أقسمت فاطمة بعد خروج ابنها معافى من قسم جراحة الأعصاب بمستشفى مصطفى باشا الجامعي بوسط العاصمة الجزائرية بأنها لن تنتقد سياسة بلادها فيما تبقى لها من العمر، لأن «الدولة هي أم الجميع وسياستها رحمة». جاء قسم فاطمة بعد علاج ناجح لابنها الشاب عبد الحميد ذي الرابعة والعشرين، أصيب في حادث بحري فتهشمت الحلقة الرابعة في عموده الفقري واقترب من الموت أو الشلل الدائم، لكن الطبيب فريك ومن يساعده أجرى له عملية دقيقة دامت سبع ساعات وعاد عبد الحميد إلى النشاط سالما معافى.

الأمر هنا ليس فقط نجاح الجراح في إجراء هذه العملية ولكن لأن العلاج لم يكلف العائلة أية مصاريف تذكر. فقد بقي عبد الحميد ووالدته مدة 25 يوماً في المستشفى يشغلان سريرين مع التكفل التام بالمأكل والمشرب والفراش والغطاء وكل المستلزمات مجانا كما جرت العملية الجراحية مجانا دون حتى السؤال عن وضع العائلة الاجتماعي.

قسم هذه المرأة برره هذا التكفل التام بابنها على نفقة الدولة وهو شأن ينطبق على كل الجزائريين.تبنت الجزائر قانون العلاج المجاني في المستشفيات والمستوصفات الصحية التابعة للدولة لجميع الجزائريين بداية من العام 1994 ضمن سلسلة ما سمي وقتها «مهام البناء الوطني»، حيث شكل النظام الصحي ركنا هاما من التنمية. بالموازاة مع قانون «ديمقراطية التعليم وإلزاميته» لجميع الأطفال البالغين سن السادسة.

وبوسع أي مريض حجز مكان للعلاج في المستشفى بمجرد فحص من طبيب يثبت حاجته للعلاج، ولا يطلب منه دفع أي ثمن مقابل ذلك، حيث تتكفل الدولة بتوفير شروط العلاج للجميع.

ومع أن هذا القانون صدر بعد 12 عاماً من الاستقلال فإنه ـ حسب الدكتور محمد تومي ـ نابع من فلسفة ثورة التحرير التي رسمت خطة شاملة لوجه جزائر ما بعد الاحتلال. وقال الدكتور تومي الذي كان في الخمسينات وبداية الستينات يداوي الجرحى من مقاتلي حرب الاستقلال في جبال الجزائر بأن توفير مصادر الصحة شكلت أحد اهتمامات قيادة الثورة وقتها.

وتجري مستشفيات الجزائر التابعة للدولة كل أنواع العمليات الجراحية بلا أي مقابل. وتلزم القوانين الجزائرية حماية العمال والموظفين صحيا باشتراكهم في صندوق الضمان الاجتماعي للاستفادة من الأدوية بالمجان.

ويوفر الصندوق إطاراً تضامنياً بين جميع العمال والمؤسسات التي تشغلهم. وتدفع المؤسسة 50 بالمئة من قيمة الاشتراك والعامل بدوره ملزم بدفع 50 بالمئة. وإعادة توزيعها على من أنفقوا في سبيل شراء الدواء. ويصل عدد حاملي بطاقات العلاج واسترجاع تكاليف الدواء من غير المسجلين بصندوق الضمان الاجتماعي نحو 750 ألف شخص حسب إحصاء العام 2008 صدر عن وزارة التضامن الوطني التي تتابع هذا الملف.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي