وهي:
أميركا والاتحاد الأوروبي ومعه القوى الصاعدة التي ألمحنا إليها والمستوى الثالث الذي يحدده المؤلف (ص 89) في الأقطار النفطية وما في حكمها.
لكن الأصح في رأيه أيضا هو أن على واشنطن أن لا تغترّ بتلك المكانة التي شاءت أن تضعها عند قمة الهرم.. عليها أن تلتمس الضوء كما يقول المؤلف لكي تجيد إدارة هذه المكانة السامقة.. وهذا يعني تشكيل استراتيجية متجانسة وشاملة.. يكون من أولوياتها فهم موضوعي وعميق لمشاكل وقضايا الدول الأخرى.. ويلي ذلك معرفة لما يمكن أن تطلبه واشنطن من خبراء استخباراتها.. وباختصار شديد ـ كما يوجز البروفيسور ليزلي جيلب ـ على واشنطن أن تتعلم من جديد حقيقة الصلة الحيوية بين القوة والسياسة (أهم عناصر الاستراتيجية). بهذا يتحول بنا الكاتب إلى جزئه الثاني وبالتحديد إلى الفصل الخامس الذي يحمل عنوانا هو: الإستراتيجية والقوة
من أهم عناصر الإستراتيجية كما يتصورها المؤلف ألا تبالغ إلى حد التهويل في قدرة الخصم.. ومن واقع تجربته يقول أن أخطر ما أصاب الإستراتيجية الأميركية خلال حقبة الحرب الباردة ذلك العنصر الذي لخصوه في عبارة تقول : فجوة الصواريخ، بمعنى أن الخصم السوفييتي كان سابقا بأشواط عديدة على القطب الأميركي في مجال القذائف الصاروخية على وجه الخصوص.
يقول الكاتب في هذا الصدد: وهكذا ظلت موسكو، على مدار 40 عاما تتسبب في نزيف مستمر للموارد الأميركية والقدرة الأميركية على صعيد العالم كله.. بعد أن ظل المتشددون من ساسة أميركا ونوابها يرددون حكاية السبق الروسي في دنيا الصواريخ.. ويحذرون من إمكانية أن تحوز موسكو قصب التفوق على واشنطن الأمر الذي صوروه بأنه بالغ الضرر لا بالنسبة لسمعة أميركا، في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن أيضا بمكانة أميركا ودورها ومصالحها الحيوية، وخاصة على مستوى أقطار العالم الثالث.
معنى الإستراتيجية
وبوصفه أكاديميا مخضرما يعود بنا المؤلف إلى أصول كلمة استراتيجية.. يوضح أن اللفظ يرجع في اشتقاقه اليوناني إلى المعنى التالي: ما يصدر عن مكتب أو أوامر القائد ـ الجنرال.
لكن هذا الأصل الاشتقاقي ما لبث أن طرأ عليه معنى مستجد أضافته حقبة نابليون في فرنسا فكان أن وصلت بلفظ استراتيجية إلى معناه المعاصر على الوجه التالي: أنها فن ومهارات تعظيم قدراتك إلى حيث تستطيع تحقيق أقصى ما تهدف إلى إنجازه. وفي هذا الصدد يحيل المؤلف إلى أستاذه هنري كيسنجر الذي يعد الاستراتيجية العنصر الأهم في أي تحرك سياسي وبوصفها تكفل التفوق إذا أجيد اتباعها.
محاور الاستراتيجية الخمسة
من هنا يؤكد الكتاب على البدء بتحديد وثيق للأهداف الممكن تحقيقها.. وهي عملية قد تبدو ميسورة رغم أنها ليست كذلك في أرض الواقع حيث يجنح المرء إلى البدء بأعظم الأهداف وأقربها إلى الوجدان وقد تكون أهدافا صعبة أو حتى غير ميسورة التحقيق.
ويواصل المؤلف تحليله قائلا:
ـ أولا.. حدد الأهداف الممكنة التحقيق.. هي الكفيلة بجعل الإنجازات حقيقة واقعة. والإنجازات إذا تحققت هي أول أسباب القوة. وبعد التوصل إلى أول هذه الأسباب تستمر المسيرة إلى استجماع مقاليد القوة بأسرها. والأحمق هو الذي يحاول تحديد المشكلة بطريقة تجعل حلها من الصعوبة بمكان. وإن استعصت عليك.. ابحث عن مشكلة أخرى قابلة للحل. وهكذا فعل كيسنجر حين استعصى عليه حل مشكلة فيتنام.. فلجأ إلى مجالات وقضايا أخرى ما بين الصين إلى الشرق الأوسط (أيام السادات في مصر) وعندما نجح فيها.. استطاع أن يكسب أرضية جديدة من الثقة والثبات فعاود النظر بشكل أفضل إلى معالجة مشكلة فيتنام.
ـ ثانيا.. تأتي عملية تحديد الأولويات، الأهم قبل المهم.. والواقعي قبل المستحيل.. على أن يتم ذلك في إطار من الوضوح والانفتاح وإقامة شراكات مع جماهير الرأي العام. ومن أقرب الأمثلة الإيجابية في هذا الصدد ما نرصده حاليا من سلوك زعماء الصين: لقد حددوا أولوياتهم وما زالوا متمسكين بتحقيقها دون أن تصرفهم عن ذلك كل عوامل الشد والجذب التي تجتاح العالم في هذه المرحلة. وفي مقدمة هذه الأولويات: تحقيق النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار داخل ربوع الصين ومن ثم خلق قاعدة من التقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي ومن ثم الاجتماعي داخل الصين.. وبعدها يمكن الانطلاق على أساس قاعدة أبعد مدى وربما أشد طموحا من قواعد الأولويات.
ـ ثالثا.. ينصح المؤلف قادة الدول أن يتدارسوا جيدا عوامل قوة بلدهم.. وعوامل ضعفها أيضا.. فضلا عن تشكيلات الحلفاء والخصوم.
ـ رابعا.. هناك عنصر الإبداع في وضع الإستراتيجية الخاصة بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية لهذا النظام أو ذاك.. وبمعنى أن الإبداع مقابل التفكير الروتيني.. أو تفكير الموظفين.. وهنا يتحدث المؤلف على ما يسميه الباب الأول.. وهو أول الأبواب الواجب أن تطرقها إستراتيجية السياسة الدولية ومن خلاله يمكن أن تنفتح سائر الأبواب.
ومرة أخرى يسوق المؤلف مثالا عن علاقات أميركا مع الصين.. ويقول أن ليس بمقدور واشنطن حاليا أن تضغط على الصين كي تحد من توسعها في مجال التسلح أو تتوقف عن تهديداتها الموجهة من الصين إلى تايوان.. لكن أول الأبواب الواجب معالجتها في استراتيجية أميركا في هذا الصعيد هو العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وبكين..
وهو ما يخلق بداية مصالح حيوية للصين لدى الطرف الأميركي. بهذا ـ يضيف كاتبنا ـ يتاح للبيت الأميركي الأبيض التعامل بصورة أكفأ وعلى نحو أجدى مع أي مشاكل خطيرة مع الصين، ومنها ما قد يتعلق بقضايا الأمن الدولي أو الأمن الإقليمي المتصل بمصالح الولايات المتحدة الحيوية في منطقة جنوب وأقصى شرقي آسيا.
ـ خامسا.. وأخيرا يحثّ المؤلف على أن يتم رسم الاستراتيجية السياسية من منطلق الإدراك المتعمق للمصدر الحقيقي الذي نستمد منه إمكاناتنا وقدراتنا. وعلى رؤساء الدول بالذات أن يستوعبوا بوضوح بالغ، وطبعا بغير أوهام أو تهيؤات أين تكمن قوة بلادهم. وفي حالة أميركا مثلا يحكي المؤلف بحكم خبرته الميدانية عن الرئيس ريتشارد نيكسون. (وقد لاحظنا من متابعتنا للكتابات السياسية الصادرة في عام 2009 كيف أن المحللين الجادين يميزون بين أخطاء نيكسون في تدبير الشأن الأميركي الداخلي ـ فضيحة ووترجيت ومحاولات التغطية على انحرافات موظفي البيت الأبيض ـ وبين قدرات نيكسون المشهود بها في تدبير أمر الشؤون الخارجية باقتدار ونجاح)..
من هنا يقول المؤلف (ص 102): لقد فهم الرئيس نيكسون أن ترسيخ وتفعيل قوة أميركا في الشرق الأوسط أمر يقتضى إثبات أن أميركا هي الطرف الوحيد القادر على صياغة اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل.. واليوم فإن القوة الأميركية تستمد كيانها من واقع التوازن الإقليمي الحاصل في طول العالم وعرضه.. في آسيا مقابل الصين.. وفي الشرق الأوسط مقابل إيران وفي أوروبا مقابل روسيا.
الرؤساء والمخابرات
مع ذلك.. فكم من الرؤساء يخطئون في نظر المؤلف، من حيث التعامل مع وكالات الاستخبارات وأجهزة المعلومات التي تعمل في خدمتهم. وفي الفصل السادس من الكتاب يقول المؤلف أن الرؤساء يطلبون من دائرة المخابرات مثلا أن توافيهم بنوعية الأفكار التي تراود رؤساء الدول الأخرى وزعاماتها.. وبديهي أن أجهزة الاستخبارات لا تستطيع تلبية مثل هذه الطلبات، ولا هي من صميم أعمالها.. وكان الأوْلى في رأيه أن يُطلب إلى دوائر الاستخبارات موافاة القادة والزعماء والرؤساء بما يعينهم على فهم ما يدور داخل المجتمعات الخارجية من مشاكل وتيارات وما تعتمده من سياسات.
ورغم أن أميركا تخصص ـ والعهدة على المؤلف ـ ما يقرب من 50 مليار دولار سنويا لصالح عمليات جمع المعلومات، إلا أن تقارير الاستخبارات التي ظل البروفيسور ليزلي جيلب يطلع عليها إبان عمله وكيلا للخارجية الأميركية أو في مجلس الأمن القومي الرئاسي أقل قيمة وأدنى جدوى من حث المعلومات المطلوب معرفتها. والأفضل منها في رأيه (ص 123) ما كانت تحويه مواضيع وتقارير الصحف اليومية المنشورة على الملأ!
وعلى سبيل التوضيح يعترف المؤلف بأن ثمة تقارير استخباراتية جاءت بها الأجهزة الأميركية على مدار سنوات وكانت بالغة القيمة وجمّة الفائدة سواء ما تعلّق منها مثلا بما إذا كان في نية روسيا رفع أسعار البترول، أو ما إذا كان رئيس وزراء إسرائيل الفلاني له من قوة المكانة لدرجة تقديم تنازلات (من أجل تسوية مرتقبة) أو ما هو حجم وطبيعة البرامج العسكرية للصين.. إلخ.
لكن من ناحية أخرى، كم جاءت تقارير المخابرات في أميركا مخيبة للآمال.. وبالنسبة لقضايا شديدة المساس بالمصالح الأميركية العليا.. وخذ عندك.
ـ خلال غزوة خليج الخنازير في عام 1961 قالوا أن الشعب الكوبي سوف ينقلب على نظام كاسترو.. أو أن عرش الشاه ثابت وحكمه مستقر وطيد الأركان في أيران عام ,1979. أو أن السوفيت لن يجرؤوا على غزو أفغانستان.
هنا.. وفي عبارة موجزة يعلق مؤلفنا قائلا: في هذه البنود بكل خطورتها البالغة، كانت جماعات الاستخبارات في أميركا إما قليلة الجدوى أو كانت مخطئة على طول الخط بحيث لا تدري من الأمر كثيرا أو قليلا.
أخيرا وفي مجال الربط بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.. يحاول المؤلف أن يوجز حصائل خبرته الطويلة في هذا المجال.. في 5 نصائح يقدمها إلى الرئيس الأميركي أوباما وإن كان يصفها من باب اللياقة بالطبع بأنها 5 قواعد تكفل في رأيه قدرة الرئيس على المساومة خارج الحدود.
القاعدة (1): لا تستهن بقادة الدول الأخرى: منهم من يتصور أنه قادر على أن ينال مبتغاه إذا ما استطاع التأثير على الرأي العام داخل أميركا باستخدام أساليب الإعلام أو الدعاية أو جماعات المصالح عليك أن تشعرهم بأنك تقبض بإحكام على مقاليد السياسة الخارجية.
القاعدة (2): لا تتردد في أن تضم إلى مجالات صنع السياسة الخارجية كل اللاعبين القادرين على إفادتك.. منهم معاونوك المحترفون، ومنهم خبراء السياسة ومنهم عسكريون ومنهم دوائر الاستخبارات وأجهزة المعلومات، وليس من سبب في أن لا تضم إلى هذا الفريق عناصر من المنظمات غير الحكومية.
القاعدة (3): عليك أن تكسر الطوق الذي أصبحت تفرضه «ميديا» التليفزيون حين تطارد السياسي أو صانع القرار فإذا بها تعلن عن السياسات حتى قبل اتخاذها أو وضعها موضع التنفيذ.. نريد أن نسمع الناطق باسمك وهو يقول: نحن ندرس هذا الأمر.. وسنعود إليكم بعد البتّ فيه.
القاعدة (4): ليتك تبني محورا سياسيا من أصحاب النظرة الواقعية في السياسة الخارجية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري هذا المحور أو المركز سيكون بمثابة القاعدة الوطيدة التي تسيطر أنت عليها وتستطيع من خلالها أن تبعث ما تريده من إشارات إلى زعماء العالم الخارجي.
القاعدة (5): عندما يرتفع الزعيم عن صغائر المسائل المحلية والاعتبارات الداخلية، وخاصة عندما يكون بصدد صنع السياسة الخارجية يحقق النجاح في الخارج ويحوز الاحترام في الداخل.
الصفحات: 334 (متوسط)
الكتاب: قواعد القوة في السياسة الخارجية
تأليف: ليزلي جيلب
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: هاربر كولنز، نيويورك - 2009
