رغم تأكيد الحكومة العراقية ان تسلمها الملف الأمني وانتقال المسؤوليات الأمنية من أيدي القوات متعددة الجنسيات إلى القوات العراقية، وانسحابها الى قواعدها الثابتة، يعد إيذاناً بتمكنها من بسط سيطرتها على الأرض ومواجهة كل ما من شأنه زعزعة الامن والاستقرار. إلا أن العراقيين أبدوا تخوفاً حيال حدوث «مفاجآت» خلال تحقيق ذلك.

ورافق عملية الانسحاب توسيع صلاحيات قوات الأمن العراقية في مقابل تقنين تحركات القوات الأجنبية وحصرها في شؤون لوجستية محددة بالتنسيق مع السلطات العراقية وبطلب منها، إذا اقتضت الحاجة. وعدّت أطراف حكومية مسألة انسحاب أو إعادة انتشار القوات الأميركية، خطوة في الاتجاه الصحيح من شأنها أن تنظم حركة القوات الأجنبية على الأراضي العراقية وتحدد طبيعة ذلك الوجود العسكري في إطار مواثيق واتفاقيات رسمية.

ورغم ذلك، كشفت بعض الأحداث التي وقعت في عدد من المدن العراقية التي سلمت للقوات الوطنية، أن التفاهم بين السلطات العراقية والقوات الأجنبية، وهي أميركية على وجه الخصوص، ليس محصناً بشكل أكيد من الخروقات التي تحدث هنا وهناك وفقاً لاعتبارات ميدانية وضرورات أمنية بالنسبة للأميركيين.

وربما اللافت في الأمر، حسب محللين سياسيين، ان أي خرق يصدر عن القوات الأميركية وفقاً لمقتضيات «غامضة» في الغالب، فان تلك القوات ليست بحاجة الى شرحه للجانب العراقي الذي عليه أن يكون واثقاً على الدوام مما يفعله الأميركيون.

كذلك، يؤشر تزايد وتيرة العنف في بغداد وعدد من المحافظات، لاسيما في نينوى وكركوك وديالى، على عودة الصراعات المؤجلة أو الكامنة، والتي يتخوف غالبية العراقيين من تفاقمها والانجرار إلى ساحة الصراع الدموي مرة أخرى، بعد ان استتبت الأمور وعادت الحياة إلى طبيعتها نسبيا على خلفية التوافقات السياسية للأحزاب والكتل المشاركة في الحكومة، فضلاً عن الحملات الأمنية الواسعة للقوات العراقية.

إلا ان مواطنين في محافظة ذي قار على سبيل المثال، أبدوا تخوفهم مما تحمله الفترة المقبلة من «مفاجآت» أمنية قد تقوض حالة الاستقرار النسبي الذي تشهده عموم المناطق في العراق.

ويقول وسام كاظم، وهو موظف، إن «الأطراف السياسية هي وحدها القادرة على وقف العنف، لانها تملك كل شيء في العراق وبيدها جميع الملفات الأمنية السياسية». لكنه توقع ان يعود العنف الطائفي ثانية وبأشكاله السابقة من مفخخات واغتيالات، خاصة مع غياب القوات الأميركية عن المدن هذه المرة.

فيما يرى وحيد جهاد، وهو عامل، ان المدينة التي تعدّ مؤشراً لحالة السلم بين الناس أو تجدد العنف هي العاصمة بغداد كونها المدينة الأكبر التي تضم خليطاً سكانياً من قوميات واثنيات وطوائف العراق كافة.

ويتابع: «كل شيء يبقى مرهوناً بالعاصمة، ورغم كل مؤشرات الخلاف الحالي، فما زالت هناك أطراف سياسية تريد دفع الأمور الى الأمام باتجاه الاستقرار والتقدم».

بينما يعتقد صلاح حسن، وهو ناشط مدني، ان «العنف موجود أصلاً ولم ينته، وكل ما حدث هو محاصرته وتجزئة الخطر في بغداد أو مدن أخرى لكي تسهل السيطرة عليه».

ويستطرد قائلاً: «ولكن مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، فان قضية كركوك والخلاف مع الأكراد هو السبب الأكبر لاحتمال اندلاع أعمال عنف بين الفرقاء العراقيين».

في حين يرى عدد آخر من المواطنين ان مصدر الخطر الحقيقي على استقرار أوضاع البلد منذ سقوط النظام السابق وحتى الآن هو التدخل الخارجي بشؤون العراق كونه مصدراً حساساً للخلافات الحزبية والسياسية داخل الكتل سواء في البرلمان أو الحكومة. ويؤكدون ان خلف كل فصيل سياسي تقف دولة أو جهة لها طموحاتها وأجندتها في تسيير الشأن العراقي الوجهة التي تريد.

بغداد ـ «البيان»