كان حوض البحر المتوسط منطقة توترات ونزاعات تاريخياً، وهو يعيش في المرحلة الراهنة جملة من التوترات حول الحدود والمياه ولكن يبقى الصراع العربي ـ الإسرائيلي هو أحد أهم وأخطر هذه التوترات.

وإذا كانت أوروبا هي القوة التقليدية المهيمنة في حوض البحر المتوسط، فإن الأمر بدأ بالتغيّر منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تعاظم الوجود الأميركي في هذه المنطقة من العالم وأصبح الأمن فيها مرتبطا إلى حد كبير ب«الذراع العسكرية» الأميركية.

بالتوازي أصبحت منطقة البحر المتوسط، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، مدججة بالسلاح في ظل نوع من السباق إلى التسلح لتبلغ قيمة مشتريات العالم العربي من الأسلحة ما يزيد عن عدة مئات من مليارات الدولارات.

وفي ظل العولمة أصبح مفهوم «التهديد» متعدد المشارب، وهذا اقتضى مقاربة شاملة، عالمية، لهذا التهديد بحيث تؤخذ في الاعتبار مختلف مظاهره العسكرية والاقتصادية والديموغرافية والثقافية والسياسية.

يشكل البحر الأبيض المتوسط من حيث موقعه على ملتقى القارات الثلاث الأوروبية والإفريقية والآسيوية منطقة تقليدية للنزاعات.

ويعرف حوضه في الوقت الراهن مسرحا لاستراتيجيات تتجاوز رهاناتها على الصعيد الإقليمي. ذلك أن البلدان المجاورة له ليست وحدها التي تتمتع بحضور عسكري فيه. كما أن أوروبا التي كانت تقليديا القوة المهيمنة في البحر المتوسط يتضاءل حضورها هي الأخرى تدريجيا في مواجهة القوة الأميركية العظمى.

ثم لا شك أن القسم الشرفي من حوض المتوسط يعيش ويتطور على إيقاع تطور النزاع العربي- الإسرائيلي. ثم ان أمن المتوسط يرتبط إلى حد كبير بمآل هذا النزاع. ويمكن لحالة عدم الاستقرار التي تثقل على المنطقة وأشكال العنف المتعددة أن تؤدي بأية لحظة إلى نشوب حروب ونزاعات مسلحة بين العرب وإسرائيل. ثم ان هذه الحالة من عدم الاستقرار يمكنها أن تشكل تهديدا لتزوّد الدول الغربية بالبترول كما رأينا خلال العدوان الثلاثي على السويس وحربي 1967 و1973. نتيجة لهذه المعطيات تؤكد المؤلفة مركزية النزاع العربي- الإسرائيلي على الأصعدة الأمنية والجيو ستراتيجية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

قضية المياه بالمنطقة

ويعرف حوص المتوسط عدداً من التوترات التي يمكنها أن تمسّ أمن المنطقة وخاصة حول ترسيم الحدود بين العديد من البلدان أو النزاع على بعض المناطق. هذا كما تؤكّد المؤلفة على عدم تجاهل رهان المياه بالنسبة للبلدان المتوسطية، وحيث تحتل مسألة المياه موقعا أكثر فأكثر أهمية على مقدمة المسرح شرق الأوسطي.

وهناك أيضا الرهان الديموغرافي، حيث يتزايد عدد سكان المنطقة باستمرار بينما تزداد أيضا الحاجة إلى الأراضي القابلة للزراعة من أجل الاستجابة لمستلزمات هذه الزيادة السكانية. تتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن مصادر المياه ليست موزعة بطريقة متساوية إذ هناك بلدان «غنية» بالمياه مثل لبنان وبلدان تعاني من حاجة ماسّة لها مثل الأردن.

وتحدد المؤلفة ثلاثة نزاعات كبرى «كامنة»، أو ظاهرة إلى هذه الدرجة أو تلك. الأول مسرحه حوض النيل والذي تعني فيه مباشرة كل من مصر والسودان واثيوبيا. والثاني في منطقة شرق المتوسط حول اقتسام مياه دجلة والفرات بين تركيا وسوريا والعراق، أما النزاع الثالث فيخص حوض نهر الأردن وجميع البلدان المجاورة معنية فيه. واليوم تشكل مسألة المياه أحد الرهانات الكبيرة في النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

ثم ان التجزئة التي تلوح في الأفق بالنسبة للدولة الفلسطينية المرتقبة ستطرح مسألة قابلية هذه الدولة للحياة والاستمرار، ذلك أنها سوف تكون تابعة على الصعيدين المائي ومصادر الطاقة لإسرائيل التي تمتلك نسبة 80 بالمائة من مصادر المياه في فلسطين.

إن لب مظهر التنازع حول مسألة المياه في حوض البحر المتوسط كبير إلى درجة تزايد الحديث أكثر فأكثر عن حروب المياه التي تضاف إلى حروب الحدود أو حروب النفط. لكن هذا لم يمنع البعض من الحديث عمّا أسموه «قناة السلام» التي تمدّ بلدان المنطقة بالمياه، وبالتالي تشارك في دفع عجلة السلام إلى الأمام، وذلك انطلاقا من البحر الأحمر حتى البحر الميت وبحيث تؤمن 800 مليون حتى مكعّب من المياه الصالحة للشرب سنويا للسكان المجاورين لها.

منطق المواجهة

يربتط أمن حوض المتوسط إلى حد كبير بالتوترات والأزمات والنزاعات التي تنخرط فيها الدول المجاورة وهي ليست بالضرورة مجاورة للبحر المتوسط. وترى المؤلفة أنه يمكن ل«لعبة التحالفات» أن تدفع نحو منطق المواجهة.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد جعلت من أحد أهدافها قبل نهاية فترة الحرب الباردة تعزيز مواقعها لدى حلفائها المحليين وضمان أمن إسرائيل وتأمين تفوقها العسكري في المنطقة، وفرض الرقابة على الشركات البترولية متعددة الجنسيات التي 80 بالمئة منها أميركية والمحافظة على التزوّد المنتظم بالبترول وبأسعار معتدلة بالنسبة لها وللغرب عامة.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تدعّم موقع الولايات المتحدة أكثر فأكثر في المنطقة. ذلك أن المسألة تجاوزت السيطرة على طرق النفط أو على المواقع الاستراتيجية في حوض المتوسط وفي جزره، إذ أصبح المطلوب هو إرساء أسس سلطة «وحيدة القطب» على الصعيد العالمي.

وكان الرئيس الأميركي جورج بوش «الأب» قد سعى لإقامة «نظام دولي جديد» بعد حرب الخليج الأولى عام 1991. كان المقصود هو ترسيخ الهيمنة الأميركية في العالم. وقد توصلت الولايات المتحدة بالفعل إلى جعل الأمن الإقليمي مرتبطا ب«الذراع العسكرية» الأميركية.

منطقة مدججة بالسلاح

أدى ذلك التوجه الأميركي إلى جعل البحر المتوسط منطقة مدججة بالسلاح كاستكمال لمسيرة بدء عمليات منذ أوائل عقد السبعينات الماضي وحيث تعاظم منذئذ شراء الدول العربية للأسلحة إلى العالم العربي تمثّل أحد أدوات، هذا إذا لم يكن الإداة الرئيسية، للسياسة الأميركية في المنطقة.

وتشير المؤلفة إلى التلازم الوثيق في كل الأمكنة والأزمنة، بين الأزمات الدولية والسباق إلى التسلح. ثم ان مثل هذا السباق في المنطقة العربية يعود إلى عدة عوامل ليس أقلها النزاع العربي-الإسرائيلي والحرب بين العراق وإيران (1980-1988) وحرب الخليج الأولى وتفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن والغزو الأميركي للعراق في ربيع عام 2003.

وإذا كانت التجارة الدولية للأسلحة قد انتشرت بسرعة ودون انقطاع منذ الحرب العالمية الثانية فإن هذه التجارة توسّعت بطريقة لا سابق لها في منطقة الشرق الأوسط على الخصوص. وتدلّ الإحصائيات المقدّمة أنه ما بين عام 1970 وعام 1990 بلغت قيمة المشتريات الدفاعية للبلدان العربية رسميا ما يزيد عن 667 مليار دولار.

وتشير المؤلفة هنا إلى أن هذا الرقم يصل بسهولة إلى ألف مليار دولار إذا أضيفت قيمة المشتريات التي بقيت طي الكتمان ثم ان خلال نفس الفترة (1970-1990) بلغت قيمة مشتريات بلدان الشرق الأوسط وحدها من الأسلحة قيمة مشتريات العالم الثالث بمجمله.

ويتم اعتبار البلدان العربية أنها أفضل «عميل» لصناعة السلاح العالمية، وذلك قبل آسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا السوداء. وكان بلدان شمال إفريقيا (العربية) والشرق الأوسط قد اشترت في عام 2003 وحده بما يزيد عن 12 مليار دولار من الأسلحة. والجزائر تكرّس كل سنة 3, 2 مليار دولار لمشترياتها من الأسلحة والأعتدة والتجهيزات العسكرية. وإذا كانت الولايات المتحدة هي المصدر التقليدي الرئيسي لمشتريات الأسلحة من قبل البلدان العربية، فإن التنوّع هو أصبح السمة الغالبة خلال السنوات الأخيرة على خلفية مشاعر العداء التي سادت في المنطقة. وفي مثل هذا السياق قامت عدة دول عربية محاولة تقليص هامش تبعيتها حيال الولايات المتحدة، وذلك عبر تنويع مصادر تزويدها بالأعتدة العسكرية.

صاحبا النصيب الأكبر

تبقى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا هي صاحبة النصيب الأكبر في سوق السلاح بالشرق الأوسط. لكن هناك عددا مهما من البلدان الأوروبية الأخرى التي تملك صناعات عسكرية مهمة لكنها تجد صعوبات كبيرة من أجل الفوز بصفقات بيع أسلحتها. وفي طليعة هذه البلدان ألمانيا وإيطاليا واسبانيا وهولندة والسويد.

وفي محصلة هذا السباق للتسلح ووجود الكثير من التوترات غدت منطقة الشرق الأوسط من جديد مثل «برميل بارود» مخيف بما يحمله من تهديدات للأمن الدولي. المسرح الذي يتجابه فيه مختلف منتجي الأسلحة والتكنولوجيات العسكرية المتقدمة. وزيادة التسلح هذه، وما تخلقه من موازين قوى، تجعل من المفروض طرح مسألة الأمن في هذه المنطقة من العالم.

ثم إن مفهوم التهديد أضحى، في ظل العولمة، متعدد المشارب ويتطلّب مقاربة شاملة، عالمية، للأمن منذ عشرة سنوات على الأقل. وبدأ في السياق العالمي الجديد مدى التداخل الكبير بين مختلف المظاهر العسكرية والاقتصادية والديموغرافية والثقافية والسياسية.

ثم ان هذه الرؤية العالمية الشاملة للأمن تعطي حوض المتوسط أهمية استراتيجية متنامية.

ولا شك أن الولايات المتحدة تهتم خاصة بالمنطقة الشرقية منه، ذلك أنها تشكل المدخل نحو الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. أما أوروبا فإنها تولي أهميتها بالأحرى إلى المنطقة الغربية من حوض المتوسط وخاصة لبلدان المغرب العربي. لكن إجمالا هناك عدة مؤسسات غربية مثل الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي تعمل على إقامة علاقات «مبرمجة» مع حوض المتوسط، وهذا ما يكشف أيضا عن أهميته على الصعيد الأمني.

بحيرة سلام

لكن مشكلة الأمن في حوض المتوسط تبدو أنها تخرج عن دائرة تحكّم الدول الأوروبية العربية المجاورة. هذا رغم الجهود المبذولة من أجل جعل البحر المتوسط بمثابة «بحيرة سلام». وبكل الحالات ترى المؤلفة أنه لن يكون ممكنا تحقيق مثل هذا الهدف دون البحث عن أمن أوروبي-عربي أو أوروبي-متوسطي. وكانت قد قامت عدة مبادرات في هذا الاتجاه. لكن يبقى تحقيق الأمن في المتوسط والمنطقة بمجملها مرتبطا إلى حد كبير بمسيرة السلام في الشرق الأوسط.

وتؤكد المؤلفة في هذا السياق على أهمية إجراء حوار حول الأمن في المنطقة مع الحلف الأطلسي، ذلك أن المنطقة المتوسطية، ومنطقة الشرق الأوسط عموما، تأخذ بمكانة متزايدة في الاهتمامات الأمنية للحلف الذي يعرّف نفسه اليوم كأداة للأمن الجماعي ولإدارة الأزمات. لكن من خلال الحلف الأطلسي وعبر مقاربة متعددة الوجوه لأشكال التعاون الممكنة، تريد الولايات المتحدة أن ترسّخ وجودها في البحر المتوسط.

المؤلفة في سطور

نالت ناديا حمور، مؤلفة هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في علم التاريخ من جامعة السوربون عام 2000،عن أطروحة بعنوان: «الأبعاد الاقتصادية للحوار الأوروبي-العربي 1974-1990».كما حصلت عام 2005 على شهادة التأهيل العليا «أجريجاسيون» في مادة التاريخ وهي تعمل الآن أستاذة في نفس الجامعة «السوربون» لمادة التاريخ المعاصر وبالتحديد تاريخ الشرق الأوسط في القرن العشرين .

سبق لها وقدّمت عدّة كتب، الأول عام 2004 تحت عنوان: «المجال المتوسطي، حدود مشتركة بين الشمال والجنوب» و«مصادر الطاقة، تحديات الأمس واليوم» و»التنوّع في بلدان الجنوب»، وهي بصدد العمل على «أطلس البحر المتوسط،الجغرافية السياسية والمجتمعات» الذي سيصدر عام 2010. ساهمت في العديد من نشاطات المجموعة الثقافية المعروفة «حوار الشعوب والثقافات». وأشرفت عام 2007 على إنجاز عدد خاص عن تركيا في مجلّة «دفاتر الشرق» الصادرة في باريس. حصلت المؤلفة عام 2008 على وسام الاستحقاق بمرتبة فارس على إنجازاتها العلمية.