هي امرأة لم يقيّض لها يوماً أن تجلس على مقاعد الدراسة، إذ كانت تكره المدرسة و»همومها»، فقضت طفولتها وصباها بين إخوة ستة وأختين إلى أن تزوّجت «إبن الجيران»، عماد كنعان ،الذي ورث عن أبيه مهنة تصليح الدرّاجات الناريّة. وبعد شهور من الزواج، أقنعت زوجها بأهمية أن تقوم بمساعدته، بعد أن لجأت إلى تهديده بطلب الطلاق، إن لم يستجِب لطلبها.
»المعلّم»، أو «الستّ» سميرة كنعان، اسم يبتسم لذكره أهالي محلّة الطريق الجديدة في بيروت.. ويعترف أصحاب الدرّاجات الناريّة، في المحلّة وخارجها، بمهارتها في تصليح درّاجاتهم.
أما هي، فتتباهى ب»مرجلتها»، وخصوصاً أنها تعلّمت مهنتها من خلال مراقبة زوجها وهو يعمل، فكانت تناوله أدوات العمل وتستوضحه دور كل قطعة في الدرّاجة. وبعد انقضاء خمسة أشهر تقريباً على ملازمتها المحل، تغيّب عماد ذات يوم عن الورشة خلال النهار، وحين عاد كانت قد أصلحت «موتور 400 حصان».. خاف الصبي الذي كان يعمل في المحل، ف»المعلّم» سيغضب بالتأكيد. سميرة خافت أيضاً، لكن نجاحها في إصلاح أول دراجة في حياتها غيّر كل الموازين. صار عماد يتحدّاها، يكلّفها بمهمات صعبة، ويقول لها ممازحاً: «فرجيني شطارتك»، و»علّمتّك عالشحادة، سبقتيني عالبيوت»!
وسميرة قبل أن تقصد محلّها، تستيقظ عند الرابعة فجراً، تروي الزهور والخضروات في الحديقة المحيطة بمنزلها.. وبعد انتهاء ساعات العمل، تنظّف يديها الملطّختين بالشحوم بواسطة «الأوديكس» وتدهنهما بالكريم.. وفي لحظات، تستعيد أنوثتها كامرأة، لتحافظ على زوجها «أحسن ما يصير يطّلع لبرّا».
وفي دردشة سريعة معها تشير سميرة إلى أن الحلاق الذي يهتم بشعرها لا ينفكّ عن معاتبتها لأنها لا تقصده إلا لماماً، وتلفت إلى أنها تقود الدرّاجة لدواعي العمل، كشراء قطع الغيار أو تجربة الدراجة بعد التصليح.. أما عن عملها، ف»هو بيمشي بدمّي».. تبتسم، وتذكر أنها لم تتوقّف عن ممارسته إلا خلال فترة حملها..
فقد اكتشفت سميرة أنها حامل حين أصابتها الدوخة ما إن حملت بين يديها «موتور 1100 حصان».. فوجئت بحملها بعد مرور عشر سنوات على زواجها، وذلك بعدما شعرت خلالها باليأس لأنها لم تتمكن من الإنجاب على رغم أنها عولجت على أيدي أشهر الأطباء من آلام الظهر التي أصابتها بسبب عملها الشاق.. كان الأطباء يطلبون منها الاستلقاء والراحة، لكنها لم تكن تستطيع مغادرة المحل.
لكن، وعلى رغم عشقها لعملها الذي هو بمثابة «حياتها»، وفق تعبيرها، فإنها ترفض أن تورثه لابنتها الوحيدة زينة، «بدّي تكمّل تعليمها وتتوظّف بالدولة.. ما بدّي تضيّع شبابها هون.. مصلحتنا قاسية ومجويّة (وسخة).. والّلي مش قدّها وقدود بيضيع فيها».
تتذكّر أن أحدهم قال لها ذات مرة إنه أصبح يعجَب بالإمرأة القويّة بسببها، وأن غالبية من يعرفونها يقولون لزوجها: «يا ريت نسواننا متل مرتك».. هذه التعليقات تفي سميرة حقّها وترضيها.. أما حين تشعر بالتعب، أو تملّ، تستأذن ابتعاداً عن ضجيج زوّارها ومرتادي محلها الذي يظلّ كخليّة نحل طوال النهار، فتأخذ قيلولة قصيرة، ثم تعود صافية الذهن لتشرب قهوتها أمام المحل وتتمتم: «على أجرك يا سميرة»!
بيروت ـ وفاء عواد
