المشهد نفسه يتكرّر كل يوم أمام صندوق المؤسّسة العامة للإسكان في بيروت: «عجقة» رجال ونساء من جميع الفئات العمريّة، وغالبيتهم من الشباب الحالمين بدخول «القفص الذهبي».. ينتظر كل واحد منهم دوره لتقديم طلب قرض سكني، حاملاً «كدْسة» أوراق ثبوتيّة لا بدّ منها في الإجراءات الروتينيّة، والتي قد يستغرق تجميعها أكثر من شهرين.. وفي المحصّلة، تتكدّس طلبات القروض السكنيّة في المؤسّسة، ومن ضمنها نحو 60% تعود إلى فئة الشباب التي أنهكتها ظروف الحياة ومتطلّباتها.

هو الهدوء المرفق بالكثير من الآمال يوحّد جميع طالبي القروض في «حضرة» مؤسّسة (أنشِئت عام 1996، لتحلّ مكان الصندوق المستقلّ للإسكان) تتوجّه إلى الفئات الاجتماعية المتوسّطة والفقيرة، وأغلبهم من موظّفي القطاعين العام والخاص أو أصحاب المهن الحرّة الصغيرة..

يقصدون المكان باكراً «مطمئنين» إلى كون الأزمة الماليّة العالميّة لم تترك تأثيراتها السلبيّة على قروض الإسكان في بلدهم، باعتبار أن شريحتهم «المعتّرة» (حسب المصطلح اللبناني المعروف) لم تتأثر مباشرة بالأزمة..

وذلك، بدليل أن نسبة عدم إيفاء الأقساط الشهريّة لا تتعدّى، حاليّاً، ال ـ 85, 0 %، وهي نسبة ضئيلة جداً لها أسباب عدّة، أهمها حرص المواطنين، وخصوصاً ذوي الدخل المحدود، على استمرار تملّكهم لمنزل هو في أغلب الأحيان كل «جنى عمرهم».. علماً أن المؤسّسة أمهلت المتخلّفين عن الدفع حتى سبتمبر المقبل، وإلا فستطبّق مضمون العقود بما تقتضيه من فوائد التأخير، وصولاً إلى إجراءات قانونية تصل إلى حد عرض المنازل في المزاد العلني.

بلغة الأرقام، وفيما يقدّر أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية علي ماجد الحاجات السنوية للعائلات الجديدة، حالياً، في حدود 25 ألف وحدة سكنية، فإن عدد الطلبات سجّل هذا العام رقماً قياسيّاً: 4107 طلبات حتى نهاية يوليو الفائت، بينها 3592 طلباً حصلت على موافقة من المصارف التجارية ومن مجلس إدارة المؤسّسة العامة للإسكان (الجهتين اللتين تدقّقان في الطلبات)..

كما أنجز الصندوق 2621 اتفاقية نهائيّة، حتى الآن، بقيمة 267 مليار ليرة لبنانية.. علماً أن عدد الاتفاقيات التي أنجِزت خلال السنوات الماضية كانت وفق الآتي: 6400 اتفاقية عام 2008، 5600 اتفاقية عام 2007، 3500 اتفاقية عام 2006، فيما لم يتعدَّ عدد الاتفاقيات المُنجزة عام 2000 ال1500 اتفاقية.. وذلك، في ظلّ احتمال وصول عدد الاتفاقيات النهائيّة المنجزة هذا العام إلى 7 آلاف اتفاقية، حسب تقديرات رئيس مجلس إدارة المؤسّسة العامة للإسكان بالإنابة عبد الله حيدر.

في الآونة الأخيرة، أعلنت المؤسّسة العامة للإسكان أنها رفعت سقف تحديد القرض الإسكاني من ثلاثة ملايين ليرة إلى خمسة ملايين ليرة، انسجاماً مع الزيادة الأخيرة على الحدّ الأدنى للأجور (من 300 إلى 500 ألف ليرة لبنانية).. مع العلم أن مرسوم تحديد فئات المستفيدين من قانون الإسكان يربط الاستفادة به بتقسيم المستفيدين إلى ثلاث فئات: الأولى تضمّ كلّ لبناني لا يتجاوز معدّل دخله العائلي الشهري ضعفَي الحدّ الأدنى للأجور..

والثانية تضمّ كل لبناني يتجاوز معدّل دخله العائلي الشهري ضعفَي الحدّ الأدنى للأجور، ولا يتعدّى ستّ مرات هذا الحدّ.. أما الثالثة، فهي تضمّ كل لبناني يتجاوز معدّل دخله العائلي الشهري ست مرات الحدّ الأدنى للأجور، ولا يتعدّى عشر مرات هذا الحدّ.

بحسب حيدر، فإن المؤسّسة تغطّي حوالي ثلث حالات الزواج، سنويّاً، والمقدّرة ما بين 22 ألفاً و25 ألف حالة.. وإذ تغطّي القروض جميع المناطق اللبنانية، باستثناء البلدات التي لا يتوافر فيها مسوحات وفرز للأراضي، فإن آليّة الاقتراض تتلخّص بالآتي: المصارف توفّر مبلغاً يعادل ما بين 60% و80% من قيمة تخمين المنزل، وعلى المواطن أن يدفع الفرق بين ثمن المنزل وقيمة القرض الذي حصل عليه من المصرف، بعد اقتطاع 10% من قيمة القرض وإيداعه في حساب المؤسّسة العامة للإسكان وديعةً لمصلحة المواطن..

يضاف إلى ذلك قبول الطلبات من دون أي رسم أو مقابل.. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أن «مصرف الإسكان» (أنشِئ عام 1979) هو المانح الأساسي للقروض، حيث تملك الدولة 20% من أسهمه، إضافة إلى تعاون المؤسّسة مع 27 مصرفاً لبنانياً لمنح القروض.

وبعد أن ارتفع الحدّ الأقصى لقيمة المسكن من 70 ألف دولار إلى 120 ألفاً، باتت قيمة القروض تتراوح بين 68 و450 مليون ليرة، ويبلغ سعر الفائدة 6% إذا كانت قيمة المسكن أقلّ من 180 مليون ليرة، وترتفع إلى 8% في الحالات الأخرى.. ويسدَّد القرض عبر أقساط شهريّة تتوزّع على فترة ممتدّة بين 20 و30 سنة، بحيث لا يتعدّى القسط الواحد ثلث الراتب، مع إلزامية التأمين على الحياة والسكن.

بيروت ـ وفاء عواد