تشهد بدايات القرن الحادي والعشرين تبدلات جيوسياسية مهمة على صعيد العالم. وهذا يبدو على الصعيد الأوروبي عبر بناء الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يضم الآن 27 دولة أوروبية ويتطلّع إلى ضم بلدان القارة القديمة كلها. ويبدو على صعيد العالم العربي بحالة أكبر من التشرذم زادت منها تفجيرات 11 سبتمبر 2001 والحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق في ربيع عام 2003 ولا تزال قائمة حتى الآن.
في مثل هذا العالم «المتغيّر» تبدو ملامح بعض التجمعات الإقليمية العربية مثل بلدان مجلس التعاون الخليجي واتحاد بلدان المغرب الغربي. لكن العالم العربي والاتحاد الأوروبي يبحثان عن شراكة طموحة ومتوازنة في إطار مستلزمات «الجوار». إن الوصول إلى مثل هذه الشراكة يتطلب بالضرورة عودة سريعة إلى التاريخ القريب وما تركته الحربان العالميتان الأولى والثانية، وبعدها حرب السويس والثورة الجزائرية من نتائج لها آثارها دائما في العلاقات الأوروبية - العربية.في بداية هذه الألفية الثالثة وحيث يشهد العالم كله تحولات جيوسياسة عميقة، يجد الاتحاد الأوروبي والعالم والعربي نفسيهما أمام أحد المنعطفات المهمة في تاريخهما. هذا ما تؤكده مؤلفة الكتاب في نقطة انطلاق تحليلاتها حول العلاقات بين أوروبا والعالم العربي منذ عام 1914، كما يدل عنوانه.
معالم المنعطف الهام على الصعيد الأوروبي يتم تحديدها أساسا بواقع متابعة مسيرة البناء الأوروبي وتدعيم أركانها. وبالتوازي مع هذا تتأكّد أكثر فأكثر إرادة الضم التدريجي لجميع بلدان القارّة في إطار اتحاد أوروبي شامل بعد أن كانت فترة الحرب الباردة قد أدّت إلى تشييد «ستار حديدي» فصل هذه القارّة القديمة إلى شطرين.
أما على صعيد العالم العربي فتؤكد المؤلفة أن حالة الانقسام قد تعمّقت خلال السنوات الأخيرة بسبب عاملين أساسيين. الأول هو تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن ونتائجها القريبة والبعيدة والثاني يكمن في الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة الأميركية مدعومة ببريطانيا أساسيا ضد العراق في ربيع عام 2003.
في مثل هذا السياق من تدعيم وتوسيع البناء الأوروبي وخلل وانقسام الواقع العربي يغدو من الملحّ أكثر، كما تؤكد المؤلفة، الانخراط في حوار جدي ومعمّق بين شطري حوض البحر الأبيض المتوسط، أي أوروبا والعالم العربي. ويبدو مثل هذا الحوار أكثر إلحاحا بسبب التلكؤ، بل وحالة العطالة التي تعاني منها مسيرة السلام في الشرق الأوسط حيث تتعاظم التوترات يوما بعد يوم.
علاقات جوار
السمة الأولى التي تؤكّد عليها المؤلفة بالنسبة للعلاقات بين العرب والأوروبيين هي أنها «علاقات جوار»، وكجميع علاقات الجوار في العالم تندرج في سياق الزمن وتخضع لمجموعة من العوامل التاريخية أو الاقتصادية والسياسية. هذا مع التأكيد في بنفس الوقت على أن «الإرث الاستعماري» له دوره في قيام روابط وثيقة بين عدة قوى أوروبية ومعظم البلدان العربية. ولعبت «السيطرة السياسية» في فترة ما بعد الاستعمار دورا في نفس الاتجاه.
لكن عن أية أوروبا يتم الحديث؟ وهل يمكن الحديث عن عالم عربي واحد؟ تتساءل المؤلفة. وما تؤكد عليه في معرض إجابتها هو أن الحضارة العربية وحيدة ومتعددة بنفس الوقت.
إنها تملك إرث اللغة والتاريخ والثقافة والهوية، أو على الأقل ما تسميه المؤلفة ب«الوعي العروبي»، ولكنها أيضا قامت على قاعدة التواصل مع الآخرين الذين قدّم العديد منهم مساهمات في غاية الأهمية، ومع تأكيد المؤلفة على الأهمية المركزية والدور الجوهري للإسلام في الحضارة العربية فإنها تؤكد أيضا على أنها تندرج في سياق الاستمرارية لمختلف الحضارات السابقة.
وتنقل المؤلفة في هذا السياق عن أحد النصوص الرسمية للبرلمان الأوروبي ما مفاده أن «مفهوم العروبة الذي يمثّل اسمنت الهوبة يشكل سمة مشتركة وتقول به شعوب ودول منطقة جغرافية واسعة تمتد من المغرب حتى بلدان الخليج ومرورا ببلدان المشرق والشرق الأوسط». وهذه المنطقة هي التي تعنيها تسمية «العالم العربي».
أما أوروبا التي توليها المؤلفة الدراسة من حيث علاقاتها من هذا العالم العربي فهي تتخلّص بمرحلة أولى بمجموعة القوى الاستعمارية التي كانت القوى الفاعلة الأساسية في المنطقة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية كأحد نتائج الحرب العالمية الأولى.
وتدرس المؤلفة في مرحلة ثانية علاقات العالم العربي مع بلدان المجموعة الأوروبية المشتركة ثم مع بلدان الاتحاد الأوروبي بصيغته القائمة. وترى المؤلفة أن هذه الدراسة بمختلف مراحلها هي التي تسمح بفهم الإطار الحقيقي الذي تندرج فيه العلاقات الأوروبية-العربية، وبالتالي يسمح بتحديد شروط القيام بحوار جدّي في منظور إقامة «شراكة طموحة ومتوازنة» بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه العرب.
لمحة تاريخية
خضع الجزء الأكبر من العالم العربي منذ القرن السادس عشر للسيطرة العثمانية وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وكانت الإمبراطورية العثمانية تحتوي مجموعات متنوعة من الشعوب والثقافات والمعتقدات. ومنذ القرن السادس عشر أيضا كانت الإمبراطورية العثمانية قد ارتبطت بمعاهدات مع القوى الأوروبية الرئيسية. وكان القصد الأساسي منها تشجيع التجارة.
ومنذ أواسط القرن التاسع عشر زادت التدخلات الأوروبية في الشؤون الداخلية، خاصة على الصعيد الاقتصادي وكانت فرنسا هي صاحبة الحظ الأوفر للتواجد «المالي» في تركيا وبقية البلدان التابعة للإمبراطورية العثمانية عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وقد أُقيمت مؤسسات مالية غربية في المنطقة من أجل «ضمان» حركة رؤوس الأموال. وبشكل عام عززت الاستثمارات الأوروبية من تبعية الإمبراطورية العثمانية لأوروبا.
وبالتوازي مع ذلك قامت منافسات كبيرة بين القوى الأوروبية من أجل زيادة النفوذ وتحقيق طموحات سياسية على حساب العثمانيين لتولد «مسألة الشرق» على خلفية النزاع بين روسيا القيصرية وفرنسا وبريطانيا من أجل السيطرة على المنطقة وتقاسم إرث «الرجل المريض» العثماني. وفي نفس السياق ظهرت ملامح «النهضة العربية» منذ أواخر القرن التاسع عشر في مواجهة التغلغل الأوروبي.
ومنذ نهاية القرن التاسع عشر أصبحت فلسطين موضع أطماع القوى الأوروبية خاصة وذلك على خلفية مصالح جيوسياسية لم يكن أقلّها بالنسبة لروسيا الحصول على منفذ إلى البحر المتوسط وبالنسبة للآخرين فتح الطريق نحو آسيا.
وعلى خلفية هذه المطامع وُلدت «المسألة الفلسطينية» وحيث لم تكن أوروبا بعيدة عن ولادة الحركة الصهيونية، مما يجعل لأوروبا مسؤولية تاريخية خاصة حيال هذا الملف الشائك.
العالم العربي تحت السيطرة
عشية الحرب العالمية الأولى كان مجمل العالم العربي تقريبا، باستثناء منطقة الخليج، خاضعا للهيمنة الأجنبية، واعتبارا من ذلك التاريخ وحتى نشوب الحرب العالمية الثانية سادت الإمبرياليتان الفرنسية والانكليزية في المنطقة، أي خلال سنوات 1914-1939.
وكانتا قد اقتسمتا النفوذ على أساس معاهدة «سايكس بيكو» الشهيرة، ذلك بعد انتصار القوى الأوروبية في الحرب العالمية الأولى لتبدأ فترة من الانتداب الفرنسي والانكليزي على العديد من البلدان العربية، اليمن وحدها بقيت خارج السيطرة الأوروبية، إذ عادت مستقلة بعد نهاية الحقبة العثمانية، باختصار أضحى العالم العربي آنذاك بخدمة «الزعامة الأوروبي» تحت مسميات الانتداب أو الحماية أو غيرها، لكن بنفس الوقت ظهرت بوادر حركة قومية عربية نشيطة.
أدت الحرب العالمية الثانية إلى اضطرابات عميقة في العالم العربي وأوروبا وفي العلاقات بينهما لم تزل آثارها مستمرة حتى اللحظة الراهنة. وغداة تلك الحرب التي خرجت منها فرنسا وانكلترا «منتصرتين» ولكن «مخرّبتين» برزت الولايات المتحدة الأميركية. لقد غدت هذه الأخيرة ذات الحضور الأكبر في العالم العربي، وخاصة في الشرق الأوسط بينما بدأ انحسار نفوذ كل من فرنسا وانكلترا. وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن الأميركيين كانوا وراء قيام منظمة الأمم المتحدة ودافعوا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. بل وكانوا يعتبرون أن الأوروبيين يستغلّون الشعوب التي يستعمرونها.
على الجانب العربي، سمحت الحرب العالمية الثانية باستئناف طرح مشاريع الوحدة العربية. ويتم التأكيد أن وزير الخارجية البريطاني آنذاك، انطوني ايدن، أراد أن يحصل على جلاء الفرنسيين من سوريا ولبنان، كما ساعدت بريطانيا على قيام جامعة الدول العربية. وكانت قبل كل شيء ذات طبيعة مناهضة للصهيونية إذ أعلنت دعمها لوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وتعيد المؤلفة هنا التذكير ببعض الأرقام وخاصة تأكيدها بالاعتماد على إحصائيات رسمية، أنه كان في فلسطين غداة نهاية الحرب العالمية الثانية مليون 240 ألفا و850 عربيا مقابل 553 ألفا و600 يهودي لكن بالمقابل ساهمت الحرب ومجازر الإبادة التي مارسها النظام النازي ضد اليهود في تعاطف جزء كبير من الرأي العام الغربي مع الصهاينة.
وفي مثل ذلك السياق قامت الدولة العبرية في فلسطين يوم 14 مايو 1948، أي عشية نهاية الانتداب البريطاني، وكانت الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي اعترفت فيها، إلى جانب روسيا المقابل العربي لقيام ذلك الكيان الصهيوني كان هذه النكبة».
الأساطير المؤسسة لإسرائيل
رفع الإسرائيليون آنذاك شعارات أصبحت بمثابة «أساطير مؤسسة» لكيانهم، وهي أساطير لا تزال سارية المفعول حتى الحقبة الحاضرة، وفي مقدمتها قولهم أن فلسطين هي «أرض بدون شعب من أجل شعب بدون أرض». بالمقابل رفضت إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم ومن هنا أنشأت منظمة الأمم المتحدة مؤسسة مختصة بمساعدتهم تحت اسم «منظمة غوث اللاجئين» المعروفة ب«الاونروا» التي قامت رسميا عام 1949. وكان قد جرى تعريف «اللاجئ» أنه كل شخص كان قد أقام في فلسطين قبل عامين على الأقل من حرب عام 1948.
وما تؤكد عليه مؤلفة هذا الكتاب هو أن الوجود الأوروبي في العالم العربي قد تعرّض لتهديد فعلي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وكان المنعطفان الحاسمان اللذان أعلنا الزوال شبه الكامل لهذا الحضور هما العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والثورة الجزائرية التي بدأت عام 1954 وانتهت بالاستقلال عام 1962.
ويتم وصف العدوان الثلاثي على مصر ـ حرب السويس ـ أنه كان بمثابة «آخر انتفاضة استعمارية» قام بها الفرنسيون والانكليز وبحيث كانت إسرائيل هي أداتها الضاربة وحيث أن الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور قد رفض دعم العملية عسكريا مع إدانته الكاملة لقيام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس. بالطبع لم يكن ايزنهاور متعاطفا مع عبد الناصر ولكنه كان يرى أن اللجوء إلى القوة العسكرية هو اختيار سيئ للإطاحة فيه.
ويتم التذكير هنا أن الاتحاد السوفييتي (السابق) هو الذي وضع حدا نهائيا للهجوم الثلاثي الفرنسي-الانكليزي-الإسرائيلي عندما هدد ب«رد نووي». بالمقابل كان الحلف الأطلسي قد هدد هو الآخر باللجوء إلى «الردع النووي» حيال الاتحاد السوفييتي في حال استخدامه الأسلحة الذرية. وكانت أيضا حرب التحرير الجزائرية قد اندلعت قبل حرب السويس. وانتهت الحربان إلى ما تسميه المؤلفة «نهاية حقبة» من تاريخ العلاقات الأوروبية - العربية. ولكن ذلك الماضي لم يزل طرياّ في الذاكرة.
الصفحات: 224
الكتاب: أوروبا والعالم العربي منذ عام 1914
تأليف: ناديا حمور
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009

