حسمت محكمة التحكيم الدولية في لاهاي أمس النزاع الدائر بين الخرطوم وجنوب السودان حول منطقة أبيي الغنية بالنفط، بقرارها تقليص مساحة المنطقة وبالتالي منح الخرطوم السيطرة على الحقول النفطية، في قرار اكد طرفا النزاع قبولهما به.
وأوضحت المحكمة في القرار الذي تلاه رئيسها بيير ماري دوبوي أن لجنة الترسيم لم تتجاوز التفويض في الحدود الشمالية وإنما تجاوزته في الحدود الشرقية والغربية، وهو ما ينطوي على تبعية حقول بترول هجليج الموجودة في أبيي للشمال. في إشارة الى لجنة خبراء ترسيم الحدود التي ميسترب اهرارق تردصا حدود أبيي العام 2005، وأكدت المحكمة على أحقية جميع القبائل في الرعي بالمنطقة. وشددت على ضرورة التعايش السلمي بين أبناء المنطقة، مذكرة بأن قرارها ملزم للجميع.
وأبدى القاضي دوبوي «ثقته في ان طرفي النزاع سينفذان الحكم بنية حسنة». ولفت الى ان «الطبيعة النهائية والملزمة للحكم الصادر اليوم حاسمة لمواصلة عملية السلام»، داعيا طرفي النزاع الى تشكيل لجنة مشتركة مهمتها تعليم الحدود على الأرض.
وقضى قرار المحكمة بتقليص حدود المنطقة من 18500 كيلو متر مربع بموجب قرار تحكيمي سابق أنجز في العام 2005. الى 10 الاف كيلومتر مربع، بحسب خريطة أصدرتها المحكمة، وبناء عليه باتت عليه الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10 درجات و10 دقائق. وبحسب حكومة الخرطوم فان هذا القرار يمنحها السيطرة المباشرة على الأراضي الواقعة شمال خط العرض هذا، وهي اراض غنية بالحقول النفطية وكانت حتى الساعة جزءا من منطقة أبيي. وكانت الخرطوم تخشى من ان تعتبر محكمة التحكيم هذه الأراضي جزءا من منطقة أبيي، وبالتالي ان تصبح هذه الاراضي في قبضة الجنوبيين اذا ما قرر سكان أبيي الانضمام إلى الجنوب.
واقتطع قرار المحكمة مساحات واسعة من أبيي في الشرق والغرب ايضا. وينص اتفاق السلام الشامل الموقع بين الشمال والجنوب 2005، على تنظيم استفتاءين في 2011، اولهما في أبيي حيث سيقول سكان المنطقة كلمتهم في ما اذا كانوا يريدون الاحتفاظ بالوضع القانوني الخاص لمنطقتهم في اطار سيادة الشمال عليها، ام يرغبون بالانضمام الى الجنوب.
أما الاستفتاء الثاني فسيجري في الوقت عينه في الجنوب حيث سيحدد السكان ما اذا كانوا يريدون الاستقلال عن الخرطوم ام لا. ويهدد تجدد اعمال العنف اتفاق السلام الشامل الذي ابرم في العام 2005 بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان والذي وضع حدا لحرب أهلية دامت 20 عاما، هي الأطول في إفريقيا.
ترحيب والتزام
وأعلن طرفا النزاع اي حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان (التمرد الجنوبي السابق) اللذان رفعا في ديسمبر 2008 الى محكمة لاهاي نزاعهما حول حدود هذه المنطقة اثر معارك دامية فيها، قبولهما بالقرار التحكيمي. وقال ممثل حكومة الخرطوم درديري محمد احمد اثر النطق بالحكم «ربحنا كثيرا بهذا الحكم»، مؤكدا على أن الأراضي التي أصبحت بموجب القرار تحت سيطرة الحكومة «تتضمن الحقول النفطية المتنازع عليها».
من جهته، قال ممثل الحركة الشعبية لتحرير السودان في لاهاي ريك ماشارتيني اثر النطق بالحكم «لم يخب املنا جراء القرار. اعتقد انه قرار متوازن سيؤدي الى ترسيخ السلام في السودان». بدوره أعلن وزير الخارجية السوداني والقيادي الكبير في الحركة الشعبية دينغ ألور ان «قرار محكمة التحكيم الدائمة ملزم لطرفي النزاع. الحركة الشعبية لتحرير السودان وشعب المنطقة سيحترمون هذا القرار».
غير أن الوزير الجنوبي المتحدر من أبيي كان أكثر دقة في تفسيره للقرار، ناصحا بالتروي لرؤية تطبيقه. وقال من أبيي إن «هناك نفطاً أينما كان في هذه المنطقة، علينا أن ننتظر لرؤية الحكم على الورق وعلى الأرض لتحديد أين توجد فعلا الثروات».
الأمم المتحدة: اتفاق
من جانبه، أعلن اشرف قاضي ممثل الأمم المتحدة في السودان ان الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفقا على أن النزاع بينهما على هذه المنطقة قد سوي.
وخشية تجدد المواجهات في أبيي بعد قرار قضاة لاهاي، نشرت الأمم المتحدة أعداداً إضافية من جنود قوة حفظ السلام في هذه المنطقة الواقعة على الحدود بين الشمال السوداني المسلم والجنوب ذي الغالبية المسيحية والأرواحية.
ترحيب عربي ودولي
وتواترت ردود الأفعال الدولية والعربية المرحبة بالقرار.. وكان لافتاً أن فرنسا كانت أول المرحبين.ورحبت الجامعة العربية بالقرار، واعتبر أمينها العام عمرو موسى انه سيسهم في دعم الاستقرار والسلام في السودان.
وأشار موسى إلى أن هناك تعاونا بين الجامعة العربية والاتحاد الافريقي لدعم السلام والاستقرار فى السودان وحث الأطراف السودانية على اتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ ما قررته المحكمة وتعزيز الشراكة فيما بينها بهدف تحقيق السلام الدائم والعادل لكل سكان المنطقة والتذكير على الاحتياجات التنموية فيها.
وفي اول رد فعل دولي دعت فرنسا طرفي النزاع الى تطبيق قرار محكمة التحكيم الدائمة الذي وصفته بـ «الجوهري». وأفادت الخارجية الفرنسية بأن «فرنسا تدعو الطرفين اللذين اتفقا على إحالة نزاعهما الحدودي على المحكمة الدائمة واتفقا على تشكيل محكمة تحكيمية لهذه الغاية، إلى التطبيق الكامل لهذا القرار في أسرع وقت ممكن»، مذكرة بأنها ساهمت بمبلغ 100 ألف يورو لتمويل محكمة التحكيم حول أبيي.
ودعا الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة حكومة السودان والمتمردين الجنوبيين السابقين الى تطبيق «فوري» لقرار محكمة التحكيم. وقالت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي في بيان مشترك في بروكسل انهما تطلبان معا من طرفي اتفاق السلام الشامل (الموقع العام 2005) ان يطبقا فورا قرار محكمة التحكيم.
وأضافا التأكيد على أنه على «الجانبين أن يستخدما سلطتهما ونفوذهما لضمان احترام قرار المحكمة وتطبيقه في شكل سلمي»، معتبرا أن هذا القرار يشكل «مرحلة أساسية» نحو تطبيق اتفاق السلام.
