الحديث مع شفيق الحوت في منزله البيروتي في المصيطبة، له أوجه عدة، كان اللقاء وسط مذبحة.. والجرح لا يزال ينزف يقول المقربون منه انه مات في ذلك اليوم لكن العمر أمهله أشهرا أخرى.
صمد الرجل العنيد، وقت سقوط العديد من المزيفين، كان يرمق وجوههم في غضب من نار محرقة غزة.. التي صبغت كل شيء تلك الفترة.. القهوة المرة التي طلبها شربها بسرعة لتلطف المرارة الأقسى في حلقه، في هذا اليوم أعلن استشهاد ابن القيادي في حركة «حماس» محمود الزهار، «لو ربى الانسان قطا في بيته ومات لحزن عليه» قالها والدموع تترقرق في عينيه «أبو هادر»، لا يعي الخلافات الهزيلة مع «فتح» ومع «حماس».
يعي أن جزءا من شعبه يحترق في شهر جنوني طويل جدا كان منكوبا ومصدوما من موقف العرب لم يكن يتوقع في اسوأ مراحل القضية ان يحدث هذا الالتباس وطبعا العزاء، برزت محاولات خجولة غير ذات جدوى لنقله خارج المذبحة خشية على القلب العليل. ومارس خالد المرافق منذ زمن ل«أبو هادر» موهبته في الكوميديا السوداء، واختار الخلافات الفلسطينية لدعاباته فكان نصيبه نظرة فجعة لأب فقد توا ولدا له. لم يكن هناك مجال لمزاح في مثل هده الأمور. حينها ظهرت القضية عتيقة ورجالاتها الحقيقيون كذلك.
لا يعني هذا أن شفيق الحوت الذي شيع جثمانه امس الي مقبرة شهداء فلسطين في بيروت، كان شخصا مكتئبا أبدا لكن اليوم المأساوي الذي يحصد عشرات الفلسطينيين يوميا في المحرقة المجنونة حاصره بالصمت والوجوم.
في حالات شفيق الحوت العادية ضحكاته المجلجلة تملأ المكان، كان متفائلا.. وحين تنكسر ينظر في عينيك بقسوة ويقول «لم ننته بعد».
لم تنته المهمة يوما عند شفيق الحوت، وحتى عندما سلم مفاتيح منظمة التحرير الفلسطينية الى ما يمكن أن نعتبرهم السدنة الجدد.. على وقع أوسلو لم يتغير عليه شيء، خرج من المنظمة لكنها بقيت داخله، وعاد من عاد بحكم اتفاقية السلام، ولم يتحسر أبوهادر.
وكان أسر لمقربين أنه «لم يخرج يوما من يافا ليعود اليها.. لم يخرج منها أصلا» لكنه ظل يقول للملأ المستفسرين انه يرفض أن يرى يافا التي تركها صغيرا اليوم خشية الصدمة. يقول انه يخشى على الذكرى من الواقع الجديد الذي سيلقاه هناك ثم انه يرفض أن يدخل مدينته بإذن من المحتل. كما كان على يقين بأنه سيدفن في مقبرة يافا، «خدمة لنضاله الطويل» كما كان يمازح أصدقاءه.
ولد الحوت خارج أسوار يافا القديمة في حي المنشية الذي كان على تماس مع مستوطنة صغيرة تدعى تل أبيب يقول عن طفولته «كنت صبياً ألعب على شاطئ البحر كنت أتلفت جنوباً وأرى منارة يافا وأسوار يافا وأنظر فيما بعد شمالاً فأرى هذه المساكن الخشبية لليهود في مستعمرة تل أبيب».
والتواجد بقرب ابوهادر يشعرك أن القضية شابة جموح وكأنها لم تبلغ عامها الستين، ويهيئ لك أن حقائبه لاتزال على الأرض تنتظر التوضيب للعودة.
هذا لا يعني كذلك انه كان حالما يسبح عكس التيار كما يتهمه خصومه، بل كان يقظا كصقر وشرسا خلال اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي شارك في جلساتها ممثلا عن منظمة التحرير العام 1974، لم يرفض من باب المبدأ أن يطرق كل الأبواب دون أن ينزلق للأوهام اذ تبين بعد تجربته ان من ادعوا امتلاك الحقيقة الكاملة واتهموه في عناده وساهموا في عزلة تبين مع الوقت أن تجربتهم لم تكتمل كما توقع لها تماما فلا دولة تحققت ولا عودة قريبا.
قبل ذلك حين خرجت الثورة من لبنان عام 1982 رفض أبوهادر الخروج، ولم يضع الوقت في التباكي على الهزيمة التي تهز بيروت في هستيريا الحرب الأهلية، بل قرر البقاء في لبنان ليعيد ترتيب المنظمة ولرعاية مصالح اللاجئين، في حين سقط العديد من رفاقه تحت صدمة ذلك الرحيل وقضوا حياتهم في عزلة سلبية.
رحل الحوت ولا يزال مؤمنا بدور للعرب في هده القضية اعتبر النكبة عربية رغم ان من تجرع ويلاتها هو الفلسطيني كان رافضا لفكرة القرار المستقل وان اختلفنا معه وله وجهة نظر في هذا كان يقول «لا تدعوا العرب يتخلون عن مسؤولياتهم» حملهم أكثر مما تحتمل مصالحهم الضيقة وضعفهم المتناهي.. ببساطة كان مثاليا في نظرته لطهر هذه القضية وطهر أهلها ولم تنجح المجازر المتوالية التي حلت بالشعب الفلسطيني في الدول «المضيفة»، في حياده عن رأيه اعتبر هذه الأمور «حوادث وتنجلي».
ما قتل شفيق الحوت ليس المرض ولا محاولات الاغتيال العديدة، الذي قتل «سنديانة فلسطين» كما اصطلح على تسميته، حين اقتنع أن المركب الذي أقله وعائلته من يافا لن يعيده مرة أخرى، حينها وعى أن النكبة «مجرد تاريخ» يدرس في المدارس حسب الرغبة وليست حالة من الضياع مستمرة أدرك أبوهادر أن مهمته انتهت، حين استيقظ على النكبة الجديدة، صراع أخوة الدم، ورغم يقينه أن الثورة تتقاتل أحيانا وتتصالح لكن لأنه كان صقرا وعى أن هذه ليست ثورة يتصارع أبناؤها بل مؤامرة أكبر من ذلك تكشفت خيوطها، حين وعى أن هناك فلسطينيين في مواثيق الفصائل المتناحرة ورئيسين يعيشان على فتات الاحتلال وحلفائه وشعب يخدم في بناء المستوطنات.
أصبح المنزل البيروتي خاليا من صخب أبوهادر، خريطة فلسطين على باب المنزل تحركها الرياح، صورة مرفأ يافا زاوية المدخل ولوحات المبدع الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط بالتأكيد ستفتقد إطلالاته عليها في حضور الضيوف يعلمهم من أين أتى الغريب ذو الدولتين.
أسماء المنصوري

