تعاود الحماية الاجتماعية طرح نفسها في الواقع اليمني كسؤال ملح في انتظار جواب لطالما بذلت الحكومة جهوداً من أجل بلوغه، غير أن محدودية تلك الجهود والمبادرات وافتقارها إلى التنسيق والاستهداف الجيد تعتبر فجوات في مجال الحماية الاجتماعية تقلل من فعاليتها، وتحد من تأثيراتها المرجوة على ارض الواقع، وخاصة فيما يتعلق برفع المعاناة عن الأطفال.
على الأقل فتلك أبرز محددات واقع الحماية الاجتماعية، كما وردت في «تقرير الحماية الاجتماعية في اليمن: المرحلة الأولى» والصادر منتصف العام 2007م بتنسيق وتعاون بين الحكومة اليمنية وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء والبنك الدولي.
يكشف التقرير عن صعوبات مضاعفة بالنسبة لليمن مقارنة ببلدان أخرى، من شأنها تعزيز التحديات التي تواجهها في طريق عمليتي تحسين الاقتصاد والتنمية الاجتماعية، وتتحدد تلك الصعوبات في الانطلاق من قاعدة منخفضة في معدل دخل الفرد، والمؤشرات الاجتماعية أمام محدودية الموارد والزيادة المتسارعة في عدد السكان..
يشار إلى أن برامج واستراتيجيات الحكومة والتي هدفت إلى تحقيق التعليم للجميع كجزء من متطلبات تخفيف الفقر والذي تأكد ارتباطه الوثيق بموضوع التعليم قد أثمرت ارتفاعاً في معدلات الالتحاق في التعليم الأساسي بنسبة تصل إلى 38% بين العامين الدراسيين 1996 / 1997م ـ 2004 / 2005م.
وبشكل أسرع لنفس الفترة في المرحلة الثانوية بنسبة بلغت 84%، غير أنه قابل هذا الارتفاع على الطرف النقيض ارتفاعٌ في مستوى عدم تكافؤ الالتحاق في المدارس بين أفقر وأغنى فئات عشرية للدخل، فمنذ العام 1998م انحدر معدل الالتحاق لأفقر فئة عشرية بمقدار 6نقاط مئوية ليصل إلى 50%عند العام 2006م بينما ارتفع معدل الالتحاق لأطفال الأسر الغنية بحلول العام 2006م إلى 82%، أي بزيادة 15نقطة مئوية عن نسبة 67% التي أشارت إليها نتائج مسح ميزانية الأسرة في العام1998م.
أكثر من ذلك فإن مسحاً تم تنفيذه خلال العام 2007م لقياس أثر إلغاء الرسوم المدرسية في الصفوف 1ـ 6 بالنسبة للبنات وفي الصفوف من 1 ـ 3 بالنسبة للبنين، أظهر عدم حدوث تغيير في مواقف الأسر الفقيرة تجاه إلحاق أطفالهم بالتعليم، ذلك في حين ان ذاك الإلغاء للرسوم المدرسية عاد بالفائدة على مجموعات اجتماعية واقتصادية أخرى.
كما أن اقتصار برنامج التحويلات النقدية المشروطة والهادف إلى تشجيع التحاق الفتيات بالتعليم على الصفوف 4 9 يتضمن عدم مد يد العون للصفوف الثلاثة الأولى، ثم إن ظاهرة التسرب ستفعل فعلها على نطاق واسع، فمن بين 85 طفلا في سن 6سنوات وما فوق، هم من سيلتحقون بالمدرسة من كل 100 طفل لن يصل إلى نهاية المرحلة الثانوية سوى 19، و7 فقط منهم سيلتحقون بمراحل التعليم بعد الثانوي.
الأسوأ من ذلك بكثير، هو ما يلحظه التقرير من أن جهود الحكومة المبذولة في مسار تحسين أنظمة التعليم والتدريب على طريق الربط بسوق العمل تصطدم بحقيقة أن مخرجات التعليم الضعيفة وغير الملائمة ليست ذات صلة.
بصورة عامة يعتبر التقرير خارطة طريق لاستراتيجية توحد قطاعات الحماية الاجتماعية، والمتابع لكثير من توجهات الحكومة الأخيرة يجدها متناغمة مع تضاريس الخارطة، لكن السير فيها قبل إقرار الاستراتيجية يثير مخاوف عديدة، من بينها التيهْ!
صنعاء ـ عبد الكريم سلام
