الزمان قبل مئة عام، أما المكان فممتد في المنطقة العربية، أو هكذا كان في الماضي، أما اليوم فلم يعد خط الحديد الحجازي سوى محطة يسكنها الأشباح، واللصوص، وبعض السياح.
خط بدأ العمل به بعد مناشدة السلطان عبد الحميد الثاني عموم المسلمين للمشاركة في مشروع بنائه، من خلال التبرع بالأموال والمواد العينية.
للوهلة الأولى يستطيع الزائر أن يرى مناظر البؤس الذي لحق بسكة الحديد ومحطات الانتظار، حيث الأبواب مخلّعة والنوافذ، وأسطح قرميدية فكك بعضها وترك البعض الآخر يواجه تقلّبات المناخ، وقاطرات الحديدية يكسوها الصدأ، نبت بين قضبانها الشوك.
بعض العمّال يتماهون مع صمت المكان الموحش. بينهم القليل ممن عايش مجداً غابراً.. فجلس يتذكره بحسرة من فقد عزيزا.
الخط الحديدي الحجازي تجاوز من العمر عتيا ولم يتبق منه سوى طلل متباعد، من مبان وقضبان حديدية، وقاطرات وعربات يحفها كلها كثبان رملية.
ويعتبر الخط الحجازي الذي قدرت كلفة إنشائه خلال الفترة من 1908 إلى 1916 حوالي خمسة ملايين ليرة ذهب عثماني آنذاك آخر المعالم والانجازات الكبيرة للدولة العثمانية. ووفق تصريحات لمدير مؤسسة الخط الحديدي الحجازي الأردني محمود الخزاعلة فإن «أجزاء كبيرة من الخط تتعرض لحالات اعتداء تخريبية من قبل مواطنين ما يهدد باندثار بعض أجزائه».
وقال إن «الاعتداءات على ممتلكات الخط الحجازي ازدادت في الآونة الأخيرة لتصل لحد سرقة قضبان وعوارض الخط وحلقات الربط والوصل وأعمال الحفر بحثا عن الدفائن ما يشكل خطورة على عملية النقل الحديدي وتعرض القطارات للحوادث».
وأضاف ان «هذه الاعتداءات تعتبر تهديدا للإرث التاريخي وتبديدا لثروات الوطن النادرة».وكان «سكة حديد الحجاز» مشروع أممي قدم خدماته لحجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبدأ تنفيذ المشروع من منطقة «حوران» في الشام، واعتمد في مساره على طريق الحج البري الذي يسلكه حجاج الشام، ثم قررت الحكومة العثمانية إيصال الخط إلى دمشق، عبر مدينة «درعا»، وصولا إلى المدينة المنورة.
وكانت الخطة الأساسية للمشروع تهدف لمد الخط عبر الأراضي الحجازية إلى مكة المكرمة، ثم يستمر بمحاذاة ساحل البحر الأحمر إلى اليمن، ولكن بعض الأحداث السياسية أوقفت أعمال الخط عند المدينة المنورة. وصادف المشروع عقبات كثيرة، كان على رأسها نقص المياه، وتم التغلب على ذلك بحفر آبار وإدارتها بمضخات بخارية أو طواحين هواء، ولمواجهة نقص العمال وتوفير النفقات، استخدمت قواتٌ من الجيش العثماني، بلغ عددها سبعة آلاف وخمسمئة جندي تقريباً، و200 مهندس كانوا يعملون في الخط بصفة دائمة، ما جعل معدل الإنجاز في كل عام يصل إلى حوالي 182 كيلومترا، وتم تخصيص بعض القوات العسكرية لحماية العاملين في المشروع قدرت بحوالي (15) ألف جندي.
اليوم يستصرخ الخط الحديدي الجهات المسؤولة حمايته من براثن اعتداء «سرقة قضبانه وعوارضه وحلقات الربط والوصل وأعمال الحفر بحثاً عن الدفائن». إنها أحلام الهمم العاجزة.. إلا في تخريب إرث تاريخي تأبى آثاره وقلاعه وجسوره النسيان وتقاوم الاندثار.
ووفق مصادر مطلعة أن أعمال حفريات غير قانونية عدة طالت السكة في محافظات المفرق والرصيفة والزرقاء ومعان، اعتقادا منهم أن هناك دفائن موجودة منذ زمن الحكم التركي العثماني، وأن الجنود الأتراك أخفوا ما يمتلكون من ذهب وفضة في المناطق المجاورة للخط الحديدي وذلك بعد هزيمتهم عام 1917 على يد الانكليز والثورة العربية الكبرى.
ولكن التهديد الجديد هو في عمليات سرقة قضبان الحديد التي ازدادت في الآونة الأخيرة بعد أن وصل طن الحديد في الأسواق الأردنية إلى 1200 دينار، أي ما يعادل 1700 دولار للطن الواحد.
محاولات إعادة الحياة
وتعددت محاولات إعادة الحياة لهذا الخط الحجازي، ومنها عقد مؤتمر في الرياض في 1955، وفي 1978 تم الاتفاق بين البلدان الثلاثة على إنشاء خط عريض جديد يربط بين هذه الأقطار، ووضعت دراسات المشروع، ووقع الاختيار على شركة «دوش كنسول» لتحضير دراساته وخرائطه، وكانت نتيجة الدراسات إيجابية، واعتمدت قرارات بأن تنفذ كل دولة على نفقتها الجزء الذي يمر في أراضيها، وحتى اللحظة لم يظهر شيء خارج الأوراق، وتم إحياء سكة حديد الحجاز في الأردن وسوريا، واستخدم في عملية التنقل والسياحة بين البلدين، وبقي مهجورا في باقي المناطق.
عمان ـ لقمان اسكندر
