مستوى التعليم في الجزائر بجميع مراحله من الابتدائي حتى الجامعي في تراجع مستمر ويتقاذف المشرفون على العملية التعليمية من أساتذة ومستشارين وإداريين وسياسيين المسؤولية كل على الآخر، ويرجع الخبراء والعارفون بالشأن التربوي تردي المستوى إلى مجموعة من العوامل تضافرت وتراكمت وكرست وضعا قائما صار من الصعب تجاوزه.

ويأتي في مقدمة هذه العوامل الحط من قيمة القائمين المباشرين على التعليم من معلمين وأساتذة من مختلف المستويات. فهم مصنفون في أسفل ترتيب أجور الموظفين.

وثمة عامل مهم آخر يتعلق بذهنية متجذرة ذات نفوذ تركن إلى القديم وتحارب البدائل، بل وفي كثير من الأحيان يكون البديل الحديث محل هجوم من قوى في المجتمع تتحجج بمقتضيات التقاليد للإبقاء على الوضع القائم.

وتنتظر العائلات نهاية كل موسم دراسي بخوف شديد من هاجس فقدان أبنائها مقاعدها في المدارس. وبحسب إحصائيات نشرتها صحف جزائرية فإن نحو نصف مليون تلميذ من مختلف الفروع والمستويات يغادرون المدارس سنويا دون حصولهم على مستوى يؤهلهم للحصول على عمل أو على مكان في مراكز التكوين المهني.

ويرجع الأخصائيون النسبة العالية للتسرب المدرسي إلى عدم مطابقة مناهج التعليم مع ذهنية الطفل الحالية، وكذلك إلى إفرازات التحولات العميقة التي شهدتها الجزائر وتحولها إلى مجتمع استهلاكي بامتياز، وانتشار ذهنية البحث السريع عن الربح دون ذلك الجهد الضخم والمتواصل الذي يتطلبه التعليم. وهذا جعل الأطفال لا يولون أهمية كبيرة لدروسهم لأنها لا تشكل بالنسبة لهم مستقبلا.

وروى عمار زواوي وهو أستاذ سابق تحول إلى مقاول بمدينة برج الكيفان شرق العاصمة أن شابين من جيرانه أحدهما متفوق ونال البكالوريا والثاني أخفق في الدراسة قبل هذا المستوى بكثير وتحول إلى تاجر صغير للسجائر. وبينما المتفوق يدرس في الجامعة كان التاجر الصغير يكبر وتحول إلى موزع لقطع غيار السيارات ولما تخرج الأول بشهادة عليا في علوم التسيير والاقتصاد وجد نفسه عاطلا فاشتغل عند أخيه الذي لم يذق حلاوة النجاح في الدراسة لكنه صار ثريا.

وهذا مجرد نموذج من بلد تحول فيه التعليم إلى « مضيعة للوقت « بالنسبة للكثيرين. وتقيد إحصائيات إلى أن 8,1 مليون طفل جزائري تقل أعمارهم عن 18 عاما يشتغلون بطرق غير قانونية لمساعدة عائلاتهم على توفير أسباب العيش، معظمهم ممن لفظتهم المدارس قبل تحصيلهم مستوى يمكنهم من إيجاد وظيفة.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي