في هذه الحلقة نقف مع المؤلف مليا عند معركة تأميم قناة السويس بكل ملابساتها ما بين المؤامرة الثلاثية بغزو مصر وما بين دروسها المستفادة وأهمها اشتداد ساعد حركة تصفية بقايا نفوذ الاستعمار القديم حيث نعمت أميركا عند منتصف القرن العشرين بصورة إيجابية بوصفها بعيدة عن مواريث الاستعمار.

وتعرض الحلقة أيضا لملابسات التورط الأميركي في أدغال فيتنام وما واكب ذلك من زيادة الإنفاق والجهد العسكري، وخاصة في عهد الرئيس جونسون حيث يصل التحليل إلى العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين قد شهدت تغيرات الساحة الدولية ما بين زيادة عضوية الأمم المتحدة إلى ثورة الاتصالات إلى الدور المحوري الذي أصبحت تضطلع به ميديا الإعلام في صوغ السياسة الخارجية للدول والتأثير عليها.

في عام 1956 وقعت معركة السويس.. أو أزمة السويس كما تسميها سطور هذا الكتاب.

أصل الحكاية يرويه المؤلف على النحو التالي: شاركت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل في غزو مصر من أجل استعادة السيطرة على قناة السويس (يقصد بعد تأميمها) ولكي يلقنوا درسا إلى جمال عبد الناصر، الزعيم الصاعد وقتها لحركة القومية المصرية (لعله يقصد الحركات الوطنية في مصر) ولكن ما كانت لا واشنطن ولا موسكو ترضيان بذلك.

وهكذا هدد الرئيس الأميركي أيزنهاور حلفاءه الثلاثة بعقوبات اقتصادية بالغة القسوة فما كان من لندن وباريس إلا أن سحبتا قواتهما وقد عانت كل منهما إهانة بالغة.

يواصل المؤلف سرده قائلا: بيد أن السويس كانت نقطة التحول والانطلاق أمام «ناصريّي» المستقبل لأنها بعثت برسالة مؤداها أن العالم جدير بأن يقف إلى جانبهم ضد سادتهم المستعمرين بقدر ما كانت الرسالة موجّهة كذلك إلى زعماء الإمبراطوريات الكولونيالية.. بمعنى رسالة تحذير بأن حلفاءهم لن يؤازروهم في أي حرب استعمارية يخوضونها على نطاق واسع.

هامش على المتن

من ناحيتنا نورد هامشا على متن ما رواه المؤلف ـ الدكتور «ليزلي جيلب» عن موقف الرئيس أيزنهاور من رفض الغزو الذي شنته القوى الثلاث على مصر ـ العدوان الثلاثي كما اصطلحت عليه حوليات التاريخ العربي المعاصر.

لقد شهد سياسي أميركي مخضرم هو «بيتر رودمان» في أحدث كتاب صادر في هذا الشأن بعنوان «الأمر الرئاسي» بأن الرئيس أيزنهاور ما لبث أن تراجع عن موقفه معترفا بعد ذلك بسنوات بأن وقوفه ضد العدوان الثلاثي على منطقة القناة المصرية كان «أكبر خطأ سياسي» ارتكبه في حياته.

وقد صرح الرئيس الأميركي بهذا إلى اثنين من جلسائه أو خلصائه كان أولهما ـ كما أوضح الكاتب الأميركي الذي ذكرناه ـ هو نائبه ريتشارد نيكسون فيما كان الثاني هو سفير إسرائيل في واشنطن.

نعود إلى كتابنا الذي يواصل الحديث في هذه النقطة حيث يضيف المؤلف قائلا: وليس لنا أن ننسى أنه عندما أطاح عبد الناصر بالملك فاروق في عام 1952، فقد كانت تلك هي المرة الأولى منذ القرن السادس قبل الميلاد التي حكم فيها البلاد مصري من أهلها وليس أجنبيا وافدا، وكان ذلك حدثا مذكورا جاء بمثابة رسالة أو نبوءة حملت في طياتها إمكانية أن يتولى زعماء وطنيون آخرون مقاليد بلادهم ولو بالتدريج، ويسوسون فيها حياة شعوبهم حيث يحلون محل المهراجات ورؤساء القبائل والولاة الأجانب الذين كانوا في مجموعهم يشكلون بقايا عصور السيطرة الإمبراطورية للعثمانيين والبريطانيين والفرنسيين وغيرهم.. ومع هذا المد من الاستقلال والحكم الوطني جاءت الإرادة من أجل مقاومة الاحتلال الأجنبي والضغط الخارجي على السواء.

عالم ما بعد الاستعمار

كانت تلك ـ كما يوضح كتابنا ـ هي حقبة عالم ما بعد الكولونيالية وقد دخلتها الولايات المتحدة مؤَّيدة من جميع الجوانب وخاصة بفضل سجل يشهد لها بشكل عام بأنها كانت تعارض هذا الوضع الاستعماري.

بل كانت على استعداد لمساعدة الدول الجديدة في الحفاظ على استقلالها من خلال الأمم المتحدة التي كانت مستجدة بدورها على الساحة الدولية، فضلا عن برامج المعونة الاقتصادية ودور المؤسسات المالية العالمية وفي مقدمتها البنك الدولي.

هكذا ارتسمت الصورة الإيجابية لأميركا في وجدان الدول حديثة الاستقلال: صورة تجسد الحرية والفرصة.. فما بالك وقد كانت أميركا ذاتها مستعمَرة للإنجليز في سالف الأيام.

والمشكلة أن هذه الصورة، بكل أبعادها الإيجابية تغيرت.. لماذا؟.. كان السبب هو الحرب الباردة واشتعال التنافس الإيديولوجي والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي بين أميركا وغريمها اللدود الاتحاد السوفيتي، وزاد من وطأة هذا التغير تلك المخاوف التي استبدت بأميركا (مطالع الخمسينات بالذات) من عقيدة الشيوعية.. فكان أن تغيرت الأوضاع وبدأت متاعب واشنطن في العالم الثالث.

هذا الهلع من الشيوعية

هنا يتريث المؤلف موضحا أن واشنطن استبد بها التخوف لدرجة أن ظلت ترى وجودا أو جهودا (أو مؤامرة) سوفيتية وراء أي حركة أو خطوة أو تصرف يحدث في العالم الثالث.. وزاد هذا الهاجس إلى درجة أن أقدمت واشنطون على الإطاحة بحكومات كانت منتخبة شرعيا سواء في غواتيمالا أو في إيران (الدكتور محمد مصدق) بزعم أنها موالية للشيوعية.. وفي المقابل لم تتورع واشنطون وليس غيرها عن مؤازرة أكثر من ديكتاتور يظهر أمامها بديلا عن الشيوعية.

وقد تمادى هذا التيار في محيط السياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى حد أن واجهت اثنتين من الصدمات أو النكسات حسب تعبير المؤلف على الوجه التالي: الأولى في فيتنام حيث حاولت أميركا أن تملأ الفراغ الذي خلّفته الإمبراطورية الفرنسية التي كانت مسيطرة على مقاليد منطقة الهند الصينية في جنوب شرقي آسيا فكان أن مُنيت أميركا بهزيمة في أدغال فيتنام لدرجة أن وصف الرئيس الأسبق نيكسون ما آل إليه وضع بلاده قائلا على نحو ما ينقل مؤلف هذا الكتاب: لقد أصبحت أميركا عملاقا عاجزا تعيسا يستحق الرثاء.

ـ النكسة الثانية تجسدت ـ كما يوضح المؤلف أيضا ـ في قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وهنا يقول الكتاب أن أحداثها لم تقتصر على أخذ رهائن من سفارة واشنطون في طهران ولكن الذي حدث (ص 15) أن معظم الأميركيين ظلوا في وضع الرهائن على مدار 444 يوما وكان في ذلك تذكرة أو عبرة يومية تصور مدى قلة ما تملكه دولة كبرى من إمكانات التحكم في الأحداث بالنسبة لدولة أصغر منها.

لكن الدنيا تغيرت

مع هذا كله فقد جاء عقد التسعينات ليسقط ويزول القطب السوفيتي المنافس، ولتبقى الولايات المتحدة ـ كما يصفها الكتاب ـ أقوى دولة في التاريخ سواء من النواحي العسكرية أو الاقتصادية أو التقنية، وهو ما دفعها بعد أحداث سبتمبر إلى أن تشنّ حربها على أفغانستان تحت شعار مكافحة الإرهاب.

والمشكلة أن الساحة المستجدة دوليا مع أواخر القرن العشرين وفواتح القرن الجديد. لم تكن هي تلك الساحة العتيقة التي كانت مفتوحة على مصاريعها أمام القوى الإمبراطورية القديمة في القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين.. ويوضح المؤلف كيف أن مد الحركات القومية زود كثيرا من الأمم والشعوب بطاقات للمقاومة ورفض الانصياع أو الاستسلام أمام الهيمنة الخارجية.

من ناحية أخرى زادت ساحة السياسة والعلاقات الدولية تعقيدا بعد أن كانت تتسم بنوع من البساطة حتى العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين قبلها كان الحل العسكري يكفل حسم القضايا إلى حد ليس بالقليل.. بعدها اشتد ساعد الدولة القومية في شكلها الحديث ومعها زادت أهمية وأدوار المؤسسات ذات الطابع الدولي.. يكفي مثلا ـ كما يبين مؤلف الكتاب ـ أن عصبة الأمم التي عاشت عقدي العشرينات والثلاثينات كانت لا تضم سوى 32 دولة ليس إلا.

بعدها جاءت الأمم المتحدة التي بدأت ـ كما هو معروف ـ بعضوية لا تزيد على 51 دولة..ثم ارتفع هذا العدد بفضل حركات استقلال الستينات وصعود موجة تصفية الاستعمار ليصبح 144 دولة في عام ,1975. ثم ليصل إلى قمة في عام 2006 قوامها 192 دولة عضو في الأمم المتحدة.

وكلها ـ وخاصة الدول الصغرى ـ ظلت محتمية بمبدأ اسمه مساواة الدول في السيادة (بصرف النظر عن حجمها أو مساحتها أو إمكاناتها) فضلا عن لجوئها إلى أعراف القانون الدولي وآليات المنظمات والوكالات الدولية.

هنا أيضا يضيف المؤلف عنصرا أدى في نهاية المطاف إلى الحد من إطلاق يد الدول القوية في التصرف على الساحة العالمية هذا العنصر يتمثل في نمو «ميديا» الإعلام الدولي بكل ما حشدته بفضل الابتكارات المحدثة من إمكانات نقل الخبر لحظيا ونشر المعلومة كوكبيا وهو ما أعاق في رأي مؤلفنا (ص 21) إمكانية أن تمارس الدول الكبرى قوتها بصورة مطلقة أو بغير حسيب أو رقيب.

يستطرد الأستاذ جيلب قائلا في نفس السياق: هذا النمو (الكمي والنوعي) في إمكانات الإعلام أسفر عما يمكن وصفه بأنه التكوين الفوري للرأي العام الدولي.. الذي عادة ما يكون معارضا لأي تكتيكات تستخدم فيها القوة من جانب الدول الكبرى: أين هذا الوضع من زمن انقضى أو أزمان فات أوانها.. حين كان بوسع القوات الاستعمارية أن تقتل آلاف البشر في أٌقاصي المعمورة ولا يكاد يعرف عن ذلك أحد.. أما الآن فإن قصف بيت واحد بقنبلة هنا أو هناك.

وتعرّض طفل لمسغبة الجوع في هذا البلد أو ذاك بسبب العقوبات الاقتصادية أصبحت أخبارا وصورا تملأ شاشات التلفاز والحاسوب حول الكرة الأرضية في غضون ساعات قلائل إن لم يكن في مدى دقائق معدودات.

هنا نشعر كقارئين ومحللين أيضا ـ أن المؤلف يود لو يعطي لبلاده بعض حقها أو ما يتصور أنه حقها حين يقول ضمن محاور الفصل الثاني من الكتاب:

ـ والحق أن قوة أميركا في العالم واجهت عقبات بسبب ما تحقق من إنجاز الأهداف الدولية التي دعت إليها أميركا شخصيا: تطور الديمقراطيات.. حرية الأسواق.. حرية التجارة.. الحق الوطني في تقرير المصير.. كلها أفكار تصدرت أميركا مسيرة الدعوة إلى تحقيقها فلما تحققت ـ يضيف المؤلف ـ كان في تحقيقها قيود تحد من حرية الحركة أو انطلاقة التصرف أمام أميركا ذاتها.. فيا للمفارقة!.

بين الليبرالي والمحافظ

في الفصل الثالث من الكتاب يجهد المؤلف في إيراد التعريفات المتباينة لمعنى قوة الدولة وتأثيرها وسلطانها ونفوذها من منظوره المعتمد وهو السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ويحسن المؤلف أيضا حين يميز بين أهم مفهومين واردين في هذا الصدد وهما:

ـ مفهوم الليبراليين ويقول بأن القوة تقوم على أساس فهم الآخرين.. وتستند إلى عوامل جوهرية شتى منها ما يلي: القيادة.. المبادئ.. القيم.. المنطق.. سبل التواصل (التفاهم) ثم الإقناع.

ـ مفهوم المحافظين ويرى أن المسألة الأولى بالرعاية أو بتركيز الاهتمام هي تحقيق المصلحة القومية الذاتية قبل حكاية المبادئ العالمية.. والقانون الدولي وما إلى ذلك.. وباختصار شديد يرى محافظو السياسة الخارجية الأميركية ما يلي: ممارسة الضغط أولى من محاولة الإقناع.

وما برحت الساحة الأميركية تتحاور.. تتفق وتختلف حول هذه الاستخدامات للقوة.. يستوي في ذلك القادة والعلماء والمفكرون.

الصفحات: 334 (متوسط)

الكتاب: قواعد القوة في السياسة الخارجية

تأليف: ليزلي جيلب

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: هاربر كولنز، نيويورك