فجّر رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط أمس «قنبلة» من العيار الثقيل، بعد أن شنّ هجوماً عنيفاً على «قوى 14 آذار»، معلناً أن التحالف مع هذا الفريق «كان بحكم الضرورة.. ويجب أن لا يستمرّ»، في الوقت الذي لم تمر مضامين الخطاب الذي ألقاه الرئيس ميشال سليمان في عيد الجيش، وألمح خلاله الى خلل في الدستور، مرور الكرام في حسابات سياسيّي لبنان، الموالين منهم والمعارضين على حدّ سواء.

وفي كلمة ألقاها خلال انعقاد الجمعية العموميّة لمؤتمر «الحزب التقدّمي الاشتراكي» الذي يرأسه، اعتبر جنبلاط أن الانتخابات النيابيّة التي جرت في السابع من يونيو الفائت «أفرزت نتاجاً طائفيّاً يجب التخلّص منه»، ولم يخفِ استغرابه حيال القول إن فريق «14 آذار انتصر فيها»، قائلاً: «ننتصر عندما نعطي العمال حقوقهم.. وننتصر عندما نخرج من اليمين».

ولفت إلى أن فريق «14 آذار» «لم يخض معركة ذات مضمون سياسي، بل معركة ذات طابع قبلي»، ف«كل معركتنا كانت قائمة على رفض الآخر، من موقع مذهبي وقبلي وسياسي»، مشدّداً على وجوب «الخروج من حالة الانجرار لليمين، والعودة إلى أصولنا وثوابتنا إلى اليسار». داعيا إلى «وجوب إعادة التفكير بتشكيلة جديدة» على الساحة السياسية اللبنانية.

وبشأن العلاقات مع سوريا، أكد جنبلاط إلى أن «عهد الوصاية ولّى، والجيش السوري انسحب.. فكفانا بكاءً على الأطلال»، داعياً إلى إقامة «علاقات مميّزة» مع دمشق.

من جهة ثانية، اعتبر جنبلاط ان الالتقاء السياسي بينه وبين الادارة الاميركية السابقة خلال المرحلة التي تلت اغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005 «كانت نقطة سوداء في تاريخ الحزب» الاشتراكي.

وقال جنبلاط: «ذهبنا الى اللامعقول عندما التقينا موضوعيا مع المحافظين الجدد في اميركا من اجل حماية ما يسمى ثورة السيادة والحرية والاستقلال». ورأى ان هذا الالتقاء «جاء في غير طبيعته وفي غير سياقه التاريخي وفي غير التموضع التاريخي للحزب التقدمي الاشتراكي ان نلتقي مع الذين عمموا الفوضى في منطقة الشرق، والذين دمروا العراق وفلسطين» مضيفا «لست هنا لأبرر، كان همنا الاساس هو موضوع المحكمة»، وتابع أنه «ربما كنا نستطيع ألا نذهب، ولكن ما حدث قد حدث وذهبنا ولم تكن تلك الا نقطة سوداء في تاريخ الحزب الابيض الساطع في وضوحه في ما يتعلق بنضاله الدائم مع القضية الفلسطينية ومع القضية العربية ومع قضية لبنان العربي».

انزعاج الأكثرية

وفي هذا الإطار، لم تخف الأكثرية النيابية انزعاجها من «المفاجأة» التي أحدثها جنبلاط، رفض عضو كتلة «المستقبل» النائب عمار الحوري الإدلاء بأي تصريح في هذا الخصوص، مكتفياً بالقول «ما زلنا في مرحلة تقييم مواقفه»، ورأى مصدر آخر في الأكثرية النيابية رفض الكشف عن اسمه، أن «جنبلاط حليف أساسي، ولا بدّ من الانتظار للاستفسار منه حول ماهية ما صدر عنه من مواقف».

.. وارتياح في المعارضة

لكن مصادر المعارضة أبدت ارتياحاً مرفقاً بالحذر الذي لا بدّ منه حيال مقاربة هذا الأمر، وخصوصاً أنها ليست المرة اليتيمة التي يعلن فيها زعيم المختارة هكذا مواقف رافضة للانعزال، وإن كانت تميّزت هذه المرة بأنها جاءت من بوّابة انتقاداته الصريحة والمباشرة لفريق «14 آذار».

ورأى واختصر العضو في تكتل «التغيير والإصلاح» النائب نبيل نقولا «صعوبة» تعليقه بالقول «شهد شاهد من أهله.. فجنبلاط يعرف أكثر من غيره معاني شعارات ثورة الأرز ولبنان أولاً»، معرباً عن أمله في أن تكون مواقف جنبلاط بمثابة «عودته إلى الطريق التي كان رسمها والده كمال جنبلاط، أي طريق وحدة اللبنانيين والدولة العلمانية اللاطائفيّة».

وجاءت أولى المواقف المرحّبة بما صدر عن جنبلاط على لسان رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني ووزير الشباب والرياضة في حكومة تصريف الأعمال النائب الحالي طلال أرسلان، واضعاً كلامه في خانة «المسيرة الإنقاذيّة الوطنية» واصفاً قراره بـ «الوطني الحكيم، الذي يشكّل لبنة صلبة في البنيان الوطني اللبناني، وفي الخيار القومي المقاوِم الذي لا يمكن لبني معروف أن يكونوا خارجه، لا تاريخياً في الماضي ولا حاضراً ولا مستقبلاً».

تعليقات على كلام سليمان

في غضون ذلك ألقى خطاب سليمان، أول من أمس، مرور الكرام والذي تطرق الى خلل الدستور بظلاله على الفرقاء اللبنانيين ووضع مصدر سياسي وتشريعي بارز كلام سليمان في خانة «المبادرة الى استباق صدور البيان الوزاري للحكومة العتيدة، بأفكار من شأنها أن تمنح حكومة الحريري ثقة إضافيّة»، مشدّداً على أن الرئيس اللبناني تطرق الى موضوع «الثغرات الدستورية» من زاوية «تأكيده على التوازن بين السلطات، بعيداً عن تعديل توزيعها الذي نصّ عليه اتفاق الطائف»، واستشهد قائلا إن سليمان «دعا الى تطبيق ما تبقّى من الطائف الذي يعتبر ضمانة للجميع، بقوله للطبقة السياسية الحالية منبّهاً: إذا كانت العلّة فينا، كمسؤولين، فلنذهب ونعطِ مكاناً للشباب.. وإذا كانت في الدستور، فلنعمل على تعديله أو تصحيح ما يعتريه ضمن روحيّة اتفاق الطائف».

وإذ كشف المصدر المقرّب من سليمان أن لدى الأخير «اقتراحات من صميم الدستور، والذي هو الإطار العملاني لتقدّم الدولة وتطوّرها» في شأن معالجة الثغرات الدستورية القائمة في النظام السياسي في لبنان، و«هو سيطرحها فور ولادة الحكومة.. ومن ضمنها يندرج تعديل الدستور لجهة إعطاء رئيس الجمهورية صلاحيّة حلّ مجلس الوزراء وموضوع المهل لتوقيع المراسيم ومهل تأليف الحكومة، في الأولويّات، بما يجنّب لبنان المأزق الذي نشهد بعض فصوله اليوم».

وردّاً على القائلين بأن سليمان أطلق مواقفه في إطار ردود الفعل على التعقيدات التي يواجهها تأليف الحكومة، أوضح المصدر أن سليمان «تحدّث عن تأخر تشكيل الحكومة بسبب الثغرات الدستورية التي تحدّ من دوره كرئيس للجمهورية وتجعله عاجزاً عن حلّ العرقلة دستورياً.. وهو يرغب في حسم الشروط والشروط المضادّة التي تعرقل تأليف أي حكومة في لبنان، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحاصصة.. ولذلك، أطلق صفارة الإنذار الأولى من أجل إطلاق ورشة عمل تتجاوز عمر عهده بالتأكيد».

بيروت ـ وفاء عواد