قديماً، كان خبز التنّور ملازماً لكل بيوت الأرياف اللبنانية، تماماً كجرائد هذا العصر.. أصله وفصله من سنابل القمح وقصبات الذرة، والتي تنتهي حبّاتها إلى الأبيض الدقيق حين تُكسر رؤوسها بمطحنة الحجر، فتتغيّر ألوانها ويضيع «الشِنكاش».

ورغماً عن طباع المدينة التي «تسلّلت» خلسة إلى الأرياف، حاملة في طيّاتها مظاهر العولمة والتمدّن، فإن للتنّور في ذاكرة أبناء القرى اللبنانية، جنوباً وبقاعاً وشمالاً وجبلاً، مكانة مميّزة.

وكي لا يستحيل «تنّور الضيعة» إلى مجرّد ذكرى وحكاية تتناقلها الألسن، قرّرت أم غسّان (60 عاماً) إعادة الاعتبار لخبز التنّور، والاستمرار في استخدام طريقة الآباء والأجداد في إعداده، فخاضت غمار التحدّي، مدفوعة بحنينها إلى الماضي وحاجتها غلى القرش.

بداية، استعانت أم غسّان بخبيرة في صنع التنّور العربي، انسجاماً مع المثل اللبناني الشائع التي آمنت به: «اعطِ خبزك للخبّاز، ولَوْ أكل نصّو»، والذي احتاج، كما قالت لـ «البيان»، إلى خلطة متناسبة من الطين وشعر الماعز وحجر الصوّان المطحون، لكي يتمكّن من مقاومة النار الناجمة عن احتراق الحطب اليابس الذي يوقد بداخله، لافتة إلى أن عملية بنائه تمّت على ثلاث مراحل (الأساس، الوسط، والفوهة)..

وذلك، بعد عجن خليط مواده الأساسيّة ورصف «الشحف» (حجارة على شكل قطع صغيرة بحجم قبضة اليدّ)، الواحدة تلو الأخرى على سطح الأرض إلى أن اتخذت شكل دائرة قطرها نحو 70 سم، ووضعت فوقها الحجارة على المنوال نفسه إلى أن بلغ ارتفاعها المتر تقريباً، وتركت فتحة صغيرة في الأسفل للسماح بمرور الهواء أثناء إشعال النار.. بالإضافة إلى بناء لإقامة التنّور عن مفرق الضيعة.. وفي مدّة لم تتجاوز ال20 يوماً، كان التنّور جاهزاً للعمل، بكلفة لم تتجاوز ال400 ألف ليرة لبنانية.

هي «رحلة التعب اليوميّة» بمواعيدها المحدّدة التي لا تقبل التأجيل، تقصّها أم غسّان بسعادة: أستيقظ عند الخامسة فجراً، فأوقد التنّور بإشعال الحطب في داخله إلى أن يصبح جمراً جاهزاً لاستقبال العجين بعد نحو نصف ساعة.. تعاونني اثنتان من بناتي في «الرقّ»، مع أنهما تعتبران التنّور «دقّة قديمة»..

أما المهمة الأصعب، فهي «لزق» الأرغفة بواسطة «الكارة» (عبارة عن قطعة دائريّة ملفوفة ومحشوّة بالقماش، بما يشبه الوسادة، يثبّت عليها الرغيف) على الجدران الداخلية للتنّور حيث تكون الحرارة مرتفعة جداً، ومن ثم إخراجها بعد نحو دقيقتين وتوضيبها، بعد أن تبرد، في أكياس بلاستيكيّة لبيعها للمارّين على الطريق بسعر 1500 ليرة لبنانية للربطة الواحدة المؤلّفة من عشرة أرغفة.

بيروت ـ وفاء عواد