لليوم الثالث على التوالي، بقيت «استدارة» رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط حاضرة في كل التفاصيل الداخلية، مع ما خلّفته من تصدّع في الإصطفافات السياسيّة التي حكمت لبنان طوال السنوات الأربع الماضية، لا سيما وأنه أرفق موقفه المعلن لحال الفراق بينه وبين «قوى 14 آذار» بإعلان اصطفافه إلى جانب رئيس الجمهورية ميشال سليمان، قائلاً في حديث متلفز: «أنا حالة مستقلّة، وسأنضمّ للرئيس الذي يشكّل الضمانة في الأمور الكبيرة».
جنبلاط خلط الأوراق بين 8 و14 آذار: «الأكثرية» التي كان أحد أركانها الأساسيّين لم تعد تحمل الاسم ذاته بعدما فقدت مبدئيّاً 11 نائباً و«ربحت» النائب محمد الحجّار الذي ينوي فعلياً الالتحاق مجدّداً بكتلة تيار «المستقبل»، كما علمت «البيان». وبذلك، تكون خريطة المجلس النيابي الأوليّة أصبحت بنوّابها ال128 على الشكل التالي: 58 لقوى 14 آذار، 57 لقوى 8 آذار، و13 وسطيّون (نواب جنبلاط ال11، إضافة إلى النائبين نجيب ميقاتي وأحمد كرامي).
وفي السياق، أكّد مفوّض الإعلام في الحزب الاشتراكي رامي الريّس أن خروج جنبلاط من «فريق 14 آذار» «قرار نهائي.. ولكن، ليس للذهاب إلى أي مكان آخر»، فـ «نحن نريد أن نكون في الوسط، ونساهم تدريجيّاً بتخفيف الانقسام السياسي الحادّ»، مضيفاً: «نحن منفتحون على الحوار مع جميع الأطراف داخل أو خارج 14 آذار حول هذا الموقف».
في المقابل، استمرّت «قوى 14 آذار» بالتعبير عن استهجانها لمواقف جنبلاط، ولكن من زاوية التأكيد على ثوابت التيار. الرئيس أمين الجميّل شدّد على وجوب أن «نبقى موحّدين حول ثوابت ثورة الأرز التي تعمل على بناء دولة مسؤولة ومؤتمَنة، ولها فقط حق القرار في السلم والحرب».. اما النائب أحمد فتفت رأى أن «جنبلاط ما زال من روّاد ثورة الأرز»..
في وقت أشار عضو كتلة «المستقبل» النائب نبيل دو فريج إلى أن النواب المسيحيين في كتلة جنبلاط «منزعجون، وما زالوا على موقفهم الثابت في السياسة وثورة الأرز». وفي حين فضّل النائب نديم الجميّل عدم الدخول في السجال «مع من كان ركناً أساسياً في ثورة الأرز، احتراماً منا لجمهور 14 آذار».. وجّه النائب دوري شمعون سؤالاً إلى جنبلاط: «لماذا لم تعلن موقفك قبل الانتخابات النيابية؟».
وإذا كانت تداعيات «المفاجأة الجنبلاطيّة» لم تقتصر، سياسياً، على 14 آذار، بل تعدّتها نحو مجمل مسار عملية تأليف الحكومة الجديدة، بصيغتها الرقميّة الجديدة (12 - 10 - 5 لرئيس الجمهورية بما تتضمّنه من وديعتين للمعارضة وللموالاة.. إضافة إلى ثلاثة وزراء لجنبلاط)، فإن مصدراً مقرّباً من الرئيس المكلّف سعد الحريري الذي غادر لبنان أمس متوجّهاً إلى فرنسا لـ «تمضية إجازة عائليّة»، أكّد لـ «البيان» أن الأخير متمسّك بـ «3 لاءات»: لا اعتذار عن التأليف، مهما كبرت المصاعب.. لا ردود على خطوة جنبلاط.. ولا سجالات من شأنها تأزيم الخلاف مع جنبلاط، مشيراً إلى أن رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة بدوره «حريص على عدم البحث في أي موضوع يتعلّق باعتذار الرئيس المكلّف، وعلى ضرورة التعامل مع المستجدّات التي طرأت (انقلاب جنبلاط) بهدوء ورويّة».
وعلمت «البيان» من مصادر موثوقة أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان لم يكن على علم بسفر الرئيس المكلّف إلى جنوب فرنسا، أمس، ل«تمضية إجازة عائليّة»، علماً أن لقاءً جمعهما أول من أمس.. كما كان مقرّراً أن يترأّس الحريري اجتماع تكتّل «لبنان أولاً»، وفق إشارة مصادره ل«البيان»، إلا أن سفره المفاجئ استدعى عقد اجتماع اقتصر على نوّاب كتلة «المستقبل»، وترأسه للمرة الأولى رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة.
وأشار بيان صادر عن المجتمعين إلى أن السنيورة أوضح للنواب أن سفر الحريري في إجازة خاصة «يهدف إلى أخذ مسافة فعليّة عن حرارة الجدل الدائر حول التكوين السياسي لقوى 14 آذار، وكذلك عن المشاورات بشأن تشكيل الحكومة»، مضيفاً «ان سفر الرئيس المكلّف يهدف إلى التفكير بهدوء، بعيداً عن الجدل الكلامي الذي دار في الفترة الأخيرة».. كما لفت البيان إلى أن المجتمعين «ناقشوا عنوان لبنان أولاً الذي أثار الكثير من الاجتهادات والتأويلات غير الدقيقة حول مضمونه»، وعبّروا عن تمسّكهم بهذا الشعار الذي لا يتناقض مع الانتماء العربي للبنان.. ورأوا أن لبنان يقدّم نموذجاً حضارياً ومتنوّعاً للعيش المشترك وللعروبة.
بيروت - وفاء عواد