لم يعد أهالي القدس قلقين على هدم بيوتهم بصورة فردية، كما دأبت إسرائيل منذ احتلال المدينة عام 67، الفردية، فقد تجاوزت سلطات الاحتلال ذلك إلى هدم العمارات السكنية وحتى أحياء سكنية بأكملها.

ففي الشهور الأخيرة أصدرت بلدية القدس إخطارات هدم جماعي لإحياء سكنية وبنايات كبيرة متعددة. ففي سلوان صدرت إخطارات بهدم 88 منزلا في حي البستان، يعيش فيها 1500 مواطن.

وفي حي رأس العمود، تلقى أصحاب 55 منزلا إخطارات هدم مماثلة. وفي حي العباسية، صدرت إخطارات بهدم بنايتين تضمان 55 شقة سكنية. وفي حي الطور، صدرت إخطارات بهدم 12 منزلاً.

وظهر الهدف السياسي لخطوات البلدية ورئيسها الجديد نير بركات جليا في الإعلان عن مشروع قرار يقضي بهدم 30 في المئة من البيوت غير المرخصة في القدس، ومنح الباقي وضعا قانونيا مختلفا، يحميها من الهدم لكنه لا يمنحها الترخيص اللازم.

وحدد مشروع القرار البيوت التي سيجري هدمها بتلك المقامة في المناطق الخضراء الأمر الذي أوضح للفلسطينيين النوايا الحقيقية من وراء ذلك وهي هدم منازل في مناطق حيوية تتطلع إسرائيل إلى ضمها في أي حل سياسي قادم مثل حي البستان في سلوان ومنطقة رأس العمود والشيخ جراح وغيرها.

وكانت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود اولمرت قدمت اقتراحا في المفاوضات مع الفلسطينيين يقضي بتقسيم القدس المحتلة إلى ثلاث دوائر: الأولى، قلب المدينة المتمثل في البلدة القديمة ومناطق المقدسات، والثانية المنطقة المحيطة مثل الشيخ جراح ووادي الجوز، والثالثة المناطق المكتظة بالسكان مثل شعفاط وغيرها.

ويقضي اقتراح اولمرت بوضع قلب المدينة تحت نظام إشراف خاص يحافظ على السيطرة الإسرائيلية فيها، وتُضم الدائرة الثانية لإسرائيل، وتمنح الدائرة الثالثة التي تضم التجمعات السكانية الكبيرة للسلطة الفلسطينية.

ويرى الفلسطينيون في مشروع القرار الجديد تطبيقا لرؤية سياسية تحدد مصير المدينة قبل التفاوض عليها، وترسم حدودا فاصلة بين الفلسطيني واليهودي عبر جرافات لا قلوب لديها كي تشعر بحاجة الإنسان للبيت، وبعلاقة الإنسان مع بيته «مجاله الحيوي الذي لا وجود له خارجه» كما جاء على لسان الشاعر اليهودي.

وتحظر السلطات البناء العربي في كثير من مناطق مدينة القدس الشرقية على نحو يضطر معه أهالي المدينة لإقامة منازل جديدة لهم دون ترخيص. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد البيوت المقامة دون ترخيص في القدس تتراوح من 15 إلى 20 ألفاً.

وكثفت بلدية القدس منذ فوز رئيسها الحالي حملة هدم البيوت غير المرخصة على نحو أثار ردود فعل أميركية وأوروبية واسعة. أشد هذه الردود جاءت مؤخرا على لسان المبعوث الأوروبي لعملية السلام مارك أوت الذي قال إن «على إسرائيل وقف هدم بيوت الفلسطينيين في القدس» وأن عليها «إيجاد بديل لهم داخل المدينة».

ويرى الفلسطينيون أن مشروع قرار رئيس البلدية جاء «للالتفاف على الضغط الدولي، والبحث عن غطاء لهدم بيوت بلدة سلوان»، وفق ما يقول رئيس قسم الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل التوفكجي.

ويرى التوفكجي أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعمل بدأب على تنفيذ مشروع القدس عام 2020 الذي وضعته البلدية في العام 1994.

وحمل مشروع «القدس 2020» عناوين عامة، في مقدمها تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمدينة عبر زيادة عدد اليهود في أحيائها، وتكريسها عاصمة موحدة للدولة العبرية.

ويقول التوفكجي إن مشروع «القدس 2020» الذي وضع بعد شهور قليلة من التوقيع على اتفاق أوسلو هدف إلى إخراج القدس من الحل السياسي مع الفلسطينيين وتكريسها عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل.

وتبيّن إحصائية حديثة لجمعية الدراسات العربية أن السلطات الإسرائيلية هدمت حوالي 900 بيت في القدس منذ اتفاق أوسلو حتى اليوم.

ويبلغ عدد السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية 280 ألفا، فيما وصل عدد المستوطنين إلى 193 ألفا. وتقول جهات إسرائيلية محايدة إن السلطات الإسرائيلية تسعى إلى رفع عدد السكان اليهود في هذا الجزء من القدس الذي يتطلع الفلسطينيون إلى إقامة عاصمة دولتهم فيه الى مليون مستوطن.

وحسب تقرير صدر أخيراً عن «حركة السلام الآن»، فإن الحكومة الإسرائيلية السابقة زادت من وتيرة التوسع الاستيطاني في القدس عقب مؤتمر انابوليس هادفة من وراء ذلك إلى حسم مصير المفاوضات في المدينة على الأرض قبل أن تبدأ.

فيما لا يمتلك الفلسطينيون الكثير من عناصر مقاومة وإفشال الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد المدينة سوى مظاهرات احتجاج يومية وشكاوى لا حصر لها إلى المؤسسات الدولية ودول العالم القادرة على الضغط على إسرائيل.

رام الله - محمد إبراهيم