ربما يختزل المثل الشعبي القائل «ما الذي أجبرك على المر غير الأمر منه» وبشكل بليغ كل ظاهرة سعي الناس إلى الهجرة من أوطانهم إلى بلاد بعيدة-قريبة هواؤها بارد وأناسها غريبو الأطوار وطعامها غريب الطعم والمذاق وماؤها مالح ، ظاهرة رافقت الناس فرادى وجماعات منذ فجر التاريخ وقبل اختراع العجلة بأزمان سحيقة، رافقتهم في حلهم وترحالهم بحثاً عن مأوى آمن أحيانا ولقمة عيش أحياناً أخرى أو هربا من حاكم جائر في حالة ثالثة أو كل هذه الأسباب مجتمعة، التي مهما اختلفت إلا أن دربها يقود دوما إلى سرعان ما تنقلب في أحايين كثيرة إلى جحيم يتلون بتلون الزمان والمكان ومستويات الهجرة.
وأسوأها ذلك النوع من الهجرة-الفرار الذي يلجأ إليه الناس هربا وإنقاذا لحياتهم وحياة أبنائهم، عندما يتعلق الأمر بالحروب والمجاعات والجائحات، التي لا تبقي ولا تذر، فيصبح العمر مجرد رهان على بقاء مشكوك بأمره في غالب الأحيان. من بين تلاوين الهجرة المتنوعة ، ثمة نوع له وقع خاص لأهميته وتأثيره على بلدان المنشأ ونظيراتها المضيفة للموجات المهاجرة، باختصار إنها هجرة الأدمغة، التي يمكن تناولها تحت عنوانين رئيسيين، الأول «واقع ومآل هجرة الأدمغة على بلدان المنشأ» من جهة و«وواقع ومآل هجرة الأدمغة على البلدان المضيفة»، في الحالة الأولى يبدو جليا أنه على الرغم من المهاجر الفرد قد يجد ذاته ويحقق مستقبله في المهجر، إلا أن بلده الأصلي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة المتشابكة.
تعد كندا من أكثر البلدان استقبالاً للمهاجرين، ومع مرور الوقت يزداد اعتمادها على المهاجرين في محاولة منها للحفاظ على كينونتها وعدد سكانها، حسبما تظهر العديد من الإحصائيات والدراسات، التي تفيد إحداها اعتمدت في استنتاجاتها على إحصائية جرت عام 2006، أن 7, 4% من سكان كندا، الذين ولدوا خارج البلاد، لغتهم الأم هي العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب النوعي لظاهرة تنامي هجرة العرب إلى كندا. والتي تتميز عن غيرها من الهجرات إلى البلدان الغربية بأن سياسات الحكومات الكندية المتعاقبة قد تختلف على كثير من الأشياء، إلا أنها جميعا تتفق على أمر واحد هو ضرورة استقطاب المزيد من أعداد المهاجرين، لكن ليس أي مهاجرين، فشروط قبول أي مهاجر إلى كندا صارمة إلى حد كبير وتتطلب العديد من المزايا العلمية.
دوافع الهجرة
ويرى كريستوفر أسعد الرئيس الحالي لتحالف الجاليات العربية والمهنيين الكنديين العرب والرئيس السابق للجالية السورية ، أن دوافع الهجرة «عديدة ومتشابكة وهي تندرج تحت مضامير سياسية، اجتماعية، اقتصادية، وشخصية. فالسياسات المتبعة في البلاد العربية تشكل بذاتها أحد الأسباب التي تدفع العرب للهجرة منها، وبالطبع.
فإن من يملك رأس المال أو القدرة على السفر سيغادرها، فضلا عن أن المستوى المعيشي في البلاد العربية في تدهور مستمر. فالاستثمار الوطني قليل والغلاء فاحش والبرامج الحكومية لمساعدة المواطن معدومة. ومن أسباب الهجرة العربية أيضاً هو انعدام تساوي الفرص في البلاد العربية ولعب الواسطة والمحسوبيات دور كبير بقدرة الشخص على تأمين فرصة العمل.
أَضف إلى ذلك الثقافة الاستعمارية في البلاد العربية والتي تكرس فكرة «أن الإنسان الغربي متفوق على العربي». هذه الثقافة تعمل لتكريس مصالح الغرب، ونتيجةَ لها حينما يعمل الغربي - أو الحامل لجنسية غربية- في البلاد العربية فإنه يتقاضى راتباً يعادل أربعة أضعاف ما يمكن أن يتقاضاه العربي للقيام بنفس العمل.
حتماً في ظل هذه الظروف وحينما يرى المواطن العربي هذا الانحياز تجاه الغرب سيفكر «لماذا لا أكتسب شهادة غربية وجواز سفر غربي؟». كندا يعم فيها السلام والأمن، يُقدَّر فيها الإنسان وتتكافأ فيها الفرص للجميع تقريباً، والحياة فيها رغيدة. باختصار أسباب هجرة الأدمغة العربية إلى كندا هي نتيجة دفع المواطن للهجرة من قبل الوطن، وجذب كندا للمهاجرين».
لكن صورة حياة المهجر في كندا ليست وردية بالكامل، بل تعتريها العديد من الشوائب والعيوب ، فالمهاجر يواجه العديد من المصاعب عند وصوله إلى البلاد، أهمها يتلخص في أن المتقدم بطلب هجرة إلى كندا يكسب نقاطاً إذا كان من حملة الشهادات والخبرات لصالح هجرته، إلا أن أحد أهم وأكبر المشاكل التي يواجهها المهاجر في كندا هي عدم قدرته على العمل بمهنته.
فمثلاً بالاعتماد على إحصائية 2001 والنظر إلى من يهاجر إلى كندا بعمر يعادل أو يناهز الثامنة والعشرين عاماً، فإن هناك 33% من الأطباء و35% من المهندسين يعملون بأعمال ليس لها علاقة بالطب أو بالهندسة، مقارنة بمعدل 7% و19% من نظرائهم الكنديين أو المهاجرين المتلقين لتعليمهم الثانوي والجامعي في كندا.
صعوبات ومشكلات
ويقول أسعد إن: «الصعوبات التي يواجهها المهاجر في ميادين العمل مردها إلى مشكلات تتعلق باللغة وأخرى بتعديل الشهادات والخبرات. الأخيرة ناتجة عن قلة تنسيق بين الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات. فالحكومة الفيدرالية تطلب ذوي الكفاءات لحاجة كندا لهم اقتصادياً.
ولكن حكومات المقاطعات تعتمد على دراسات لجمعيات المهنيين مثل اتحاد الأطباء وإتحاد المهندسين». الأمر الذي يشكل خيبة أمل كبيرة للمهاجر قد تدفعه إلى العودة من حيث أتى، إذ يضيف أسعد أن «ما بين 10 - 25 % من المهاجرين العرب الجدد ذوي الكفاءات يغادرون كندا خلال السنة الأولى من هجرتهم. ففي السنة الأولى يواجه المهاجر صعوبة كبيرة في تأمين عمل بمهنته خاصة إذا كان من حملة شهادات العلوم التطبيقية - كالهندسة والطب. فعملية معادلة الكفاءات للطبيب والمهندس تتطلب حوالي 5 سنوات».
وهذا يعني أن غالبية المهاجرين ذوي الكفاءات يبقون في كندا، على الرغم من عدم قدرتهم على إيجاد عمل مناسب في اختصاصاتهم، لكن يبدو أن دوافع البقاء في كندا أقوى من مغريات العودة، فعلى الرغم من الصعوبات، يبقى مستقبل العائلة والأولاد في كندا أفضل منه في البلاد العربية. فالتعليم أفضل من حيث النوعية والتوافر عدا عن أنه معترف به عالمياً، وكما سبق وذكرت الحياة في كندا بشكل عام هي حياة رغيدة. مثلاً من الممكن للمهاجر أن يوفر عشرة آلاف دولار سنوياً كسائق تاكسي.
هذه العشرة آلاف إن أرسل منها إلى أهله في الوطن ستحل الكثير من مشاكلهم، وهذا المردود سيشعر المهاجر بالرضا على الرغم من العمل بأقل من كفاءاته.
تتباين مواقف الأجيال المهاجرة من مسألة العود إلى بلدان المنشأ، وهناك العديد من الفروقات بين موقف المهاجرين العرب الأوائل وأولادهم فيما يتعلق بهذه الإشكالية، علما بأن نسبة أعداد الهجرة العكسية ضئيلة جدا ولا تزيد على 2%، وذلك لأسباب، يرى أسعد أنها تتعلق بأن «المهاجرين الكبار في السن يفضلون العودة إلى كندا بسبب الخدمات الاجتماعية والصحية المتوفرة لهم هناك خاصة بعد الخامسة والستين من العمر ولكنهم يبقون في تواصل مستمر مع الوطن الأم من خلال زيارات دائمة.
أما نسبة احتمال أن يعود الأولاد إلى البلد المنشأ، فهي معدومة تقريبا نظراً للحياة الرغيدة في كندا وشعورهم بالانتماء لها فهي مكان نشأتهم، أصدقاؤهم، دراستهم وعملهم. قد يقومون بزيارات إلى الوطن الأم ولكنهم سيشعرون بالغربة فيه. لو سألت كندي عربي ولد أو ترعرع في كندا هل تذهب إلى وطنك العربي؟ لرد عليك السؤال قائلا: لماذا؟».
آراء المهاجرين
عند متابعة آراء المهاجرين ذوي الكفاءات فيما يتعلق بحياتهم في كندا، خلال أول ستة شهور، سنتين، وأربع سنوات من هجرتهم، قال 3, 15% إنها كانت، خلال الشهور الستة الأولى، أفضل مما توقعوا وبقيت كذلك بعد مضي أربع سنوات، 17 إنها كانت ضمن المتوقع وبقيت كذلك، 2, 31 إنها كانت أسوأ من المتوقع ولكنها تحسنت، 4, 14 إنها كانت أسوأ من المتوقع وبقيت كذلك.
بينما عبر 1, 22% منهم عن أن الحياة كانت أفضل من المتوقع ولكنها تدهورت. وعلى الرغم من أن نسبة المهاجرين الراغبين بالاستقرار في كندا لأسباب العمل هي أقل من 10%، إلا أن أغلبية المهاجرين يستقرون فيها. وهذا يعود للنظرة الإيجابية للحياة في كندا بشكل عام. فبينما تخيب آمال الكثيرين بالعمل في خبراتهم، إلا أنهم يجدون في الكنديين تقبلاُ وفي كندا حياة آمنة كريمة لهم ولعائلاتهم.
أوتاوا ـ خالدة الرفاعي ـ سلمى الشهابي


