الاحتلال والعنف تركا بصمات واضحة «مشوهة»، على معظم مناحي الحياة في العراق، وشهدت السنوات الأولى بعد الغزو والاحتلال، بشكل خاص، انفلات العلاقة بين الطالب والأستاذ، الذي أصبح مهدداً بالاعتداء أو القتل إن هو أقدم على إعطاء درجات متدنية للتلميذ الكسول، أو حاول منعه من الغش في الامتحانات، ما يعني انحدار العملية التربوية إلى مستوى عمل الميليشيات والمجموعات المسلحة الأخرى.

ومع التحسن الجزئي في الوضع الأمني، خلال السنتين الماضيتين، يرى بعض التربويين أن من الصعب التفاهم مع أبناء الجيل الذي تربى أصلاً وسط العنف والفوضى، ولم يعد يحترم النظام والقوانين والضوابط المدرسية، ولم تعد تجدي معه أساليب التربية والإرشاد التي ربيت عليها الأجيال السابقة، فهو لا يفهم غير أسلوب الضرب والتهديد، لأنه يستخدمه أصلاً مع الأساتذة.

وحسب المدرس حازم وادي: «إن المدرسين يشكون من انخفاض المستوى الدراسي للطلبة، في حين يشكو الأهل من قسوة الأساتذة على أبنائهم، إذ يحمل كل مدرّس أو مدرّسة عصا طويلة وغليظة، أو لوحاً مستطيلاً من الخشب، حين يدخل إلى الصف، ويستخدمه بسهولة مع الطلبة، لدرجة إيذاء بعضهم».

وهذا ما حدث مع الفتى «أيمن» من حي العامرية، الذي أدت عقوبة معلمه إلى إصابته بكسر في ذراعه، والطالبة «آلاء» من حي الشعب، التي أصابت صفعة معلمتها إحدى إذنيها بالصمم. وتشدد وزارة التربية، حالياً، من خلال تصريحات المسؤولين فيها، أو تعليماتها المكتوبة التي توزع على جميع المدارس مع بدء الموسم الدراسي، على اتباع نهج «الشفافية» في معاملة الطلاب.

ويؤكد المشرف التربوي قاسم العوادي على إجراء تفتيش ورقابة دائمة من قبل مديريات الإشراف التربوي على المدارس كافة، للتحقق من عدم إتباع المدرسين والمدرسات لأسلوب الضرب مع الطلبة، بينما ينفي اغلب الأهالي وجود مثل هذه الممارسات التربوية فيما يخص موضوع ضرب الطلبة.

فالمشرف التربوي، كما تقول ابتهال قحطان (موظفة وأم لثلاثة أبناء آخرهم في المرحلة الابتدائية)، يكتفي بالحديث مع مدير المدرسة، والتجول بين الصفوف لمراقبة أسلوب تعليم المدرسين فقط.

وتضيف: «من الطبيعي أن يجهد المديرون والمعلمون أنفسهم لدى زيارة المشرف لمدارسهم لتظهر تلك المدارس بأجمل صورة، ابتداءً من نظافتها، وهندام طلبتها، وحتى التزامهم بالتعليمات واختيار المعلمين للطلبة المتفوقين دون شك، للإجابة عن أسئلتهم، وهي تمثيلية مازالت الكوادر التربوية تمارسها بنجاح، رغم إنها قديمة ومستهلكة»!

ويقترح داود عباس (مهندس وأب لأربعة أبناء في المراحل المتوسطة والثانوية) إجراء زيارات مفاجئة من قبل المشرفين للمدارس، وعقد ندوات مع الطلبة أنفسهم، وليس مع الكادر التدريسي فقط، لمعرفة مشكلات الطلبة ومعاناتهم من أساليب التدريس ومعاملة المدرسين لهم.

ويشير إلى «ضرورة الاهتمام بشكل خاص بهذا الجيل من الطلبة، لنشوئه بين فكي الحرب والعنف، ومعاناته بشكل كبير من مفاهيم جديدة على مجتمعنا، كالطائفية والتهجير وما إلى ذلك، لذا فلا مبرر لمعاملته بالعنف كعلاج لمشكلاته»!

وتعترف الباحثة الاجتماعية ياسمين عبدالستار (من إعدادية الفرقان للبنات) بعجز المدرسين عن التعامل بشفافية مع الجيل الجديد، لما تزخر به شخصيات هذا الجيل من مركبات نقص وعقد نفسية، فهم يلجأون أكثر من أساتذتهم إلى استخدام العنف مع زملائهم، ومع أساتذتهم أنفسهم، حسب قولها.

وتضيف إن « كثيراً من الأساتذة تعرضوا للضرب على أيدي طلبتهم، أو تم تهديدهم بالميليشيات، أو الجهات المسؤولة، لتمرير سلوكيات الطلبة الخاطئة، وهي كثيرة، وأهمها الغش في الامتحانات، وكثرة الغيابات، وغياب عنصر الاحترام في التعامل مع الأساتذة، إضافة إلى التقصير في أداء الواجبات ومخالفة الزي الموحد وغير ذلك كثير، ومنه حمل السلاح في المدرسة»!

أما الباحث الاجتماعي زهير المسعودي (من ثانوية الكرامة للبنين) فيسخر من النتيجة التي آل إليها التعليم في العراق بقوله «إن الأساتذة والطلبة جميعاً يعانون من مشكلات نفسية، ويستخدمون العنف سبيلاً لإسكات رفضهم للواقع المرير».

إلا أن عدداً من أساتذة الاجتماع يرون أن هناك عاملاً مهماً آخر لتدني وانهيار العملية التربوية، وهو «المستقبل المجهول» الذي ينتظر من يجتهدون، ويواصلون دراساتهم، ليجدوا أنفسهم عاطلين، بلا عمل، وربما يحلمون أن يكونوا مجرد أفراد في الشرطة، أو حتى في بعض الميليشيات.

وقد انتقد خريجو الكليات والمعاهد والمدارس الإعدادية، الحكومة العراقية، لعدم توفيرها درجات وظيفية تسمح لهم بالتعيين في دوائر ومؤسسات الدولة، معربين عن إصابتهم بالإحباط بعد تخرجه.

وكانت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أعلنت أن عدد العاطلين عن العمل، المسجلين لديها، في بغداد والمحافظات، يبلغ أكثر من مليون و250 ألف عاطل، بينما تقدر منظمات دولية عدد العاطلين بأكثر من خمسة ملايين.

وقال مصدر في الوزارة: «إن الوزارة وفرت 244 ألفاً و144 فرصة عمل (فقط)، للعاطلين خلال الفترة من عام 2003 ولغاية 31 من شهر مارس من العام الحالي، وان هذه الأعداد توزعت بواقع (228) ألفاً و(213) مشتغلاً من الذكور و(15) ألفاً و(931) مشتغلة من الإناث في بغداد والمحافظات».

وقال علي عبدالهادي خريج كلية العلوم بالجامعة المستنصرية: «بالرغم من تخرجي قبل عامين إلا أنني مازلت أبحث عن أي عمل مهما كان نوعه» وأضاف: «لدي في أغلب وزارات الدولة (إضبارة طلب تعيين)، ولكن لم تفلح أي من هذه الطلبات». وأشار عبدالهادي إلى: «أن قرار الحكومة ترشيد التعيينات ولّد إحباطاً كبيراً لدي، وأصبحت شبه يائس من التعيين، لاسيما واني لا أملك (واسطة) ولا المال الذي استطيع دفعه كرشوة للتعيين».

وتابع: «إن كثيراً من أقراني تمكنوا من التعيين بعد دفعهم الرشاوى، ولم يؤثر قرار ترشيد التعيينات إلا على الطبقة الفقيرة، التي ليست لديها وساطة للتعيين».

وكان عضو اللجنة المالية في مجلس النواب النائب سامي الأتروشي قال: «إن موازنة 2009 تتضمن استحداث قرابة 30 ألف درجة وظيفية، عدا عشرات الآلاف من فرص العمل للمشاريع الاستثمارية في تخصيصات كل من الوزارات وتنمية الأقاليم والمحافظات».

وأضاف: «إن الحكومة وضعت مواد في قانون الموازنة تمنع التعيينات الجديدة غير المصادق عليها في الموازنة العامة، ومنعت أي تعيينات بعقود، إلا بعد موافقة وزارة المالية».

وتابع: «إن توزيع تلك الدرجات الوظيفية (الضئيلة) يتضمن 9 آلاف درجة لوزارة التربية و6 آلاف درجة للصحة وألفي درجة لكل من التعليم العالي والعدل، بالإضافة إلى وزارات أخرى».

وأشار الأتروشي إلى: «أن خطة الحكومة تضمنت في بداية وضع الموازنة، استحداث أكثر من 53 ألفاً و500 وظيفة، لكنها لجأت إلى تخفيض العدد بسبب انخفاض أسعار النفط وانخفاض الواردات المتوقعة». وبالرغم من هذا الإعلان عن وجود مثل هكذا تخصيصات إلا انه لم تتوفر أي درجة وظيفية في مؤسسات الدولة لغاية الآن.

بغداد ـ نصير النهر