في هذه الحلقة نستعرض مع المؤلف ريتشارد هاس روايته ومذكراته عن حرب الخليج الأولى والتي يحاول من خلالها أن يقدم لنا صورة تبدو من خلالها إدارة بوش الأب تمارس نهجا بالغ الأخلاقية. وقد يكون كذلك إذا نظر إليه مقارنة بمنظور ما قام به بوش الابن أو من زاوية المصالح الأميركية، غير أنه ليس كذلك بالمنظور العربي الذي رفض قطاع كبير منه الحرب واعتبرها بمثابة تغطية على أطماع أميركية في العراق والمنطقة.
ويحكي المؤلف تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الغزو العراقي للكويت وكيف أن التقييم الأميركي آنذاك كان يقوم على أن صدام ينوي القيام بعمل خطير دون إدراك ماهية هذا العمل، فكان الاتفاق إثر اجتماع نظمه هاس ومستشار الأمن القومي حينئذ برنت سكوكروفت مع الوكالات الأخرى، على أن يتحدثا إلى الرئيس بوش الأب في محاولة لإقناع صدام بالتراجع. وفيما كانت المشاورات تدور بشأن سبل الوصول إلى صدام لمحادثته هاتفيا كانت الأنباء من الكويت تفيد أن الغزو قد بدأ، إيذانا بمولد ما عرف بحرب الخليج التي كانت تعد من وجهة نظر هاس الاختبار الأول لنظام ما بعد الحرب الباردة.
من الغريب أن المؤلف يشير إلى أنه لم تكن هناك خطط محددة معدة سلفا للتعامل مع هذا التطور. لم يكن أمام الإدارة سوى اتخاذ قرار بتجميد الأرصدة العراقية في الولايات المتحدة وكذلك الأرصدة الكويتية تحاشيا لتنصيب صدام حكومة عميلة هناك. ثم كان ما هو معروف من التوجه إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالانسحاب العراقي من الكويت.
ما كان يثير قلق المؤلف، حسبما يشير، هو أن هناك اتجاهات داخل الإدارة كانت ترى أنه قد لا يكون هناك شيء يمكن للولايات المتحدة القيام به وأن السياسة الأميركية بدلا من ذلك يجب أن تركز على ضمان عدم مضي صدام فيما هو أبعد من الكويت. يذكر المؤلف أنه وسط معمعة الأزمة كان أعضاء الإدارة يرون ضرورة الحصول على موافقة الكونجرس، بينما كان الشخص الوحيد الذي يرفض ذلك هو ديك تشيني، والذي فيما يشير إلى المفارقة يعتبر أكثر أفراد الفريق المجتمع عملا في الكونجرس.
سكود على إسرائيل
في تناوله لتفاصيل تطورات تلك الفترة يذكر المؤلف أنه كان في مكتبه الساعة السابعة يوم الأربعاء 16 يناير 1991 البداية الرسمية لعاصفة الصحراء، حيث أصبح الأمر موكولا للغة السلاح. في تلك الأثناء بدأت صواريخ سكود العراقية تنهال على إسرائيل وهو ما كان له وقع سيئ هناك وأثار غضبهم بشكل دفع بوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه أرينز إلى التعبير عن غضبه وتأكيد مطالبة الإسرائيليين بالرد على الهجمات.
هنا فإنه مما يذكره المؤلف، ما يشير إلى حقيقة مواقف ديك تشيني وطبيعته ذات الاتجاهات المتطرفة والتي فرضت نفسها خلال حقبة بوش الابن. إن توصية تشيني تمثلت في السماح بالانتقام وطلب أن يتم تمرير شفرات الاتصال إلى الإسرائيليين بشكل يمكن معه تجنب أن تقوم القوات الأميركية بتحديد نظيرتها الإسرائيلية على نحو تتجنب معه قصفها خلال العمليات العسكرية.
غير أن المؤلف ينسب لنفسه هنا أنه كان أحد معارضي ذلك الطرح باعتبار ما يمكن أن يلاقيه من تأثير سلبي على مسار العمليات حيث سيلتحق العرب في هذه الحالة بالعراق وتكون حربا أميركية إسرائيلية على الدول العربية، بما يعني إضافة بعد جديد للأزمة يمكن تجنبه. كما يشير إلى أنه في موقفه كان ينطلق من شكه في أن يقوم الإسرائيليون بدور يتجاوز ما يمكن أن يقوم به الأميركيون.
في تلك الأثناء جرت محاولات من قبل الروس لوقف القتال يصفها المؤلف بأنها لم تكن عملية، فقد كان غورباتشوف يسعى لإعطاء فرصة للدبلوماسية غير أن الأميركان كانوا يخشون من أن يكون ذلك بمثابة فرصة يستغلها صدام للظهور كبطل، ويوفر له فرصة لتحسين موقفه.
في تلك الأثناء أصدر بيكر ونظيره الروسي بيانا أثار قدرا من القلق في واشنطن يبدو أنه تم دون التنسيق الكافي بين دوائر صنع القرار هناك وتضمن البيان إمكانية وقف أعمال القتال إذا ما أعلن العراق التزامه غير المشروط بالانسحاب من الكويت، الأمر الذي لم تكن واشنطن لتوافق عليه بأي حال. كما ربط البيان بين ذلك وبدء جهود تنشيط عملية السلام في الشرق الأوسط بشكل كان سيبدو وكأنه مكافأة وتعزيز مصداقية لصدام. فما كان إلا أن خاض المؤلف وبرنت سكوكروفت جهودا مكثفة من أجل التأكيد على أن شيئا لم يتغير.
حدود إضعاف صدام
كانت هناك مخاوف في واشنطن، حسبما يذكر هاس من أن يكون صدام يحاول اكتساب المزيد من النقاط، فالعرب يعارضون تدمير العراق، كما كانت هناك مخاوف بشأن تكلفة إعادة الإعمار وأن تتكفل أميركا بجانب كبير من ذلك فضلا عن رغبة الولايات المتحدة في عدم إضعاف صدام إلى الحد الذي يؤدي إلى اختلال التوازن الذي يمثله العراق في مواجهة إيران.
يقول المؤلف كان ذلك يصب في جهة التأكيد على أن الوقت هو الفرصة المناسبة للمبادرة بشن الحرب البرية على وجه السرعة، خاصة في ضوء تزايد الضحايا المدنيين جراء أخطاء شابت عمليات القصف بشكل عرض الولايات المتحدة لانتقادات عديدة. كان من تأثير هذه الرؤية تحديد أهداف الحرب بالحد من قدرات صدام العسكرية بشكل يقوض التهديد الذي يمكن أن يمثله بعد الحرب إلى الحد الذي يمكن التعامل معه بسهولة.
كان ذلك يعكس إجماعا بين مجموعة محدودة من دائرة صنع القرار، مع الرغبة في الوقت ذاته في الإبقاء على العراق قويا بالقدر الكافي الذي يجعله يواصل دوره كحائط صد أمام إيران. كانت المعضلة هي التناقض بين الهدفين: عراق يمكنه موازنة الخصوم الآخرين في الجوار مع بقائه ضعيفا بالشكل الذي لا يمكنه من تهديد جيرانه. وعلى ذلك كان السؤال المركزي هو متى يمكن بدء الحرب البرية، الأمر الذي كان السوفييت يبذلون جهودا هائلة من أجل الحيلولة دونها.
وساطة بريماكوف
هنا يذكر المؤلف أن يفجيني بريماكوف وزير الخارجية الروسي الأسبق لم يتعب في محاولاته للتوصل إلى هذا الأمر.. صيغة حل وسط يمكن أن تحفظ ماء وجه صدام وكانت كل هذه الصيغ أقل من تلك التي ترضاها الولايات المتحدة. فمثلا كانت واشنطن ترى أن الانسحاب يجب أن يتم خلال أيام وليس أسابيع أو شهور.
يذكر هاس أن السيناريوهات المتعلقة بهذا الجانب كانت عديدة وذات تفاصيل لم يكن هناك مجال للاتفاق المشترك بشأنها بين العراق والولايات المتحدة، وفي النهاية فإن ما حدد مسار هذه المحاولات لم يكن عدم الرغبة في الحفاظ على ماء وجه صدام، وإنما الخوف من أن يفوت الوقت ولا يكون هناك شيء يمكن إنقاذه في الكويت. ومن ذلك مثلا قرار صدام إحراق أبار النفط الكويتية والذي كان بمثابة خطوة كان لها تأثيرها بشأن تطور الأوضاع ومسار العمليات.
على إثر ذلك كان البيان الأميركي الأخير في 22 فبراير والذي أمهل العراقيين 24 ساعة للموافقة على بنوده. ومع مرور تلك الفترة كان المؤلف قد صاغ ما سيعلنه الرئيس بشأن بدء العمليات الأرضية و«أن عملية تحرير الكويت قد دخلت مرحلتها النهائية». كانت التقارير الواردة من الكويت بشأن حرائق أبار النفط والقتلى من المدنيين في الكويت مخيفة. وهنا نلاحظ أن المؤلف يعرض، بغض النظر عن موقفه الرافض لسياسات بوش الابن فيما بعد من عدمه الموقف من رؤية أميركية حيث إنه في الوقت الذي يشير إلى صورة سلبية على الجانب الكويتي يتغافل عن الكوارث التي تسببت فيها العمليات الحربية الأميركية.
وفيما يوضح طبيعة الموقف الروسي يذكر أن غورباتشوف احتد في مكالمة مع الرئيس بشكل بدا معه كالمسعور على بدء الحرب البرية. وهو ما فسرته كوندي آنذاك للمؤلف على نحو يشير إلى توافقه معه بأن غورباتشوف كان يخشى ثمن الفشل وأن تؤدي هذه العمليات إلى مرحلة جديدة من الحرب يمكن أن يجد صعوبة بالغة في التعاطي معها.
قرار وقف الحرب
يصف المؤلف اللحظات الأخيرة للحرب فيقول إن قرار وقف القتال جاء إثر اجتماع من يصفهم بمجموعة الثمانية والذي حضره هاس، وهم الرئيس ونائبه وبيكر وتشيني وباول وسكوكروفت وسونونو وبوب جيتس، الاجتماع الذي كشف عن انقسامات كبيرة بشأن المدى الذي يجب أن تصل إليه الحرب وهنا فقد كان موقف تشيني يؤكد على ضرورة استسلام صدام، فيما كان بيكر يفضل نهاية سريعة، بينما ذهب فريق آخر إلى ضرورة مواصلة الحرب إلى أن يتم الإجهاز على بقايا القوات العراقية.
وبطبيعة الحال فقد بدت في الأفق صيغة حل وسط. ويتمثل في الطلب من صدام أن يعلن على الملأ أنه يقبل كل قرارات الأمم المتحدة وأن يضع العراقيون أسلحتهم جانبا، مقابل وقف القتال أميركيا في مواجهة الجنود الذين يستسلمون أو يلقوا سلاحهم. وانتهى الاجتماع إلى الفشل في الوصول إلى نتيجة محددة.
كانت الأحداث تتطور بسرعة حيث أعلن العراق قبوله بكل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ووقف إطلاق النار في مقابل إنهاء العقوبات. هنا يذكر انه من الواضح أن المرحلة الجوية للمعركة كسرت ظهور العراقيين وأن المرحلة البرية قضت على ما تبقى. في اجتماع تال لمجموعة الثمانية في البيت الأبيض حضره المؤلف كانت إشارة باول وآخرين إلى أن إطلاق النار على الجنود العراقيين المنسحبين سوف يسيء لصورة أميركا أمام العالم. هنا سأل بوش عما إذا كان هناك من بين الحاضرين من يعارض على إنهاء الحرب الليلة، فلما لم يبد أحد اعتراض جدي طلب بوش نورمان تشوارزكوف قائد العمليات على الهاتف وأمره بوقف القتال.
وهنا يلحظ المرء البساطة التي تم بها اتخاذ القرار ولا ندري هل هو نابع من سرد المؤلف للأمر أم أنه تم على هذا النحو بالفعل وتم بناء على خلفيات أخرى. المهم أن المؤلف نفسه يقول إنه كان مندهشا بمسار الأحداث وكذلك بنهج صنع القرار. غير أنه يفسر ذلك الموقف بأن بوش الأب كان مدفوعا في قراره بالرغبة في الحفاظ على تماسك التحالف كما أنه كان حريصا على الدفع نحو السلام قبل أن يجد نفسه مرغما على ذلك نحوه باعتبار أن مثل تلك الخطوة ستشير للإدارة السوفييتية والعرب إلى النوايا الحسنة من قبل واشنطن.
لا نية لدخول بغداد
ويؤكد المؤلف في معرض مناقشة هذه الزاوية أن الحقيقة بعيدا عن أية تفصيلات أو تعقيدات تتمثل في أنه لم يكن هناك أي اهتمام أو نية بالوصول إلى بغداد.
وقد كان الإجماع في ذلك الوقت وفق روايته أنه يمكن خسارة المزيد من القوات في مثل تلك العملية أكثر مما تم خسارته حتى لحظة اتخاذ قرار وقف العمليات. فضلا عن أن الولايات المتحدة في هذه الحالة ستبدو كقوة احتلال في أرض يتزايد العداء فيها تجاهها، في ذات الوقت الذي لا توجد فيه استراتيجية للخروج. إن هذه الأوضاع ليست في صالح القوات الأميركية والتي تقدم أداءً جيدا في المعارك المفتوحة حيث التكنولوجيا والأسلحة المتقدمة يمكن لها أن تكون ميزة كبيرة.
كما أن مواصلة المعارك إلى بغداد سيمثل مخالفة لقرارات الأمم المتحدة والكونجرس الأميركي. كان بوش الأب يشعر أنه أبرم اتفاقا مع باقي العالم وأنه لا يريد أن يتجاوزه. لقد كان يخشى من أن ينقسم التحالف على نفسه إذا ما تم تجاوز الأهداف التي وضعت للحرب. كما كان التصور أن القوات المهزومة يمكن أن تنقلب على النظام إزاء مغامرته الخاسرة. وكان ذلك أيضا أساسا في عدم بروز هدف المطالبة بإقصاء صدام عن الحكم باعتبار أن الظروف الداخلية الناجمة عن الحرب يمكن أن تؤدي إلى سقوطه.
الصفحات: 336 (متوسط)
الكتاب: قصة حربين
تأليف: ريتشارد هاس
عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق
الناشر: سيمون آند شستر ـ مايو 2009
