أكثر من عبرة مستفادة من ملابسات إنشاء وتشغيل مؤسسة «راند» وفي مقدمة هذه الدروس المستخلصة ذلك الاهتمام بالبحث العلمي والمبادرة إلى تدارس المشاكل قبل اتخاذ القرار، على الأقل في مراحل سبقت من التاريخ القريب للولايات المتحدة.

وربما كان وجود الاتحاد السوفييتي على امتداد النصف الأخير من القرن الماضي، بوصفه غريما منافسا وشرسا لأميركا، هو الباعث الأول على التحدي، وهو الدافع إلى مجابهة هذا التحدي من خلال ترسانة العلم والبحث والابتكار واستشراف الجديد.من آيات الاهتمام بهذا الجانب أن الرئيس الأسبق هاري ترومان، وقد تولى مقاليد الرئاسة عام 1945، بادر من يومها إلى تعيين مستشار رئاسي رفيع المستوى للشؤون العلمية.. ومن ناحيته أيضا عمد هذا المستشار ؟ واسمه البروفيسور «فانفار بوش» إلى إعداد ونشر تقرير ذاعت شهرته في تلك الأيام تحت العنوان التالي: العلم.. حدود بلا نهاية

المهم أن المستشار العلمي بالبيت الأبيض دعا في تقريره إلى زيادة الاعتمادات في ميزانية الدولة للإنفاق على ما وصفه البروفيسور بوش بأنه «البحوث الأساسية».

وهو المعنى الذي يفسره مؤلف الكتاب بأنه العمل على توليد واستنباط المعارف الجديدة بغير قيود أو حدود.وهذا هو بالضبط المفهوم الذي اعتمدته مؤسسة «راند» منذ بواكير أعمالها: مفهوم أن لا قيود على البحث العلمي، لا من جانب اللوائح، ولا بحكم الأموال بل الحرية مكفولة للباحثين والمفكرين والعلماء يعملون في استقلالية تامة دون وصاية أو رقيب اللهم إلا ضميرهم العلمي وانتماؤهم الوطني.

مذكرة مهمة من رئيس الأركان

ولأن الأمر تزامن كما يوضح المؤلف (ص15) مع بداية اشتعال الحرب الباردة بين القطبين في موسكو وواشنطن، حربا عقائديا وبحثية وأمنية وعسكرية.. فقد كان طبيعيا أن يطلب العسكريون مساعدة «راند» في تطوير الأسلحة وإبداع الجديد منها لزوم التفوق النوعي في إدارة هذا الصراع الدولي..

هكذا كتب رئيس الأركان الأميركي مذكرة بتاريخ 30 ابريل عام 1946 يقول فيها: «لابد أن يحصل الجيش على مساعدة الأوساط المدنية في مجال التخطيط العسكري وخاصة انتاج الأسلحة.. وعليه يلزم إعطاء العلماء والصناعيين أكبر قدر ممكن من الحرية للاضطلاع بالبحوث التي يتولون أمرها..«.

وقد اكتسبت هذه المذكرة أهميتها في سجلات التاريخ الأميركي لأن كاتبها لم يكن أقل من الجنرال دوايت أيزنهاور الذي خلف ترومان في رئاسة الولايات المتحدة على مدار عقد الخمسينات من القرن العشرين.

في راند فسروا شعار «الحرية الكاملة» على أنه يفتح المجال أمام العاملين بهذه المؤسسة البحثية لكي ينشدوا آفاقا مبتكرة.. ويحاولوا أن يطرقوا ساحات لم يسبق إليها أحد.. وكان هذا يستوجب عدم الاقتصار على المتخصصين في هذا الفرع أو ذاك.. بل يحض على توسيع الاهتمامات وإتاحة سبل التواصل والتفاعل بين المفكرين والعلماء على اختلاف المهن والتوجهات والمشارب والتخصصات.هكذا ولدت الفكرة التي تبنتها «راند» منذ ذلك الحين وهي: «الفريق المختلط».

حكاية أو.. آر

وفي حضانات هذه المجموعات المتفاعلة من التخصصات المتباينة والاهتمامات المتشعبة خرج إلى الوجود منهج في البحث العلمي يحمل شعارا من حرفين في الانجليزية وهو «أو.. آر» ومعناه: البحوث التنفيذية وهي حرفيا التشغيلية أو هي التطبيقية وعلى مهادها ولدت فكرة وضع نتائج العلم موضع التطبيق مما أفضي إلى فكرة ومصطلح التكنولوجيا على نحو ما هو مستخدم حاليا.

أهمية العامل البشري

من ناحية أخرى ينبّه المؤلف إلى أن «راند» لم يكن ليستغرقها هذا الجانب من البحث العلمي ومن ثم التطبيق التكنولوجي.. لقد أفردت جانبا محوريا من اهتماماتها المتشعبة إلى أبعاد أو عناصر أخرى يكتب عنها المؤلف الفصل الثاني من الكتاب تحت العنوان التالي: العامل.. البشري وفي إطار الاهتمام بالعامل البشري حرصت المؤسسة العتيدة على أن توسع آفاق عملها فلا تقتصر على الجانب العسكري (رغم سخاء اعتماداته المالية) ولا البحوث الاقتصادية وما في حكمها.

يقول المؤلف (ص33): كانت «راند» تتوحّى هدف اجتذاب المزيد من الباحثين الأكاديميين.. فلم يقتصر الأمر على توظيف المهندسين وعلماء الرياضيات.. بل تعدى إلى تشغيل فلكيين ومحللين نفسانيين ومؤرخين ومناطقه وعلماء اجتماع واحصائيين وكيميائيين بل استخدمت علماء في مجال الحاسوب (الكومبيوتر) وكان تخصصا وليدا في تلك الأيام الباكرة.

عن شرط التوظيف

يشير المؤلف في السياق نفسه أنهم لم يطرحوا شروطا محدودة بشأن الانتماء السياسي.. ويكفي للمنخرطين في سلك المؤسسة البحثية أن يكونوا من نوابغ مجالاتهم..

ويستطرد المؤلف قائلا: كانت هذه الصفوة من أنبغ وأفضل المواطنين تنضم إلى «راند» مدركة المطلوب منهم وفاهمة أنهم بسبيل رؤية لعالم جديد (بعد الحرب) ينقسم إلى أميركا وحلفائها في الغرب في مجابهة حياة أو موت مع «قوى الظلام» ممثلة في الاتحاد السوفييتي (ترى هل استقى الرئيس ريجان وصفه الشهير للاتحاد السوفييتي بأنه إمبراطورية الشر والظلام.. من واقع هذه الأفكار التي سبقت رئاسة ريجان بنحو 40 عاما؟).

المهم أنه في عبارة بليغة وموجزة يصف المؤلف أعمال وتوجهات المنخرطين في سلك مؤسسة راند فيقول: كانوا يفكرون فيما يتعذر التفكير فيه.

حدث في أكتوبر 1957

يمضي المؤلف ليوضح كيف شكّل الاتحاد السوفييتي وانجازاته العلمية في مجالات السلاح منذ الأربعينيات، ثم الفضاء في أواخر الخمسينيات، تحديات لفريق «راند» ومجموعاتها البحثية، المختلطة كما أوضحنا، وكيف جاء يوم 4 أكتوبر عام 1957 لتصاب «راند» بل أميركا بأسرها بما يشبه الصدمة إزاء ما أتى به ذلك اليوم المشهود.

يخصص المؤلف الفصل السابع ليوضح معالم هذه الصدمة التي حدثت مع أخبار ذلك اليوم الخريفي الذي عرف فيه الناس لأول مرة اسما دوى إيقاعه في أرجاء عالم ذلك الزمان.سبوتنيك. القمر الاصطناعي الذي أطلقه الاتحاد السوفييتي ليكون أول جرم في التاريخ من صنع البشر يدور حول الأرض ويمثل المحاولة الأولى العلمية والتقنية لغزو الفضاء.

كل أميركي كان يملك جهاز راديو صغيراً استطاع يومها أن يلتقط على الموجة القصيرة الومضات التي كان سبوتنيك الروسي يبثها من أجواز الفضاء الخارجي على أن أميركا فقدت ما كانت تتيه به على عصرها من ميزة التفوق التقني ولصالح الخصم السوفييتي. ويضيف المؤلف أيضا: وزاد من جرح الإهانة أن ذلك الجرم الطائر وكان عرضه قدمين ويبلغ وزنه 184 رطلا يحلق على ارتفاع منخفض لدرجة أتاحت رؤيته بالعين المجرّدة في معظم أنحاء أميركا.

أصداء الإنجاز السوفييتي

وفي كل حال كان لأنباء «سبوتنيك» أصداء متباينة على امتداد المنظور السياسي ـ الجماهيري والعلمي في طول أميركا وعرضها.

السناتور ـ الرئيس فيما بعد ليندون جونسون كان يقدم الشواء (باربكيو) لضيوفه في مزرعته في تكساس.. استمع إلى النبضات التي بثها سبوتنيك من الفضاء.. وكتب جونسون بعدها في مذكراته يقول: ساعتها أحسست أن السماء أصبحت غريبة غير تلك التي أعرفها.

عامة المواطنين الأميركان استمعوا إلى أنباء الغزو السوفييتي للفضاء فلم يمتلكوا سوى استعادة المشاهد المخيفة لفيلم كان معروضا في تلك الأيام مقتبسا عن رواية الأديب الانجليزي الشهير «ه. ج. ويلز» التي تحمل عنوان «حرب العوالم» حيث دارت القصة والفيلم عن غزو الأرض شنّته كائنات شرسة جاءت من أجواز الفضاء الخارجي.

النيويورك تايمز تخلت يومها عن تحفظها المعهود فكتبت في افتتاحيتها سطورا تقول: لم يعد الأمر سباقا على الأسلحة.. لقد أصبح سباقا من أجل البقاء على قيد الحياة.

البروفيسور جيمس كيليان، كبير المستشارين العلميين للرئيس أيزنهاور، وهو أيضا عميد معهد ماساشوسيتس المرموق للتكنولوجيا أطلق على واقعة سبوتنيك الوصف التالي: إنها إهانة جرحت شعوري بالعزة القومية.

ولكن: ماذا إذن عن سبوتنيك وأصدائه في مؤسسة «راند» وهي بداهة محور اهتمام هذا الكتاب؟ يقول المؤلف: كانت الأخبار مزعجة بنفس القدر في دوائر «راند» رغم أنها جاءت أقرب ما تكون إلى «العدالة الشعرية» بمعنى أن راند اشتقت لنفسها من الذين حرموها منذ عام 1946 من امكانية تنفيذ مشروع مماثل كانت قد تقدمت به قبل حكاية سبوتنيك الروسي بأكثر من 11 عاما.. وكان المشروع الأميركي هو الأول من نوعه ويضمه تقرير من 324 صفحة يحمل العنوان التالي: تصميم مبدئي لسفينة فضاء تجريبية تدور حول العالم.

ربما شعر مسؤولو إدارة أيزنهاور بنوع من التقدير لما سبقت إليه راند في سالف الأيام فكان أن أضافوا مبلغ 4 ملايين دولار(وهو طائل بمقاييس الفترة) إلى الميزانية السنوية للمؤسسة البحثية حتى عام 1961 بعدها توجه التركيز العام نحو قضايا الأمن والدفاع القومي وأعدت راند تقريرا خطيرا عن «الردع والبقاء في العصر النووي».

وأوصى التقرير بإجراءات وبرامج ومخططات بعضها كان أقرب إلى الخيال بل تصل تكلفتها إلى 44 مليار دولار، وكان مبلغا أكثر من هائل في تلك الفترة وهو ما رفضه الرئيس أيزنهاور قائلا أننا كمن يعتمد جبلا هائلا من الدولارات.

ظهور المحافظين الجدد

وعلى سبيل الرد على عدم الاستجابة.. نظم مسؤولو «راند» عشاء مشهودا في ديسمبر عام 1957 ضم أساطين السياسة الأميركية المعادين لموسكو والرافضين لسبل التعايش الدولي والداعين إلى أن تصبح بلادهم ترسانة مدججة بالسلاح لمواجهة الدب السوفييتي المتربص بالطاقة النووية في الأرض وفي السماء. من شهود العشاء ترددت أسماء نيكسون.. روكفلر.. ومن في حكمهما من كبار الإعلاميين والعسكريين والاقتصاديين.

يقول المؤلف في معرض التعليق (ص113): يمكن النظر إلى ذلك الحفل على أنه أجندة مطروحة بشأن ممارسات النفوذ التي أدت في مراحل زمنية لاحقة إلى صعود فئة المحافظين الجدد وتجدد صراعات الحرب الباردة وتلك تيارات بلغت ذروتها في رئاستي رونالد ريجان ثم جورج بوش الابن.

الصفحات: 388 (متوسط)

الكتاب: راند وصعود الإمبراطورية الأميركية

تأليف: اليكس ابيللا

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: هاركور، نيويورك