بعد الحرب العالمية الثانية انتهت حقبة الاستعمار الأوروبي للعديد من بلدان العالم العربي، ولكن بدأت بالمقابل مسيرة من التعاون الأوروبي ـ المتوسطي. لعبت فرنسا دورا كبيرا في تنشيط السياسة الأوروبية المتوسطية، بحثا عن دور الزعامة.
لكن منذ قيام المجموعة الاقتصادية الأوروبية ـ العربية على الاقتصاد. وقام بعد حرب أكتوبر ـ تشرين الأول الحوار العربي الأوروبي. كان الجانب العربي يريد دفع الأوروبيين للاهتمام أكثر بقضية السلام في الشرق الأوسط وكان الأوروبيون يريدون تأكيد «هويتهم الأوروبية حيال العالم العربي، وحيال العالم الخارجي وعلى رأس الولايات المتحدة».
انكفأ دور أوروبا ابتداء من مطلع عقد الثمانينات الماضي وانحسر تماما بعد حرب الخليج الأول عام 1991 وغدا دورها هامشيا تماما في مفاوضات السلام التي أدت إلى اتفاق أوسلو عام 1993. لكن أوروبا بدأت باستعادة دورها من جديد مع توقيع اتفاقية لشبونة للشراكة الأوروبية ـ المتوسطية.
إذا كان استقلال البلدان العربية التي كانت ترزح تحت الاستعمار قد هزّ الوصاية التي كانت تمارسها القوى الأوروبية، فإن نهاية ذلك الاستعمار كانت بمثابة الإعلان عن بداية مسيرة التعاون الأوروبي المتوسطي. هذا ما تؤكده المؤلفة مشيرة بنفس الوقت إلى أن العلاقات بين شطري المتوسط تعود تحديدا إلى فترة قيام المجموعة الاقتصادية الأوروبية.
وكانت السياسة المتوسطية للمجموعة الاقتصادية الأوروبية قد رأت النور بفضل نفوذ فرنسا وإيطاليا لدى بلدان جنوب المتوسط، وكان عصب تلك السياسة هو التجارة. تتم الإشارة هنا إلى أن فرنسا تتميّز عن شركائها الأوروبيين الآخرين بسعيها إلى تطوير سياسة متوسطية أوروبية حقيقية من أجل المحافظة على بعض مكاسبها العائدة للحقبة الاستعمارية وتطلّعها المستمر إلى دور الزعامة في حوض المتوسط.
وفي نفس هذا الإطار أتت لاحقا مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط التي أطلقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فور انتخابه رئيسا للجمهورية عام 2007.
ديغول والعلاقات مع العرب
وكان الجنرال شارل ديغول هو الذي أكّد منذ عام 1958، أي منذ تأسيسه الجمهورية الفرنسية الخامسة في تلك السنة، على أن دور فرنسا في العالم العربي يدعم إلى حد كبير دورها في العالم.
لكن بنفس الوقت كانت المجموعة الاقتصادية الأوروبية تتطلّع بشكل خاص إلى مصادر الطاقة حيث أنه قبل حرب أكتوبر ـ تشرين الأول 1973 كانت نسبة 90 بالمئة من مواد الطاقة التي تستخدمها أوروبا هي من أصل عربي. بالمقابل كان السوق الأوروبي يستهلك ثلثي البترول العربي.
بهذا المعنى يمكن فهم مدى تبعية أوروبا للعالم الخارجي من أجل التزوّد بمصادر الطاقة ومما يلعب دورا كبيرا في تحديد الخيارات الاقتصادية والسياسية الأوروبية.
وكانت بلدان المغرب العربي، وخاصة المغرب وتونس، قد سارعت بعد الاستقلال إلى توقيع اتفاقيات تجارية مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية، بمنظور التقارب مع أوروبا. لكن بالتوازي تعززت علاقات أوروبا مع بلدان المشرق العربي. مع ذلك وحتى عام 1970 كانت لبنان ومصر وحدهما ترتبطان باتفاقيات تجارية مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية. ثم أعربت بلدان عربية أخرى، مثل سوريا والأردن، رغبتهما في إبرام اتفاقيات شبيهة.
وتنقل المؤلفة عن تقرير رسمي صدر عن المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1971 ما مفاده: «إن التداخل الوثيق في المصالح السياسية والاقتصادية والتأثير الذي يمكن لأوروبا أن تمارسه في هذه المنطقة، يساهمان في جعل التنمية بحوض البحر المتوسط تندرج في سياق الاستمرارية الطبيعية للتكامل الأوروبي.
والاتفاقيات المبرمة مع البلدان العربية ليست سوى تعبير لا يدل بصورة كافية على الاهتمام الذي توليه أوروبا لهذه المنطقة. وفي المحصلة لم تقدّم المجموعة الاقتصادية الأوروبية حتى الآن سوى مساهمة محدودة في التنمية الاقتصادية لهذا الجزء من العالم».
الحوار الأوروبي ـ العربي
كانت الصدمة البترولية الأولى عام 1973 والأزمة التي أثارتها هي التي فتحت الطريق أمام الحوار بين دول الجامعة العربية من جهة ودول المجموعة الاقتصادية الأوروبية من جهة أخرى. لقد انطلق الحوار إذن في سياق أزمة سياسية ـ اقتصادية أعقبت حرب اكتوبر ـ تشرين الأول بين العرب وإسرائيل. وبعد فشل جميع الحلول لدفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلّتها عام 1967، وذلك من مبادرة روجرز وحتى القرار 242 الصادر عن الأمم المتحدة.
وتحدد المؤلفة بداية الحوار العربي ـ الأوروبي إلى فكرة أطلقها الرئيس الفرنسي الراحل جورج بومبيدو في شهر يوليو ـ تموز من عام 1973 عند زيارة الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة إلى باريس وكان المحرّك الحقيقي لفكرة الحوار تلك هو وزير الخارجية الفرنسي حينذاك ميشيل جوبير الذي اعتبر أن مبدأ الحوار نفسه يندرج في سياق سياسة التعاون التي أرساها الجنرال ديغول سابقا.
اتخذ الحوار العربي ـ الأوروبي صفة «رسمية» بعد وصول فاليري جيسكار ديستان إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية عام 1974. وجرى تعريفه أنه مفاوضات بين «مجموعتين» وليس بين دول وتمّ تعيين «لجنة عامة» له بحيث تجتمع مرّتين على الأقل سنويا على مستوى السفراء.
ولكن وضح منذ البداية أن أولويات الطرفين، العربي والأوروبي، مختلفة. فالعرب كانوا يريدون دفع الأوروبيين إلى الاهتمام أكثر بالقضية الفلسطينية بينما كانت أولوية الأوروبيين هي ضمان التزود المنتظم بالبترول. هذا بالإضافة إلى فكرة كانت تتردد بأشكال مختلفة وهي أنه عبر المشاركة بين رؤوس الأموال العربية والتكنولوجيات الأوروبين يمكن تأمين مصالح الطرفين.
التأكيد على التكامل الاوروبي
وتركّز المؤلفة على فكرة مفادها أن الحوار العربي ـ الأوروبي كان يمثّل بالنسبة للأوروبيين وسيلة من أجل تأكيد «هويتهم» بمواجهة العالم العربي والولايات المتحدة الأميركية. وبهذا المعنى ساعد ذلك الحوار على التقدم في مسار التكامل الأوروبي، ففي إطار الحوار حاولت دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية التسع (عددها الآن 27 داخل إطار الاتحاد الأوروبي) أن تؤكّد على تكاملها فيما يخص السياسة الخارجية.
بكل الحالات كانت القضية الفلسطينية هي العامل الأكثر إثارة للاضطراب في العلاقات العربية ـ الأوروبية في إطار الحوار بينهما. ذلك على خلفية قناعة عربية أن باستطاعة أوروبا، من خلال وزنها الاقتصادي والسياسي، أن تضغط باتجاه إيجاد تسوية للنزاع وخروج أوروبا من موقف «الجمود» السياسي الذي تبنّته باستمرار، مع الانحياز أكثر لإسرائيل.
لكن المجموعة الاقتصادية الأوروبية تجنّبت دائما الحديث عن «دولة فلسطينية» واكتفت حتى عام 1982 بتأييد «حق تقرير المصير بكل ما يترتب عليه». ثم لم تعترف أية دولة من دول تلك المجموعة بالدولة الفلسطينية التي كان ياسر عرفات قد أعلنها بتاريخ 15 نوفمبر ـ تشرين الثاني من عام 1988.
ظل الحوار العربي ـ الأوروبي في الطريق المسدود. وترى المؤلفة أن عدة عوامل ساهمت في ذلك من بينها وصول رونالد ريجان إلى رئاسة الولايات المتحدة وفرانسوا ميتيران إلى رئاسة فرنسا والغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وقارب ذلك الحوار على الاختفاء تماما بعد أن توصّلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إقناع بلدان أوروبية كبرى مثل فرنسا وانجلترا وإيطاليا ومن خلال هذه الدول أوروبا كلها بالسير في منطق «كامب دافيد». هكذا تراجعت إلى حد كبير إرادة أوروبا بلعب دور خاص في الشرق الأوسط، وبالتالي انحسر الوجود الأوروبي تدريجيا من المنطقة.
السياسة المتوسطية المتجددة
أدى سقوط جدار برلين عام 1989 إلى إعادة النظر بالعلاقات الأوروبية ـ المتوسطية. هكذا اقترحت المجموعة الاقتصادية الأوروبية تقوية هذه العلاقات عبر توسيع إطار التعاون فيما هو أبعد من الاقتصاد، وبحيث يطال الميادين السياسية والثقافية. مع ذلك بقيت المحصلة العامة للسياسات المتوسطية التي انتهجتها المجموعة الاقتصادية الأوروبية مخيّبة للآمال.
وقد سادت عامة هي سياسة عقد اتفاقيات ثنائية وليس على أساس متوسطي عام.
وترى المؤلفة أن موقف الولايات المتحدة حيال السياسة المتوسطية كان كابحا حقيقيا أمام تبني نهج سياسي عام لدى الدول الأوروبية. إن الأميركيين لم يكونوا يريدون أن تشكل المجموعة الاقتصادية الأوروبية والدول المتوسطية والعربية القريبة منها جغرافيا قوة اقتصادية عالمية منافسة.
وهذه القوة «المحتملة» بنظر الأميركيين وصفها هنري كسنجر، وزير خارجية أميركا الأسبق، كما تنقل عنه المؤلفة بالقول: «إن هذا يعني قيام غول اقتصادي يسيطر على السياسة الدولية وعلى الاتفاقيات المالية ويستثني منها المنتجات الزراعية والصناعية الأميركية ثم يمدّ تدريجيا سطوته كي تشمل العالم الثالث كله. ثم إن الولايات المتحدة كانت تخشى أيضا أن تلجأ الدول الأوروبية إلى تبني سياسة للطاقة تقوم على أساس نسج علاقات خاصة مع الدول العربية مما سوف يعرّض مصالح واشنطن للخطر».
حجم المبادلات التجارية
لكن على صعيد المبادلات التجارية في العلاقات الأوروبية ـ المتوسطية فإن عدم التكافؤ كان هو القاعدة، ذلك أن من مختلف الاتفاقيات التي جرى إبرامها تعزز من تبعية البدان المتوسطية حيال أوروبا. ففي عقد التسعينات كانت نسبة الصادرات الأوروبية تشكل 38 بالمئة من مجمل المبادلات بينما لم تكن صادرات البلدان المتوسطية (العربية) تزيد عن 3،8 بالمئة منها.
وترى المؤلفة أنه اعتبارا من مطلع عقد الثمانينات الماضي تضافرت عدة ظروف وفي مقدمتها توسيع إطار مسيرة التوحيد الأوروبي بحيث أن التعاون الأوروبي ـ العربي لم يعد آنذاك أولوية بالنسبة للأوروبيين. وكان الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 قد بيّن للأوروبيين حدود إمكانياتهم في التأثير على تطوّر النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي . هكذا لم يكن لأوروبا أي رد فعل كبير حيال الانتفاضة الفلسطينية عام 1987.
وكان قد جرى استبعاد اوروبا من عملية السلام في الشرق الأوسط التي قادتها الولايات المتحدة عام 1991 بحيث أنه كانت لا بد من أن ينتظر الأوروبيون حتى عام 1995 كي يعودوا بشكل فاعل إلى مسرح الشرق الأوسط.
وكانت أوروبا أظهرت خلال عامي 1990 و1991 عجزها الكبير عن إسماع صوتها خلال الأزمة التي قادت إلى حرب الخليج الأولى. ولم يستطع الأوروبيون طيلة فترة أزمة الخليج التي استمرت خمسة أشهر تقريبا حتى اندلاع الحرب تقديم أية مبادرة دبلوماسية مشتركة في سبيل مواجهة «منطق الحرب». وعلى خلفية ذلك العجز تهمّش تدريجيا بل إقصاء أوروبا من مفاوضات السلام في الشرق الأوسط. وهكذا كانت المسيرة التي قادت إلى اتفاقيات اوسلو عام 1993 قد تمّت تحت إشراف وقيادة الولايات المتحدة حصريا.
حاول الأوروبيون استعادة دورهم في المنطقة. وكان أول بوادر تلك العودة فعليا توقيع الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية في شهر نوفمبر ـ تشرين الثاني 1995 من قبل الـ 15 دولة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حسب التسمية التي اتخذتها المجموعة الاقتصادية الأوروبية السابقة، و12 دولة من جنوب المتوسط. وكانت تلك العودة هي الخطوة الأولى»الجديدة للوصول إلى مشروع الاتحاد من أجل المتوسط المطروح اليوم من قبل فرنسا.
الصفحات: 224
الكتاب: أوروبا والعالم العربي منذ عام 1914
تأليف: ناديا حمور
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009
