قصة السياسة الصحيّة والدوائيّة في لبنان كقصة «إبريق الزيت» لا تنتهي فصولاً، والمواطن يرزح تحت ثقلها منذ سنوات، وتشير الإحصاءات إلى أن نحو نصف اللبنانيين لا يملكون أي تغطية صحية، في حين أن فاتورة الاستشفاء تعدّ من أعلى المعدّلات في العالم، إذ تنفق وزارة الصحة أكثر من 70 في المئة من موازنتها على الاستشفاء.. أما الدواء، فله قصص وروايات، تبدأ بمافيات تتحكّم به اتجارا ومبيعاً، وتنتهي بأدوية فاسدة وأدوية ترتفع أسعارها أضعاف تلك الموجودة في الدول المجاورة..

أما موازنة وزارة الصحة للاستشفاء فهي 200 مليار ليرة سنوياً، وتشمل المستشفيات الخاصة والحكومية، وتتراوح حصّة القطاع الخاص من فاتورة الاستشفاء ما بين 85 و90 في المئة، وحصّة القطاع العام ما بين 10 و15 في المئة.

في لبنان 136 مستشفى خاصاً مرخّصاً لها، منها 101 مستشفى معتمد من قبل وزارة الصحة العامة، وتتوزّع هذه المستشفيات على مستشفيات الإقامة القصيرة والمتوسطة.. أما مستشفيات الإقامة الطويلة التي تعالج الأمراض المزمنة والإعاقات الجسدية والعقلية ودور العجزة، فيبلغ عددها 28 مستشفى.. وفي لبنان 23 مستشفى حكومياً، لكن بينها ما هو «ابن ستّ» وبينها ما هو «ابن جارية» في مستوى الدعم الحكومي.

هو واقع صعب ومرّ يحاصر اللبنانيين المغلوب على أمرهم، الفقراء والمحتاجين، فلا همّ قادرون على تحمل كلفة الاستشفاء المتزايدة سنة بعد سنة، ولا الدولة ممثلة بوزارة الصحة قادرة لوحدها على تحمّل هذه النفقات الباهظة (كلفة الفرد على الوزارة تبلغ 185 دولاراً أميركياً)، الأمر الذي دفع بوزير الصحة (في حكومة تصريف الأعمال حالياً) الدكتور محمد جواد خليفة.

وبعد اجتماعات مطوّلة عقدها مع عدد من المختصّين والمسؤولين في الضمان الاجتماعي ونقابات المستشفيات والأطباء والصيادلة والعمال، الى تقديم مشروع البطاقة الصحية (التأمين الصحّي الإلزامي)، في 12 مارس الماضي، الى مجلس الوزراء الذي أقرّه في مايو الفائت.. وذلك، بعد أن نوقش موضوع الإصلاح في الصناديق الضامنة، وجرى التمييز بين التأمين الصحي الإلزامي والإصلاحات المرتبطة بالتعريفات الاستشفائية.

وحتى هذا التاريخ، لا يزال مشروع البطاقة الصحيّة «حبراً على ورق»، على أن يتمّ تمويله عبر موازنة وزارة الصحة، ليحصل كل مواطن ليس لديه تغطية صحية على بطاقة إلكترونية تموّل الوزارة جزءاً ثابتاً منها بقيمة 100 دولار، فيما يدفع المواطن حوالي 60 دولاراً، وهذا ثابت أيضاً، لكنه يختار أن يحصل على بطاقة تخوّله دفع 10% من كلفة الاستشفاء المباشرة أو 20% بحسب سلّة الخدمات التي يطلبها.

الدكتور محمد جواد خليفة وزير الصحة اللبناني أكد لـ «البيان» أن موضوع البطاقة الصحية أتى نتيجة نظرة شاملة لكل قطاع الصحة في لبنان. وأصبح تأمين صحة المواطنين واجبا على الدولة.

وردّاً على سؤال حول كيفية تبلور هذه الفكرة، خصوصاً في ظل التجاذب الطائفي والجغرافي والمناطقي والسياسي، أوضح الوزير خليفة اعتماده تقسيم الموضوع الصحي إلى ثلاثة مسارات: الدواء، بنية النظام الصحي العام (أي المستشفيات الحكومية والمؤسّسات الضامنة الأخرى)، والتأمين الصحي الإلزامي، أي البطاقة الصحية لغير المضمونين وغير المشمولين بالرعاية الصحية، مؤكّداً أن المشروع «وطني- اجتماعي بامتياز، ولا شأن فيه لفرز طائفي أو مناطقي أو سياسي».

وأخيراً لفت الوزير خليفة الى ما حققته الوزارة في إطار بناء النظام الصحي العام، ووصفه بـ «القفزة النوعية في مجال البرامج الرعائية، والتي أهلت لبنان لنيل شهادة الكفاءة من منظمة الصحة العالمية، على اعتبار أنه خامس دولة في العالم، لجهة الالتزام بالشروط التي حدّدتها المنظمة للتلقيح، وهذا مؤشر الى إمكانية التغيير، خصوصاً لجهة التعامل والتعاون مع الصناديق الضامنة .

والتي كانت تشكل لوحدها عقدة في تطبيق النظام الصحي العادل والمتكامل»، لافتاً الى مشروع توحيد الأسعار وكل الرموز الطبية، بحيث «بات لكل صندوق ممثل في لجنة مركزية في وزارة الصحة، مهمتها دراسة كل الأعمال الطبية التي يمكن إدراجها ضمن ما تشمله التغطية الصحية، وما يمكن الالتزام به أو شطبه».

والواقع أن هذه الإجراءات مجتمعة، شكلت واقعاً لإطلاق مشروع التأمين الصحي الإلزامي.. وبالتالي، وفّرت ل50 من اللبنانيين ممن لا تشملهم أي تغطية منظمة، إمكانية الاستشفاء، وحيث لم يعد المريض يقف مذلولاً أمام مداخل المستشفيات بانتظار إيجاد سرير فيها، ولم يعد يقصد مستشفى وترفض استقباله بحجة أنها تخطّت السقف المالي المحدّد للمرضى على نفقة الوزارة، أو تجاوزت عدد الأسرّة المخصّصة لهم..

و«هذا ما تمكّنا من تجاوزه باعتماد البطاقة الصحية، بالتنظيم والتفاهم مع المستشفيات والمؤسّسات الضامنة الحكومية وشركات الضمان الخاصة»، يقول الوزير خليفة ليؤكد أن مشروع التأمين الصحي الإلزامي «لا يتضارب مع أي تقديمات صحية أخرى موجودة، فالمشروع يتعلق ببطاقة استشفائية فقط ولا تغطية للمعاينات الخارجية والأدوية، ولا يوفّر بالتالي معاشاً تقاعدياً، كما هو معمول به في الضمان الإجتماعي»، فـ «لا تعارض أبداً بين البطاقة الصحية والصناديق الضامنة، ومن بينها الشركات الخاصة».

بدوره، أشاد نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون بمشروع البطاقة الصحية ،وقال: «بالنسبة لسياسة الدولة الصحية، الأمور تتّجه نحو الأفضل.. لقد أيّدنا تماماً المشروع طالما أنه يسهّل عمل المستشفيات ويؤمّن استشفاء سائر اللبنانيين غير المضمونين، وخصوصاً لجهة تحديد سقوف مالية محدّدة لكل مستشفى.. وبهذه الطريقة يصبح بقدرة المواطن دخول أي مستشفى يختارها، والطبيب الذي يريد، بدون أي حرج مالي»، واضعاً مبادرة خليفة في خانة «تحقيق العدالة الاجتماعية الصحيّة لجميع المواطنين».

وبلغة الأرقام، يلفت هارون الى أن فاتورة الاستشفاء في لبنان تتراوح بين 600 و650 مليون دولار.. أما أتعاب الأطباء، فنسبتها تتراوح بين 450 و480 مليون دولار سنويًا، ويقع على عاتق الدولة اللبنانية ما نسبته 400 مليون ويبقى ما بين 200 و250 مليون لشركات التأمين الخاصة والمريض.

غير أن فاتورة الاستشفاء في لبنان ترتفع سنة بعد سنة، والسبب في ذلك، وفق النائب السابق الدكتور إسماعيل سكرية، يعود إلى كون «الطب في لبنان أصبح تجارة.. فلم يعد الطبيب صديقًا للمريض، وأصبحت العلاقة بينهما أقل إنسانية وأكثر مهنية»، هذا من جهة.. كما يشكّل تعدّد الصناديق الضامنة في لبنان أحد أهم أسباب ارتفاع الفاتورة الصحية، إذ «تعاني بعض هذه الصناديق الفوضى المطلقة في كل المجالات، حتى في احتساب عدد المستفيدين من تقديماتها»، من جهة ثانية.

يشير «البرنامج التنموي 2006 ـ 2009» إلى أن قطاع المستشفيات في لبنان يعاني «تشوّهات واختلالات» على مستويات عدّة، منها التوزيع غير العادل للمستشفيات، بحيث تتركز في منطقة بيروت الكبرى ويستفيد منها ميسورو الحال نسبياً على حساب الفقراء المقيمين في المناطق الطرفية والنائية..

إضافة إلى أن أكثر من ثلثي المستشفيات في لبنان تنتمي إلى فئة المستشفيات الصغيرة الحجم (أقل من 70 سريراً)، ما ينعكس على نوعية خدماتها، في حين أن متوسط الإشغال في المستشفيات لا يتعدّى نسبة 60 في المئة، وهذا المعدّل متدنٍ جداً بمقياس «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» الذي يراوح بين 80 و85 في المئة.

بيروت ـ وفاء عواد