طرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في عام 2007، مبادرته لإقامة «الاتحاد من أجل المتوسط» في سياق من الرهانات والتحديات وأشكال الفشل التي واجهت الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية التي انطلقت في برشلونة عام 1995.
ويأتي هذا المشروع المتوسطي الجديد في سياق استمرارية النهج الذي تبنّاه الاتحاد الأوروبي في منظور تعزيز العلاقات مع بلدان حوض المتوسط. وإذا كانت الأهداف المعلنة للمشروع هي فتح آفاق أوسع وأرحب وأعمق للأمن الإقليمي في المنطقة وسلامها وازدهارها، فإن أوروبا تحاول أيضا من خلاله تأكيد مصداقيتها على صعيد السياسة الخارجية وتأكيد دورها على المسرح الدولي، خاصة في مواجهة القوة الأميركية الكبرى.
وتبقى مسألة توصل الاتحاد الأوروبي إلى صياغة سياسة دفاعية وأمنية مشتركة إحدى التحديات التي لم يتم حتى الآن التغلب عليها في ظل غياب رؤية موحّدة للبلدان الأعضاء فيه، والأمر نفسه بالنسبة للسياسة الخارجية، هذا رغم الخطوات المتقدمة التي جرى تحقيقها في المضمارين.
هناك رهانات هامة سيكون لها تأثيرها على مستقبل الاتحاد الأوروبي. هذه الرهانات بعضها اقتصادي خاصة شبح البطالة المهددة وتباطؤ النمو الاقتصادي في بلدان جنوب وشرق المتوسط مما يعني تدفقات هجرة جديدة باتجاه أوروبا ومهما كان الثمن وعلو حواجز الأسلاك الشائكة. وبعض هذه الرهانات سياسي مع بروز قوى سياسية «راديكالية» مما يجعل العلاقات بين شمال المتوسط وجنوب أكثر تعقيدا. ثم هناك التحدّي الديموغرافي حيث ان ثلث سكان بلدان جنوب المتوسط تقل أعمارهم عن 15 سنة بينما يزداد سكان الاتحاد الأوروبي شيخوخة.
أمام مثل هذه الرهانات والتحديات بدا من الواضح أن الشراكة الأوروبية-المتوسطة التي انطلقت من برشلونة عام 1995 لم تؤد إلى النتائج المرجوّة منها على مختلف الأصعدة. ولم يصبح البحر المتوسط هو «بحيرة السلام» التي كان «إعلان برشلونة» قد وعد بها. بل ظل هذا البحر وحوضه منطقة للأخطار مع استمرار تدفقات الهجرة السرية والتهديدات حيال طرق البترول ومخاطر تلوث البيئة والنزاعات المحلية، وخاصة غياب أي أفق للسلام حيال النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي الذي يهز استقرار المنطقة منذ أكثر من نصف قرن من الزمن.
معاملة مزدوجة
وترى المؤلفة أنه، ومهما تعددت الأسباب التي يتم ذكرها لتفسير الفشل الكبير الذي عرفته شراكة برشلونة، فإن السبب الحقيقي الواضح هو أن الاتحاد الأوروبي لم يقدّم الإمكانيات الضرورية من أجل تحقيق الأهداف المعلنة. ذلك أن أولويته ذهبت في الواقع نحو بلدان شرق القارة القديمة. ففي عام 2003 على سبيل المثال، منح الاتحاد الأوروبي مبلغ 545 يورو لكل فرد من سكان البلدان الأوروبية الشرقية التي دخلت في إطاره بينما لم يوزع سوى 14 يورو لبلدان المنطقة الأوروبية-المتوسطية.
وفي عام 2007 حصلت بولندة على ما يعادل 7, 2 بالمئة من إجمالي إنتاجها الداخلي بينما لم تحصل تونس سوى على 3, 0 بالمئة. هذا في الوقت الذي يتم فيه التأكيد على أن الانفتاح على جنوب المتوسط يشكل رهانا لا يقل أهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي من رهان الانفتاح على شرق أوروبا.
مبادرة فرنسية
على خلفية المحصلة المتواضعة للشراكة الأوروبية-المتوسطية لبرشلونة قامت مبادرة «الاتحاد المتوسطي» الفرنسية. وذلك في منظور إعطاء قوة دفع جديدة لعلاقاتها مع شركائها المتوسطيين. وتتمثل القاعدة الأساسية في المبادرة الفرنسية بمحاولة تجنّب أسباب فشل مسيرة برشلونة. وبعد عدة أسابيع من التوترات والخلافات حول السياسة المتوسطية وأفق الاتحاد الأوروبي على مشروع المبادرة الفرنسية من أجل المتوسط.
وجرى في ظل رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي تبنّي مشروع بتاريخ 13 يوليو 2008 بحضور 44 رئيس دولة وحكومة اجتمعوا في باريس من أجل انطلاق مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» وحظيت بتأييد دولي تمثل في حضور بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة. وكان ذلك بمثابة تجسيد للاهتمام الذي لاقته المبادرة الفرنسية لدى مجمل الدول الأعضاء، المجاورة أو غير المجاورة للبحر المتوسط، من أجل مستقبل السلام والاستقرار في المنطقة.
ويندرج هذا المشروع أيضا في سياق الاستمرارية السياسية للنهج الذي تبنّاه الاتحاد الأوروبي وحيث كانت فرنسا هي التي سعت لإرساء مثل ذلك النهج.
ويتمحور مشروع الاتحاد من أجل المتوسط حول ستة محاور أساسية تتمثل في معالجة تلوث البحر الأبيض المتوسط وبناء طريق واسع «اوتو ستراد» بحري وآخر برّي، والحماية المدنية، ومشروع الخطة الشمسية المتوسطية، والتعليم العالي والبحث وإنشاء جامعة أوروبية، متوسطية، وأخيرا الشروع بمبادرة أوروبية-متوسطية من أجل تطوير الشركات والمؤسسات.
وتشير المؤلفة أنه تمّ تحديد أفق عام 2020 لإزالة آثار التلوّث في البحر المتوسط. هذا مع التأكيد على أن المطلوب في جميع الميادين هو المساهمة في مشاريع ملموسة تشجّع التقارب السياسي، كما كان قد فعل الأوروبيون سابقا عندما بنوا أوروبا على أساس أشكال مختلفة من التضامن الاقتصادي. هذا إلى جانب مساهمة المشاريع الاقتصادية في دفع عجلة السلام في المنطقة.
ومن المفترض أن يتم تنسيق نشاطات الاتحاد الأوروبي عبر مديرين اثنين، ينتمي أحدهما إلى أحد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينما ينتمي الآخر إلى أحد الدول الأعضاء غير الأوروبية. ويتم تعيينهما لمدة عامين بحيث يكونان على رأس أمانة عامة من حوالي 20 شخصا.
الهدف الأساسي المعلن للاتحاد هو تطوير التعاون الإقليمي وتعزيز التكامل بين بلدان الجنوب. هذا وتحاول أوروبا من خلال ذلك كله أن تؤكد مصداقيتها على صعيد السياسة الخارجية، وذلك تحديدا في مواجهة «القوة العظمى» الأميركية.
أية سياسة خارجية وأمنية؟
واجهت السياسة الخارجية الأوروبية خلال مسيرتها التاريخية مسألتين أساسيتين. الأولى هي غياب رؤية مشتركة للبلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والثانية هي مسألة التعايش الدقيق بين دفاع أوروبي مستقل وبين الحلف الأطلسي. ثم إن السياسة الخارجية والأمن يشكّلان سمتين أساسيتين من سيادة الدول.
وفي سياق الحرب الباردة كان الأوروبيون يعتبرون أن التعاون مع الولايات المتحدة هو خير ضمان لأمنهم في مواجهة الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية. وبدا آنذاك أن الحلف الأطلسي هو المنظمة الوحيدة القادرة على أن تؤمّن بنفس الوقت التضامن بين جانبي الأطلسي وتنظيم الدفاع الأوروبي. هذا في الوقت الذي كانت مسائل الدفاع والأمن مستثناة منذ سنوات الخمسينات من صلاحيات المؤسسات الأوروبية المشتركة. ومثل هذه الصلاحيات غائبة أصلا عن معاهدة روما (1907).
وطيلة الحرب الباردة أيضا فشلت جميع المحاولات الرامية إلى إيجاد مفهوم دفاع أوروبي مشترك، ذلك بسبب عدم وجود اتفاق عام حول درجة التكامل لأوروبا الدفاعية المحتملة وحول درجة وطبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة في هذا الميدان. وفي عام 1970 تمّ تأسيس ما عُرف بالتعاون السياسي الأوروبي في منظور تأكيد دور أوروبا تدريجيا على المسرح الأوروبي. وقد استمر ذلك التعاون لمدة تزيد عن عشرين عاما.
وتحدد المؤلفة عاملين ساعدا على التقريب بين السياسات الخارجية الأوروبية، العامل الأول هو التقدّم الكبير الذي عرفه البناء الأوروبي الموحّد، الأمر الذي ساعد على فهم متبادل أفضل بين الأوروبيين وزاد بنفس الوقت من مصالحهم المشتركة. ثم إن تبنّي سياسة تجارية مشتركة وسياسات للمساعدة على التنمية أدى أيضا إلى التقريب بين السياسات الخارجية.
كذلك ساعد انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي إلى توسيع علاقاته الخارجية إلى بلدان الكومنولث، وانضمام اسبانيا إلى توسيعها باتجاه أميركا اللاتينية وانضمام البرتغال وسّعها باتجاه البرازيل والبلدان الأخرى الناطقة باللغة البرازيلية.
نهاية الحرب الباردة
العامل الثاني هو نهاية فترة الحرب الباردة مما سارع في عملية استكمال البناء الأوروبي. وأدّى زوال الاستقطاب الثنائي الدولي إلى منح قدرة مبادرة جديدة بالنسبة لأوروبا على المسرح الدولي. وكان المطلوب من أوروبا أيضا في الحقبة الجديدة العمل على ترسيخ الاستقرار في أوروبا الشرقية، وإطلاق «ورشات» جديدة لتوحيد النهج الأوروبي بعد تفجّر أزمة البلقان في مطلع عقد التسعينات الماضي.
وكانت نهاية الحرب الباردة قد أطلقت من جديد النقاشات حول أوروبا السياسية وما تمت ترجمته بالتوقيع على اتفاقيات ماستريخت لتحديد سياسة دفاعية مشتركة وأمستردام التي أقرّت تعيين ممثل أعلى للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية المشتركة وتلطيف قاعدة الإجماع. ثم عزز تبنّي «الميثاق الأوروبي الوحيد» من الانسجام بين أشكال التعاون السياسي الأوروبي مع تأسيس أمانة مقرّها بروكسل. وقد كانت اتفاقية ماستريخت مرحلة أساسية حيث أكّدت على «تحديد سياسة دفاعية مشتركة بعد أجل» وما يشكّل خطوة باتجاه تحديد «هوية أوروبية للأمن والدفاع».
وكانت أزمة كوسوفو قد أظهرت عدم كفاية الاتحاد الأوروبي فيما يتعلّق بنشر الإمكانيات العسكرية. وبالتالي كانت تلك الأزمة هي العنصر الأساسي وراء قرار الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تدعيم البعد الأمني والدفاعي الأوروبي. مع ذلك لم يجد التقدم المحقق على هذا الصعيد مجال تطبيقه في مواجهة الأزمات الدولية التي شهدتها سنوات 2001-2003. أي منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وحتى اندلاع الحرب الأميركية ـ الانجليزية ضد العراق في ربيع عام 2003.
تباين ردود الفعل
بل وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الانهيار التدريجي الذي عرفته السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية المشتركة لتصل إلى أدنى الدرجات حيال الحرب ضد العراق. إن المنطق الوطني هو الذي ساد وكبح أي عمل أوروبي مشترك من قبل الاتحاد الأوروبي.
وأظهرت الإجابات التي قدمتها الدول الأوروبية على تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ثم على الحرب ضد أفغانستان أن بلدان الاتحاد الأوروبي تفضّل التعبير عن دعمها للولايات المتحدة من خلال الدبلوماسية الوطنية لكل منها وليس عبر عمل ملموس باسم أوروبا الموحّدة. ثم إن هذا المنطق الثنائي وجد التشجيع من قبل إدارة جورج دبليو بوش.
وإذا كانت أشكال التقدم التي تمّ تحقيقها على مستوى المؤسسات لا جدال حولها، فإنها لا ينبغي مع ذلك أن تخفي عدم التأقلم بين الإمكانيات والأهداف في سياق من التبدّلات الإستراتيجية الدولية.
هذه التبدلات أظهرت بنفس الوقت عجز الحلف الأطلسي، أو على الأقل محدوديته، عن التصدّي لمختلف التهديدات الخارجية المحتملة. بالتالي أصبح من الضروري تجهيز الاتحاد الأوروبي بقدرات خاصة في ميدان الدفاع وتزويده بإمكانيات القيام بعمليات عسكرية حيث لا يتواجد الحلف الأطلسي. وجرى في هذا السياق تشكيل قوة تدخل سريع أوروبية قوامها 60 ألف مقاتل.
ليس المقصود هو تأسيس جيش أوروبي ولكن تشكيل احتياطي من القوات التي تضمها الدول الأعضاء تحت تصرّف الاتحاد الأوروبي. وهناك بلدان ليست أعضاء في هذا الاتحاد مثل تركيا قد تشارك في هذه القوة الأوروبية المشتركة. واعتبارا من دخول «الاتفاقية الأوروبية المبسّطة» حيّز التنفيذ في عام 2009 يُفترض أن يتم تعيين شخص واحد لتمثيل السياسة الخارجية الأوروبية وبحيث يكون أيضا نائبا لرئيس المفوضية الأوروبية. وبهذا المعنى سوف تعطي الاتفاقية الأوروبية الجديدة للدبلوماسية الأوروبية «وجها وحيدا» للمرّة الأولى. لكن صعوبات كبيرة لا تزال قائمة على مستوى التطبيق في الواقع.
الصفحات: 224
الكتاب: أوروبا والعالم العربي منذ عام 1914
تأليف: ناديا حمور
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009
