في يوم 11 سبتمبر 2001 حدثت واقعة المركز التجاري في نيويورك. في يوم 26 سبتمبر اجتمعت لجنة الاستخبارات بالكونجرس إلى بروس هوفمان نائب رئيس مؤسسة «راند». كان هوفمان في طليعة خبراء مكافحة الإرهاب..
وكان قد مَثُل أمام اللجنة البرلمانية منذ 10 سنوات وحث وقتها على اتباع أسلوب المركزية بمعنى تركيز كل أنشطة مكافحة ظاهرة الإرهاب الدولي تحت قيادة واحدة. لهذا لم يتورع عن توجيه ما يشبه التقريع إلى أعضاء الكونجرس ومن في حكمهم من مسؤولي أكثر من إدارة أميركية وخاصة في وكالات الاستخبارات التي مازالت في رأيه تتبع أسلوب الحرب الباردة القديم حين كان العدو الرئيسي لواشنطن اسمه الاتحاد السوفييتي.في هذا الإطار ينقل مؤلف الكتاب نص العبارة التي رددها الخبير هوفمان على مسمع من لجنة الاستخبارات في الكونجرس وجاءت كما يلي: إن ما يقرب من 60 في المئة من جهود دوائر الاستخبارات (الأميركية) مازالت مركزة على المعلومات والمخابرات الحربية التي تتعلق بالقوات العسكرية النظامية التي تخص الدولة القومية.
في ظل نشوء أوضاع مستجدة وغير مسبوقة تتمثل في عناصر معادية من غير الدول ولا تنتمي إلى نظم حاكمة.. وهي عناصر تتسم بالقسوة والقدرة والمنعة.. وتعمل على أساس عبر وطني بمعنى عابر للحدود، وتشكل بالتالي تهديداً مهلكاً.. ومن هنا فالتوازن القديم بين القوى لم يعد مناسباً لهذه الظروف الجديدة.
ولقد ظلت «راند» تتابع جذور الإرهاب كظاهرة وسلوك عبر حقب التاريخ ومنذ أيام إمبراطورية روما القديمة قبل الميلاد ثم بعد نشوب ثورة فرنسا الكبرى. مع هذا كله فإن باحثي «راند» لازالوا يعترفون بأن «الإرهاب» كمصطلح ما برح عصيّاً على التعريف لماذا؟.. لأنه يتوقف على وجهة نظر مستخدمي هذا التعريف فضلاً عمن يتبعون هذا النمط من أنماط السلوك.
. وفي هذا السياق يقول المؤلف (ص269): إن الفكرة الشائعة (الكليشيه) تقول باستمرار: ان أي عمل عنيف لأغراض سياسية هو عمل إرهابي إذا لم نوافق عليه..
والشخص الإرهابي في نظر فلان يمكن أن يكون مقاتلاً من أجل الحرية في نظر فلان الآخر. بل ان واحداً من كبار باحثي راند ـ هو البروفيسور كونراد كيللن يقول ببساطة: إن منفذي الثورة الأميركية أوائل (حرب استقلال أميركا عام 1776) كانوا سيعتبرون إرهابيين بمعايير عصرنا الحالي.
خمسة وجوه للإرهاب
والحاصل أن دراسات «راند» ظلت تنظر إلى ممارسة أعمال العنف (الإرهابي) على أنها «سلاح الضعيف».. وفي مجال تقصي الأبعاد التاريخية المعاصرة لظاهرة الإرهاب كان باحثوها يحيلون بداية إلى الاستراتيجية التي سبق إلى اتباعها زعيم الثورة الصينية «ماوتسي تونغ» الذي شن حرب عصابات طويلة الأمد على جيوش الصين الوطنية بقيادة شانج كاي تشيك.. فكان أن حصل ماو على مقاليد السلطة مؤكداً أن ثقة جماهير الشعب كانت مفتاح حملته.
ومع سنوات التسعينات خلصت دراسات «راند» بالنسبة لظاهرة الإرهاب إلى تقسيم أو تصنيف من يتبعون هذا السلوك إلى 5 فئات مختلفة على النحو التالي:
1- الثوريون
2- الساخطون
3- الأقليات العرقية
4- الفئات المحرومة اقتصادياً
5- الفوضويون
ربما لهذا فوجئت «راند» بقرار غزو العراق حيث لم يكن لينطبق أي من تلك العناصر الخمسة التي تشكل منظورها إلى قضية الإرهاب.
حكاية باحث شاب
في هذا السياق أيضاً يخصص مؤلف الكتاب سطوراً للحديث عن واحد من باحثي «راند» الذي جاءها حاصلاً على الدكتوراه من جامعة شيكاغو.. وحيث تتلمذ على يد البروفيسور هولستر الذي تولى إدارة راند لسنوات عديدة وترك تأثيره عميقاً على جمهرة باحثيها وعلى التوجهات الأساسية لهذا المعقل الفكري العتيد في الحياة والثقافة والسياسة الأميركية.
الحديث هنا عن شاب أفغاني هو زلماي خليل زاده جاء إلى أميركا بعد أن حصل دراساته العليا الأولى في جامعة بيروت. حيث كان يشارك في الاجتماعات المطالبة بحقوق فلسطين (ص282) بل كان يعلق على باب غرفته في السكن الجامعي صورة الزعيم جمال عبدالناصر.
البروفيسور هولستر بالنسبة زلماي خليل زاده كان بمثابة الفيلسوف اليوناني سقراط بالنسبة لتلميذه أفلاطون.. وعلى يده جاءت التحولات في فكر تلميذه الأفغاني الأصل الذي بدأ في صفوف الراديكاليين وانتهى به الأمر إلى صفوف المحافظين الجدد ليصبح سفيراً لأميركا في بغداد بعد غزو العراق ثم مندوباً لواشنطن لدى الأمم المتحدة، ويرجع الفضل إلى زلماي خليل زاده ـ كما يؤكد المؤلف ـ في طمأنة أميركا إلى إمكانية دحر الغزو السوفييتي لأفغانستان شريطة تزويد المقاتلين الأفغان (المجاهدين) بصواريخ ستينغر التي كانت فعالة في تحقيق النصر على جحافل موسكو الغازية.
3 شخصيات يهودية ـ صهيونية
في هذا الإطار تبلورت على صعيد راند أفكار مستجدة تقضي بأن على أميركا ألا تسمح قط لأي قوة أخرى أن تنافسها كقطب آخر له الكلمة الأولى في العالم، وأن أميركا يناسبها في المراحل المقبلة (من التسعينات إلى القرن الجديد) أن تتحول إلى قوة مهيمنة شريطة أن تعمل على تأمين مصادر الطاقة اللازمة لها..
وهنا يضيف المؤلف أيضاً (ص286): هكذا أصبح الشرق الأوسط، بما يحفل به من موارد نفطية وافرة، هو محور تركيز حملات دقيقة التنظيم من أجل بسط سلطة أميركا وإعادة تشكيل دول في الشرق الأوسط سواء كانت تتسم بطابع الطغيان أو معاداة السامية (كراهية اليهود أو بغض إسرائيل) أو كانت دولاً رجعية ـ باستخدام السياسة أو القوة.. سيّان؟
هذا التوجه السياسي كان يناسب جيداً البروفيسور هولستر مدير مؤسسة راند الذي كان من غلاة مؤيدي إسرائيل إذ كان يراها بمثابة الديمقراطية الفعالة الوحيدة في الشرق الأوسط.. وفي هذا كتب هولستر يقول: حتى مع انهيار الإمبراطوريات الشيوعية.. فلا يزال العالم يشكل أخطاراً عسكرية تهدد المصالح الأساسية للولايات المتحدة وحلفائها.. وعليه فنحن بحاجة إلى استراتيجية وإلى قوات يعاد تشكيلها لكي نواجه هذه الأخطار الحقيقية.
في هذا السياق بالذات يضيف المؤلف قائلاً: وعندما رفض الرئيس بوش ـ الأب العمل على إسقاط صدام حسين بعد طرد جيشه العراقي من الكويت.. أصبح شعار تغيير النظام في بغداد أقرب إلى الأقانيم المقدسة بالنسبة إلى الباحثين والمسؤولين في مؤسسة «راند» ودوائر البنتاجون على السواء.
وكان سلاحهم الفتاك ـ يضيف المؤلف (ص286) هو: شخصية عراقية في المنفى صاحبها على قدر واضح من الثقافة ومن الدهاء وإن كان مطلوباً لارتكابه اختلاس من أحد بنوك الأردن واسمه.. أحمد الجلبي.
يكاد المؤلف يخصص الفصل الحادي والعشرين للحديث عن نجم أحمد الجلبي بين السطوع والخسوف وكذلك عن 3 شخصيات محورية في إدارة الرئيس بوش ـ الابن كان أصحابها في غاية التحمس لعودة جلبي إلى بغداد ظافراً مع دخول القوات الأميركية إلى عاصمة العراق.. أولهم كان ألبرت هولستر مدير مؤسسة «راند» والثاني هو بول نائب وزير الدفاع ومهندس حملة العراق.. والثالث هو المؤرخ برنارد لويس المتخصص في دراسات الشرق الأوسط.
يقول مؤلف كتابنا: جمعت بين الثلاثة أفكار وقيم وخلفيات مشتركة.. كل منهم كان يهودياً.. ومدافعاً عن إسرائيل وعقلانياً وداعية لنشر القيم الأميركية وبلغ من الإعجاب بأحمد الجلبي إلى حد أن صوروه بمثابة أتاتورك الجديد بالنسبة للعراق بقدر ما كان مصطفى كمال أتاتورك بالنسبة لتركيا في سالف الزمان.
كان الأميركان يقدمون الدعم للعراقي المنفي أحمد جلبي.. الذي كان لا يقتصر في المقابل (ص291) على إضفاء الشرعية على مقولات المحافظين الجدد بشأن تغيير النظام الحاكم في العراق، بل كان يزودهم أيضاً بالمعلومات المتصلة بما كان يقال عن وجود أسلحة الدمار الشامل.. هذا فضلاً عن زمر عديدة من المخبرين العملاء الذين كانت تضمهم شبكة واسعة داخل وخارج العراق وكانوا يقدمون تقارير مرعبة عما يجري.. ولكن ثبت أن كثيراً منها كان زائفاً مكذوباً.
ومع تداعي التطورات في أرض الرافدين.. بدأت الآمال المعقودة على جلبي وأمثاله تتهاوى ولم ينل في الانتخابات قدراً مذكوراً من أصوات الناخبين.
ويعلق المؤلف قائلاً: لم يجد جلبي مناصاً من الاعتراف بالفشل.. موضحاً أن أكبر أخطائه يتمثل في أنه لم يكن يرى «أن قوى التخبط والدين والقومية العمياء (!) هي التي ستحكم العراق.. وبلغ من اعترافه المذهول أمام فشله الحد الذي صرح فيه في حديث متلفز إلى قناة عربية فقال: حتى الحزب الشيوعي العراقي عمد إلى تغيير شعاره المعروف من.. يا عمال العالم اتحدوا إلى شعار يكاد يقول: يا عمال العالم.. صلوا على النبي!
راند.. إلى أين؟
يختم المؤلف فصوله فيطرح السؤال المستقبلي البديهي: مؤسسة راند.. إلى أين؟
أول مشكلاتها أنها لم تعد تنفرد بالساحة بوصفها مؤسسة بحثية فريدة ومرموقة.. امتلأت الساحة بالعديد من مؤسسات ومراكز ومواقع البحوث من كل صنف واتجاه.. ومن هنا اعتزمت «راند» الحفاظ على تميزها فكان أن وسعت نظرتها إلى خارج حدود أميركا ولاسيما إلى منطقة الشرق الأوسط (ص304) وجاء توسعها تركيزاً على العالم العربي (الفصل 23):
ـ في قطر افتتحت راند مكتباً لها وبدأت في إعادة صياغة الكتب المدرسية.
ـ في العراق شاركت في بحوث إصلاح النظام القضائي ولو بنتائج يختلط فيها السلب بالإيجاب.
ـ في فلسطين تشمل مقترحاتها إنشاء خط حديدي يربط بين قطاع غزة والضفة الغربية بما قد يهيئ للشعب الفلسطيني إمكانات جديدة في مجالات الأغذية والمياه والتعليم والإسكان والخدمات.
«راند» يرأسها حالياً أستاذ سابق في علوم الفيزياء وهو جيمس تومسون وكان مساعداً للبروفيسور بريجنسكي أيام كان مستشاراً للأمن القومي في ولاية الرئيس الأسبق جيمي كارتر.
راند تدفع الآن الثمن بعد أن ظلت تضع نفسها وفكرها وبحوثها في خدمة الحكومة بكل ما يعنيه ذلك من فوائد ومشكلات أو بالتحديد من انجازات وأخطاء لهذا لا يتورع مؤلف الكتاب عن القول بأنها «تشبه كل فرد منا (في أميركا) بكل سلبياته وإيجابياته.. فقط علينا أن ننظر في المرآة».

