دخل الرئيس (الجديد) جون كيندي مقر الحكم في البيت الأبيض.. ودخلت معه مؤسسة «راند» حقبة جديدة من تاريخ نشاطها الفكري والعلمي. كان ذلك في النصف الثاني من يناير عام 1961، قبلها كانت «راند» معقلا أو شبه معقل لأفكار مقاتلي الحرب الباردة التي قامت طروحاتهم على أساس التخويف ـ إلى حد أقرب إلى النذير أو الترويع ـ من حرب نووية لا تبقي ولا تذر، يشنها الكرملين الشيوعي الأحمر على أميركا وسكانها.. هذا الترويع المستمر للناس كان ولا يزال سلاحا بيد الجماعة المتصلبة من غلاة الجناح اليميني في السياسة الأميركية الذي أصبح معروفا في أيامنا باسم «المحافظين الجدد».
ومع بداية حقبة كينيدي تغيرت المسارات والتوجهات.. يقول مؤلف كتابنا: أخيرا أصبحت «راند» قادرة على تحطيم السلاسل التي طالما قيدت حركتها وربطتها طويلا بسلاح الجو الأميركي (يقصد البحوث العسكرية في مجالات الطيران وتكنولوجيا القذائف والصواريخ وما إليها).
جاء فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة بكل إمكاناته وقدراته الليبرالية ليشير إلى تحولات بارزة بعيدا عن اللوبي الجمهوري الذي كان يسيطر على راند.. وليفسح المجال لكوكبة لامعة من صفوة المثقفين الذين عمد كينيدي بوصفه رئيسا شابا ومثقفا إلى تجميعهم من حوله.. بما أصبح أقرب إلى دعوة مفتوحة ومرحبة لقلعة البحوث القائمة في سانتا مونيكا ـ كاليفورنيا (يقصد مؤسسة راند) لكي تدخل في شراكة فكرية وعلمية مع الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة.. وهكذا تم لقاء مبدئي بين تشارلس هتس عالم الاقتصاد الباحث في راند والقادم من جامعة أكسفورد وبين وزير الدفاع الجديد روبرت ماكنمارا.
وكان اللقاء مشجعا وكأنه حب من أول نظرة كان كينيدي قد اختار مكنمارا مسؤولا عن البنتاغون العسكري بناء على نصيحة مستشاره جون جالبريث وهو واحد من أعلام الفكر الاقتصادي في أميركا واختار مكنمارا بدوره عددا من باحثي مؤسسة راند لتطوير وتغيير أداء المؤسسة العسكرية الأميركية وبلغ من اعجاب الناس بهذه الصفوة من العلماء أن أطلقوا عليهم الوصف التالي: أولاد مكنمارا الساحر.
في كل حال استفادت راند من الإمكانات المالية السخية التي أتاحها هؤلاء العلماء الذين خرجوا من صفوفها ليشغلوا مواقع المسؤولية في إدارة كينيدي ولاسيما في دوائر الدفاع والبحوث العسكرية.
وجاء هذا السخاء على شكل تعاقدات طائلة الأموال مع راند وفي مقدمة الجهود التي شملتها هذه الاتفاقات قرار التحول إلى النظام الرقمي (ديجيتال) في عمليات الاتصال وإرسال البيانات وكان تحولا جذريا بل ثوريا بكل معنى إذ كان نظام التواصل والتراسل القديم عبر الأثير تعتريه تقلبات في الغلاف الجوي تؤدي إلى تشويه مفردات الرسالة أو طمس أجزاء من مضمونها خاصة في المسافات البعيدة.. (هنا يعيد المؤلف إلى ذاكرة المخضرمين صدى الصوت الذي كان يتردد ليصاحب المحادثات الهاتفية عبر البحار خلال الجيل السابق).
ويضيف المؤلف لمزيد من الإفصاح قائلا: أما النظام الرقمي الذي طورته مؤسسة راند فهو نظام ثنائي ـ مزدوج يقوم على إرسال المعلومات أو البيانات في سياقات تجمع بين الإيجاب والسلب مستخدمة الأرقام والأصفار كما في حالة الحاسوب الالكتروني مما يصون البيانات المنقولة عن مغبة تأثير الطقس وأي عوامل خارجية أيضا تعوق عملية البث أو تشوه بعض أجزائها.
ـ من الذي توفر في راند وساعدها على تحقيق هذا الفتح في مجال التحول إلى النظام الرقمي؟ إنه مهندس من أصل بولندي هاجر به أبواه إلى أميركا ولما يكمل عامه الثاني وظل شغوفا بوظائف المخ البشري وقدراته على تلقي وبث الرسائل التي تحدد نوعية واتجاه سلوك الإنسان.
اسمه بول باران وقد التحق بالمؤسسة العتيدة واكتسب صفة «راندايت» التي تفيد الانتساب إلى صفوف باحثيها في ربيع عام 1960. في نفس الإطار سبقت بحوث راند وإبداعات أعضائها إلى تصميم جهاز دقيق يعمل بالكهرباء منذ أوائل الخمسينات يتولى إجراء الحسابات ومعالجة وتجهيز البيانات ويحاول محاكاة العقل البشري ويعد هذا الجهاز بمثابة الجد الأعلى لجهاز الحاسوب ـ الكمبيوتر الذي أصبح حاليا جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس. يومها لم يكن أحد يعرف تسمية الكمبيوتر.
ولذلك فقد خلعوا على الجهاز الرائد العجيب اسم «جوهانياك» تكريما لعالم بارز في مجال الرياضيات جاء إلى راند كخبير استشاري من جامعة برنستون المرموقة في أميركا وكان اسمه «جون فون نيومان».
عن هذه الأجيال ـ البدائية كما يسميها المؤلف كائنات الكمبيوتر يقول كتابنا (ص147): كانت لا تعمل سوى ساعات قلائل في اليوم وكان لازما أن تحفظ أجزاء الجهاز في مكان بارد مكيف الهواء.. ومع كل هذه المشاكل فقد أفادت هذه الأجيال العتيقة في انجاز مهمة تاريخية بكل معنى وهي: المساعدة في إجراء الحسابات والمعادلات للتوصل إلى الأجيال الأحدث والأكفأ من ناحية الأداء والحجم والوزن.. تلك التي أصبحنا نطلق عليها اسم الحاسوب الالكتروني.
دور «العالم الثالث»
ومن خلال هذه المنجزات أكدت مؤسسة راند دورها الحيوي في حياة أميركا وخاصة بعد أن أتيح لها منذ الستينات وما بعدها سبل التحرر من أسر البحوث العسكرية.. رغم أن منجزاتها في مجال دقيق مثل الحواسيب الالكترونية كانت تنسحب بالضرورة كي تغطي المجالين المدني والعسكري على السواء.
وبقدر ما استفادت «راند» من سخاء الاعتمادات وتشجيع المعنويات في إدارة كينيدي فقد كان لها تأثيرها العميق على توجهات هذه الإدارة وخاصة في مجال الدفاع حيث وضعت خطة عرفت اختصارا باسم «سيوب» ومعناه التفصيلي هو: خطة العمليات الوحيدة المتكاملة.
وكان من مقتضيات هذه الخطة محاولة النفاذ إلى حيث التواصل مع جماهير الشعوب دون الاقتصار على التواصل مع مسؤوليها أو كوادرها الحاكمة.. كان العالم يدخل وقتها عقد الستينات من القرن العشرين وهو عقد بدأ منطويا على تغييرات جذرية وشاملة في الفكر والسياسة والثقافة والسلوكيات في طول العالم وعرضه ـ يومها أيضا بدأ الحديث عن كيان كان مستجدا على الساحة الدولية وهو: العالم.. الثالث.
وهو بداهة الإضافة رقم 3 بعد المعسكرين الاشتراكي (السوفييتي) والرأسمالي (الغربي ـ الأميركي بالذات) وقد سبق أن شهد في عقد الخمسينات موجة سقوط الإمبراطوريات الكولونيالية العتيقة التي كانت تحت سيطرة كل من بريطانيا وفرنسا.. وتوازت مع هذه الموجة حركة التحرر الوطني وحركة الاستقلال التي بلغت ذروتها في عام 1960 بالذات، الذي مازال يعرف في حوليات التاريخ المعاصر بأنه عام «استقلال أفريقيا».
ثمة موجة كانت تساير هذا كله هي موجة اليسار العالمي.. تلك الفصائل من المفكرين والساسة ـ الشباب بالذات ـ ومعهم قيادات عمالية ومهنية رأت في أفكار الثورة وفي طروحات التغيير الراديكالي طوق الإنقاذ لبلادها من ربقة النفوذ الامبريالي القديم.
وتطلعت إلى تأييد الاتحاد السوفييتي. اشتد ساعد هذا التيار بعد نجاح ثورة كاسترو في كوبا عام ,1959. وبروز رفيقه تشي جيفارا رمزا لليسار الثوري المتطلع إلى المستقبل هذه العوامل كان لابد وأن توجه مؤسسة راند ـ كما يوضح مؤلف الكتاب ـ إلى تعديل مسارها وتوجيه اهتمامها إلى مجال كان جديدا في عقد الستينات وهو: دراسات العالم الثالث.
المحور العسكري هو الأساس
ومرة أخرى كان المحرك لهذا الاهتمام المستجد في أروقة المؤسسة البحثية هو المحور العسكري متمثلا في البنتاغون الذي أصدر التكليف وطبعا أتاح التمويل لدراسات تجيب عن السؤال الجوهري التالي:
ـ كيف تتعامل أميركا مع سلسلة من حركات التمرد والثورة التي رفعت شعارات اليسار في منطقة الجوار المتاخمة لها.. كوبا.. فنزويلا.. جواتيمالا.. كولومبيا.. ثم امتد نفوذ هذه الحركة الضارة بمصالح أميركا والغرب إلى أصقاع من أفريقيا (الكونغو) ومن آسيا (لاوس وفيتنام)؟.
ـ وفي إطار الدراسات الجديدة خلصت «راند» إلى أهمية الموازنة بين النصر العسكري وبين عنصر جمع المعلومات وتحليل نفسيات الشعوب ـ وخاصة في ذلك العالم الثالث.. وتقصي أسباب موجة العداء لأميركا تلك التي غيرت صورتها التي كانت إيجابية بوصفها المحرر المنتصر على العنصرية النازية خلال وبعد الحرب العالمية الثانية..
ـ باختصار وجهت دراسات «راند» اهتمام صانع القرار في إدارات كل من كينيدي وخليفته جونسون إلى أهمية عمليات الاستخبارات التي تجمع بداهة بين المعلومات وبين دراستها وتحليلها وطرح ثمار هذا التحليل.. المنظومي كما وصفه باحثو «راند» أمام صانع القرار.
في نفس الإطار خرج هؤلاء الباحثون بسلسلة دراسات مهمة تحت عنوان «الحروب المحدودة وعمليات مواجهة التمرد».. وكان طبيعيا أن تتطرق هذه الدراسات إلى رؤى المستقبل وهو ما بدأ يشكل الأساس لتطوير علوم المستقبليات ولدخول مصطلحات من دنيا الفن إلى عالم الفكر السياسي وفي مقدمتها.. مصطلح السيناريو.
وفي هذا الإطار أيضا انتعشت في صفوف «راند» دراسات سيكولوجية لشخصيات قادة العالم وزعمائه.. سيرهم الذاتية.. نشأتهم الطبقية.. مواطن القوة والضعف في سلوكياتهم.. وجاء في مقدمة هذه الدراسات شخصية فيديل كاسترو في كوبا.
وهنا أيضا يشير المؤلف إلى الدراسة التي أعدتها راند منذ تلك الفترة البعيدة تحت عنوان لا تخفى دلالته وهو: كوبا: مرحلة فيما بعد الشيوعية، وبديهي أن القصد هنا هو مرحلة ما بعد زعيمها كاسترو وبديهي أيضا أنها بشكل أو بآخر هي المرحلة الراهنة من السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
وكان طبيعيا بنفس القدر أن توجه «راند» اهتماماتها إلى قضية حرب أميركا في فيتنام.. وهكذا عكفوا على دراسات نفسانية وسلوكية لجماعة «الفيتكونج» الذين قادوا المقاومة الوطنية في فيتنام ضد المد العسكري الأميركي.. ولم تقتصر دراسات المؤسسة البحثية على هذه القضايا ذات البعد الدولي ولا حتى على قضايا الحرب والشأن العسكري. لقد تعدت جهودها إلى حيث أجرت بحوثا متعمقة على مستوى مدينة مثل نيويورك حيث تدارست قضايا الاسكان.. وشبكات المواصلات ومشاكل التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي.. والمعنى من هذا كله ـ كما نفهمه من مؤلف كتابنا ـ يؤكد أن مؤسسات البحث العلمي لابد وأن تتفاعل عن قرب مع سائر قضايا المجتمع الذي تعيش فيه.. بل عليها أن تتعاطى مع مشاكل الناس في حياتهم اليومية..
ومن مساكن نيويورك وقضاياها المحلية إلى قضية أخرى انفجرت مثل قنبلة سياسية دوت في أرجاء الحياة الأميركية وكان بطلها باحثا من راند اسمه دانييل الزبورج.. فيما كان عنوانها يضم كلمتين هما: أوراق.. فيتنام.
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الصفحات: 388 (متوسط)
الناشر: هاركور، نيويورك
