بعد استعراضه على نحو ما قدمنا لأبعاد ومسيرة الحربين اللتين خاضتهما بلاده ضد العراق، وإزاء ما يبدو من قناعته بالأولى ومعارضته للثانية يبدو أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح على المؤلف هو: لماذا بدا الرئيس بوش الابن مشدودا بهذا الشكل إلى العراق؟ من خلال ما رآه هاس وما سمعه يوضح لنا أن قرارات بوش لم تكن، كما يحاول البعض أن يزعم، نتيجة نقص في المعلومات الاستخبارية أو بسبب سيطرة نائبه أو بعض مستشاريه عليه.

وحسب هاس إن بوش ذكى وأكثر ذكاء مما يعتقد الكثير من الناس، كما أنه أيضا لديه القدرة على قراءة الناس على ذات النحو الذي يمكن لك أن تتوقعه من شخص تقدم للترشيح للرئاسة ونجح في الفوز بها.

لقد كان خطأه أنه كان يقفز سريعا إلى النتائج. كما أنه غالبا ما يعتبر تغيير وجهة النظر علامة ضعف. ما يعبر المؤلف عن دهشته منه هو ذلك الارتياح المريب الذي كان يحياه بوش بشأن قراره غزو العراق.

كانت قد مرت ثلاثة أسابيع على الحرب، وكان بوش يبدو حسبما يذكر المؤلف، إثر عودته من قمة في أيرلندا الشمالية في حالة سلام داخلي مع نفسه بشأن القرار. في الوقت ذاته الذي كان المؤلف فيه في حالة استفزاز من تلك الحالة وكيف أن الرئيس يبدو غير مهتم بكل تلك التعقيدات التي توقعها المؤلف وغيره بشأن غزو العراق.

ومن فرط دهشته وفيما يشير إلى غياب أي قناعة لديه بمبررات الغزو يطرح المؤلف سؤلا افتراضيا مؤداه: لو لم تكن هناك أحداث سبتمبر، فهل كان يمكن للإدارة أن تقدم على غزو العراق؟ ورغم تأكيده على أن مثل هذه الأسئلة من الصعب الإجابة عليها بثقة، إلا أنه يوضح أمرين متباينين أولهما أنه قبل الأحداث كان هناك حديث عن العراق في الإدارة غير أنه لم يكن ثمة دلائل على أن له وضعا خاصا.

غير أن أحداث سبتمبر غيرت توجه الإدارة بشكل كبير فبدت كما لو كانت بمثابة مطرقة تبحث عن مسمار، وقد أصبح العراق المسمار.

مفارقة ما بعد الحرب الباردة

يشير المؤلف إلى أن القليلين كان يمكن لهم توقع أن يتم اختزال السياسة الخارجية الأميركية في الفترة بالغة الحيوية التي تبعت انتهاء الحرب الباردة إلى مجرد دورانها في إطار حربين مع العراق مقدما في هذا الإطار ما يمكن اعتباره رؤية مقارنة للحربين تفسر موقفه.

ويضيف أن تقديره أن حرب العراق الأولى لم تكن فقط حرب ضرورة ولكنها ناجحة بكل المعايير. لقد كانت ضرورية لأسباب رمزية وإستراتيجية. إن الفشل في رد الغزو العراقي للكويت كان يمكن أن يمثل سابقة خطيرة في عصر ما بعد الحرب الباردة، بشكل يجعل من ذلك العصر عصر الفوضى ويتسم بالأخطار على عكس ما كانت عليه الأمور من قبل.

كما أن عدم الفعل كذلك كان يمكن أن يؤسس للسيطرة العراقية على الكويت ومن المحتمل سيطرته على المنطقة وإمدادات النفط وتزويد العراق بالوقت والفرصة لتطوير أسلحة نووية.

غير أن المؤلف وفي معرض الدفاع عن موقف بلاده الذي لقي رفضا كبيرا على مستويات عدة إزاء ما حكمه من معايير مزدوجة يذكر أن هذه الإشارة لا ينبغي فهمها على أنها تعني أن الطاقة كانت الدافع الرئيسي وراء موقف الولايات المتحدة وأنها كانت تسعى وراء هدف تجاري أو السيطرة على الموارد العراقية.

وفي محاولة لإقناعنا بموقفه يستدعي هاس غزو أفغانستان أن بلاده ذهبت إلى الحرب بعد 11 سبتمبر ضد أفغانستان والتي أشير إليها باعتبارها حرب ضرورة ـ رغم عدم وجود مصادر طاقة، الأمر ذاته ينطبق على التدخل في الصومال والبوسنة وكوسوفو والتي تعتبر حرب اختيار.

إن الحكم بأن الحرب الأولى على العراق كانت ناجحة ينبع من حقيقة أن أهداف الحرب قد تحققت ـ دحر العدوان العراقي، واستعادة السلطة في الكويت إلى الحكومة الشرعية. لقد تحقق الهدفان بتكلفة إنسانية واقتصادية وعسكرية محدودة بالنسبة للولايات المتحدة وبحماس داخلي ودولي يعزز الحكم ان الولايات المتحدة خاضت حربا ناجحة. ويبدو هنا قدر من المغالطة من المؤلف قد يبررها أنه يدافع هنا عن السياسة الرسمية لبلاده التي كان طرفا فيها.

الحرب العادلة

كما أنه من الجدير بالملاحظة كذلك، حسب هاس، أن الحرب الأولى تتوافق مع نصائح الحرب العادلة. لقد تم خوضها من أجل قضية تستحق، وكان من المحتمل النجاح فيها وتمت بغطاء شرعي، وبعد أن استنفذت المحاولات السلمية أغراضها.

إن ذلك لا يعني حسب المؤلف أن هذه الحرب يجب أن يتم اتخاذها كحالة مثالية بشأن كيفية تعاطي السياسة الخارجية مع قضاياها. ويضيف إن إدارة جورج بوش الأب أساءت قراءة النوايا العراقية. وهنا يبدو المؤلف متخذا لموقف ما بين الصقور والحمائم حيث يقول إن الاستخبارات الأميركية قللت بشكل كبير من الجهود التي قام بها العراق بشأن أسلحة الدمار الشامل. كما أن نهاية الحرب كذلك كان يمكن التعاطي معها بشكل أفضل، حيث كان يمكن القضاء على الجيش العراقي.

أما بالنسبة للحرب الثانية فيذكر أنها لم تكن ضرورية. لقد كانت هناك خيارات أخرى وبشكل خاص إعادة صياغة العقوبات بطريقة تسمح للعراق بالاستيراد، وفي ذات الوقت تحد من موارده التي تصب في إطار النظام. كما أن التفتيش على الأسلحة كان يمكن أن يتم بشكل يؤكد أن العراق لا يطور أسلحة دمار شامل. كان هناك مع ذلك احتمال أن يبقي صدام في السلطة، ومع ذلك فإن قدرته على تهديد جيرانه ومواطنيه ربما كانت ستبدو محددة.

ويضيف المؤلف إن المقارنة مرة أخرى بالحرب العادلة قد تكون مفيدة. فبالنسبة للحرب الثانية فإن قيمة القضية التي تم من أجلها خوض الحرب، واحتمال النجاح، والشرعية التي على أساسها يجري هذا العمل، كل ذلك محل مساءلة، فحتى المدافعون عنها لا يمكنهم القول انها كانت الملاذ الأخير. إن النظر للحرب والقرار الذي اتخذ بشنها عبر هذا المنظور ربما يكون مفيدا ليس فقط من أجل أسباب أخلاقية ولكن أيضا من أجل أسباب عملية.

مقارنة شاملة

وفي محاولة للإشارة إلى أن الحربين يتشابهان على مستوى الشكل فقط يذكر المؤلف أن الحربين خاضتهما الولايات المتحدة تحت رئاسة شخص اسمه بوش.. الأولى بوش الأب والثانية بوش الابن. وضد دولة واحدة ورئيس واحد في الحالتين هما العراق وصدام. ومع ذلك فإن النتائج بالغة الاختلاف.

كانت الأولى محدودة، وبمعنى آخر حربا تقليدية، وتقوم على فكرة مواجهة عدوان عراقي خارجي واستعادة الوضع القائم، فيما أن الثانية كانت مبادرة طموحة وراديكالية تم التخطيط لها على أساس الإطاحة بالقيادة العراقية من أجل التأسيس لشرق أوسط جديد.

- كانت الحرب الأولى بكل المعاني، شأنا جماعيا انغمس فيه العديد من الأقطار بدءا بروسيا واليابان ومصر وسوريا مشكلين تحالفا دوليا غير مسبوق، وساهم بطرق مختلفة دبلوماسية وعسكرية واقتصادية، فيما أن الثانية عكست على مستويات عدة الأحادية من قبل الولايات المتحدة مع مساندة ملموسة فقط من قبل بريطانيا العظمى ومجموعة أخرى محدودة من الدول.

جاءت الحرب الأولى ضد العراق بعد صدور أكثر من نحو «دستة» قرارات من مجلس الأمن، فشلت في إقناع صدام بالخروج من الكويت. فيما أن الحرب الثانية أطلقت بناء على قرار واحد من مجلس الأمن بعد أن خلصت الولايات المتحدة أنه يصعب عليها الحصول على قرار ثان.

تماسك داخلي

في الحرب الأولي، ذهبت الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة للحصول على مساندتها، الأمر الذي اعتقدت الإدارة أنه يمكن أن يحد من صعوبة بناء تماسك داخلي، بل ومساندة الكونغرس لاستخدام القوة المسلحة. أما بالنسبة للحرب الثانية فقد ذهبت الولايات المتحدة إلى الكونغرس أولا ثم فكرت فيما بعد في الذهاب إلى الأمم المتحدة.

استخدمت الحرب الأولى أكثر من نحو نصف مليون عنصر من القوات الأميركية بناء على مبدأ باول القائم على الاستخدام الكثيف للقوة العسكرية، فيما أن الحرب الثانية تمت بناء على رؤية وزير الدفاع دونالد رامسفيلد القائمة على أساس الحد من العنصر البشري حيث استخدم نحو 150 ألف جندي فقط.

- الحرب الأولى قامت على مرحلة متواصلة جرى خلالها استخدام القوى الجوية فقط من قبل الولايات المتحدة، فيما أن الثانية جرى فيها استخدام سريع للقوات الأرضية.

لحرب الأولى وقعت على خلفية قضية سالبة وبمؤداها اعتقد معظم صناع السياسة وتحليلات الاستخبارات - خطأ ـ أن صدام لن يغزو الكويت، فيما أن الحرب الثانية حدثت على خلفية قضية موجبة، وتتمثل في أن معظم تحليلات الاستخبارات وصناع السياسة اعتقدوا ـ خطأ مرة ثانية ـ بأن صدام يخفي أسلحة دمار شامل.

في الطريق إلى الحرب الأولى تحدثت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وإن بدرجة محدودة عن أسلحة الدمار الشامل، رغم أنه فيما بعد وضح أن العالم أساء تقدير الموقف وقلل من تقدير خطر مدى البرنامج العراقي. في الحرب الثانية راحت الولايات المتحدة راحت تتحدث بشكل مستفيض بشكل كبير على خطر أسلحة الدمار الشامل، رغم أنه وضح فيما بعد عدم وجود مثل هذه الأسلحة وأن الأميركيين بالغوا في تقدير القدرات العراقية على هذا الصعيد.

بدأت الحرب الأولى بقدر كبير من الجدل داخل الولايات المتحدة ولكنها انتهت بتحولها إلى اكتساب قدر كبير من التأييد الشعبي، فيما أن الحرب الثانية جرى إقرارها بتأييد كبير من الكونغرس، ومساندة شعبية ولكنها انتهت بسخط شعبي كبير.

كلفت الحرب العراقية الأولى نحو 100 مليار دولار وبسبب اتساع نطاق المشاركة الدوية فإنها تكاد ألا تكون كلفت الولايات المتحدة شيئا، فيما أن الحرب الثانية كلفت الولايات المتحدة تريليون دولار وربما أكثر. والعداد ما زال متواصلا ولا توجد فرصة لإدراج آخرين للمشاركة سوى بأقل القليل من التكلفة.

الحرب الأولى كلفت الولايات المتحدة مئات محدودة من الأميركيين بينما كلفت الثانية أكثر من أربعة الاف جندي أميركي.