هذا الكتاب.. يصفه النقاد بأنه أقرب إلى حوليات التأريخ حيث يروي قصة إنشاء وصعود مؤسسة فكرية ظلت تعمل تحت ستار السرية لخدمة الإدارة العسكرية والمدنية في الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في أواخر الأربعينات من القرن العشرين.. وضمت بين صفوفها صفوة الدارسين والباحثين في شتى فروع المعارف النظرية والعلوم التطبيقية ممن كفلوا لهم سخاء التمويل وحرية التفكير لدرجة أن شاركت مؤسسة «راند» في هندسة القرارات المصيرية التي صدرت عن القيادة الأميركية خلال حقبة الحرب الباردة وما بعدها.
ويتميز الكتاب أيضا بأنه روى حكاية المؤسسة المذكورة من خلال الاطلاع المباشر على ملفاتها ووثائقها السرية ولأول مرة في تاريخ «راند» أو «مصنع الأفكار» كما يوصف في الأدبيات السياسية بالولايات المتحدة.. وقد عمد المؤلف إلى متابعة المؤسسة وتحليل التطورات التي تعرضت لها باتباع منهج مزدوج يجمع بين تقصي المسارات العامة لحياة هذا المعمل البحثي متوازيا في ذلك مع تحليل السير الذاتية لأهم الشخصيات التي اضطلعت بأدوار محورية على مسرح أحداثها.كل مثقف.. كل سياسي.. كل دارس جاد للعلوم السياسية يستطيع أن يتعرف على اسمين يدلان على اثنين من أهم مواقع البحوث في أميركا وهما: بروكنغز وراند. والكتاب الذي نعرض له بمنطق التحليل النقدي في هذه الحلقات يتعلق بالمؤسسة الثانية: «راند» ينطقها المرء ثم يردفها بسؤال مبدئي هو: ترى من أين جاء هذا الاسم.؟
أهو اسم لشخصية كبيرة ذات أثر باق في المجتمع الأميركي.. مفكر.. محسن كبير.. جنرال.. سياسي شهير.؟ أو هو اسم مكان أو جهة أو مدينة.؟
أو هو اختصار على الطريقة الأميركاني لمؤسسة معقدة التوصيف.؟ وبدلا من الخوض في بحر التكهنات يبادرنا المؤلف فيقول ببساطة إنه اسم مركّب ومستقى من عبارة تتردد دوما في الأدبيات السياسية المعاصرة.. ولاسيما في مجال التنمية.. هذه العبارة هي: البحث والتطوير، وبالانجليزية هي: ريسيرش آند ديفيلومينت.
وقد عمد المختصون إلى أن يختصروا التعريف فأخذوا الحرف الأول من كل كلمة فحصلوا على الاختصار التالي: أر أند دي. ومن هذا الاختصار جاء الاسم الذي سمعه المؤلف لأول مرة: راند.
مظاهرة في كولومبيا
كان ذلك عام ,1970. إذ كان مؤلف كتابنا طالبا في جامعة كولومبيا.. وكان طبيعيا أن يشارك في مظاهرة عنيفة خرجت للاحتجاج على استمرار حرب فيتنام التي اشتد آوارها خلال حكم الرئيس الأسبق نيكسون..
في هذا الصدد يحكي المؤلف في تصدير الكتاب عن زجاجات المولوتوف الحارقة التي أعدها الطلاب المتظاهرون وصمموا على إلقائها على مبنى كان يضم أوائل أجيال ذلك الكائن العجيب الذي كان أيامها مستجدا في حياة الناس ويحمل اسم الكومبيوتر.. قال المتظاهرون إن هذا المبنى تابع لمؤسسة اسمها «راند»..
وأنها تضم نفرا من العلماء غريبي الأطوار.. يعكفون على بحوث تكفل لأميركا أن تواصل قصفها لقرى الفلاحين المساكين في أدغال جنوب آسيا ومن ثم تحقق الانتصار على قوات الفيتكونج من مقاتلي المقاومة الوطنية في شبه جزيرة فيتنام.
مولوتوف في المكان الغلط
وكم كان طلاب كولومبيا في تلك الأيام مزهوين وهم يمطرون المبنى البحثي بقناني المولوتوف.. لكن مع مشكلة واحدة لم يدركها مؤلفنا إلا بعد انقضاء سنوات وربما عقود وهي:
أن المبنى كان تابعا لمؤسسة أخرى اسمها «ايدا» وهو بدوره اختصار لاسم معهد تحليلات الدفاع».
ماذا يجري في مستودع الأسرار؟ مع هذا كله ظل المؤلف عبر السنوات الثلاثين التي أعقبت هذا الحدث مشغولا بحكاية «راند» الاسم.. المعنى.. المؤسسة.. غلالة الأسرار.. ثم ـ وهذا هو الأهم ـ المكانة المرموقة والتأثير البالغ في سياسة أميركا ومن ثم أحوال العالم كله.
ما الذي تفعله «راند» من يوم إنشائها حتى الآن؟ هذا هو السؤال الذي ظل المؤلف يطرحه على نفسه خلال اشتغاله بمهنة الإبداع الروائي والبحث العلمي.. والكتابة الصحفية.
هكذا اكتملت له فكرة أن يضع كتابا موثقا عن مؤسسة راند بوصفها «ثنك تانك» كما يصفونها في الانجليزية آية على اشتغالها بالفكر بمعنى البحوث العلمية وتطبيقاتها العملية.. حيث يحلو لهم أن يلعبوا على معنى التورية في لفظة تانك فهي عند البعض مستودع للفكر.. وهي عند البعض الآخر دبابة تمارس مع الأفكار والطروحات أسلوب التقدم الجسور والاقتحام.
هكذا قرر المؤلف أن يتصل مع الإدارة العليا في مؤسسة راند.. كان يدرك بداية أنه يتصل مع هيئة ـ منشأة تحرص أن تلف الأسرار بعباءة أشبه بمسوح الكهنوت. يومها أسّر له صديق مقرب قائلا: يا صاحبي.. هون عليك.. أنا أعلم أن «راند» كانت تعطي أموالا لخبير كبير في مجال الإعلام والعلاقات العامة. لكي يمارس الدعاية لاسمها وأنشطتها؟ بالعكس: بل لكي يعمل على استبعاد اسمها بالذات من سطور الصحف وبرامج ميديا الإعلام!
مفاجأة سارة غير متوقعة
شدّ ما كانت دهشة المؤلف حين فاجأوه بأن وافقوا على أن يضع كتابا عن مؤسسة «راند» واتخذوا القرار على عادتهم في عملية تصويت على مستوى الإدارة العليا.. ولعلهم أرادوا أن يمارسوا نوعا من شفافية العلن.. أو لعلهم سئموا من ضبابية السرية فقرروا أن يطلعوا الناس على بعض ما يفعلون..
وربما رأوا أن مثل هذا الكتاب يناسب صدوره الاحتفال بالذكرى الستين لإنشاء مؤسسة راند.. وربما لكل هذه الأسباب مجتمعة.. والمهم أنهم قرروا فتح ملفاتهم أمام مؤلف هذا الكتاب..
وكان أن استضافوه خلال مرحلة البحث وتجميع المادة العلمية والبيانات الأساسية في مقر المؤسسة المهيب الذي يصفه المؤلف بأنه أقرب إلى مبنى مؤسسة جامعية لكن بغير طلاب دارسين، حيث يقدم المبنى في سانتا مونيكا على ساحل البحر في ولاية كاليفورنيا وحيث يحاول المؤلف أن يوجز نشاط «راند» وتوجهاتها في عبارة بالغة الاختصار والدلالة تقول: راند هي مصنع لإنتاج.. الأفكار.
وقد نضيف من واقع الاستهلال الفكري لكتابنا أن هذا المصنع يتعامل أساسا في سلعة جوهرية تحمل الشعار التالي: ماذا.. لو؟ ذلك هو منطق البحث العلمي المنطلق متحررا بغير قيود أو محاذير أو محظورات.. الفكرة عنده هي المحور والأساس يخضعها لمنطق الرياضيات وأسلوب السيناريوهات وقوانين الإسقاطات والاحتمالات.
من الأمن القومي لمشاكل المرور
مع ذلك، فليس لأحد أن يتصور أن القوم غارقون في دوامات الفكر الفلسفي أو المنطق التجريدي أو التفكير في المطلق. العكس هو الصحيح.. إن «راند» منذ إنشائها مع أواخر عقد الأربعينات ما برحت معنية بكل ما ينشغل به راسم السياسة أو صانع القرار في الإدارات الأميركية المتعاقبة..
صحيح أن قصدوا من إنشائها أساسا التعامل مع قضايا الحرب والأمن القومي للولايات المتحدة.. وخاصة مع «اندلاع» الحرب الباردة وبداية الصراع العقائدي ـ الاقتصادي ـ السياسي ـ الساخن أحيانا ـ بين أميركا والاتحاد السوفييتي ـ إلا أن الصحيح أيضا أن أنشطة البحث والتطوير في «راند» امتدت أيض.
ا ـ كما يوضح كتابنا ـ لتشمل ميادين التأمين الصحي والحاسبات الالكترونية ودراسات حرب الإرهاب وما لبث نطاق اهتماماتها أن توسع مع تطور الاهتمامات والأحداث ليشمل أيضا قضايا الاتجار بالمخدرات ومكافحة الجوع في العالم بل وصل الاهتمام إلى دراسات بشأن اختناقات حركة المرور.
50 عاما من الخدمات المتعددة
وكان من واجب كتابنا أن يسجل ويحلل كل هذا التأريخ الحافل.. وهو ما حرص المؤلف على انجازه على صفحات الكتاب التي قاربت الأربعمائة وعبر 23 فصلا تضمها 6 أبواب رئيسية حيث انقسم هذا البحث المستفيض وعلى النحو التالي:
1 ـ الباب الأول يتابع البداية التي يصفها المؤلف بأنها كانت مشهودة بل عظيمة.
2 ـ الباب الثاني يفصل الحديث عن عمليات التدبير السري للعاملين ـ هل تقول التجنيد التي تمت لتزويد المؤسسة البحثية الوليدة بخلاصة الصفوة من المفكرين والمختصين والباحثين.
3 ـ الباب الثالث يسهب في تحليل مساهمات راند في المواجهة التي كانت تحشد لها أميركا ضد الخصم السوفيتي المدجج وقتها بأحدث أنواع السلاح.
4 ـ الباب الرابع يجمع بين الحديث عن ثمن النجاح الذي أحرزته راند من ناحية ـ والحديث عن ضرورات التغيير التي استشعروها في أروقتها من ناحية أخرى.
5 ـ الباب الخامس يصل بالقارئ إلى المشهد السياسي.. الصراعي الراهن حيث يتناول نشاط «راند» إزاء التعامل الفكري البحثي مع ما يسمى بشبكات الإرهاب.. ومن ثم إلى الأوضاع الراهنة أميركيا ؟ وعربيا في أرض العراق.
6 ـ الباب السادس.. يحوي توجّها منطقيا بعد أن يقطع الكتاب كل هذه الرحلة الطويلة الحافلة من تاريخ مؤسسة راند ومن ثم فهذا الباب الختامي يضم فصلا تحت العنوان التالي: راند.. إلى أين؟
حدث في أكتوبر 1945
هكذا يفتح المؤلف ستار الدراسة على موعد بعينه منذ 63 عاما.. بالتحديد في الأول من أكتوبر عام 1945. على مسرح أحداث الفصول الأولى من الكتاب يلتقي القارئ بالجنرال هنري أرنولد.. أعلى رتبة أيامها في سلاح الطيران الأميركي.. كان عسكريا يؤمن بضرورة تدمير العدو بغير شفقة.
ولا رحمة ويرى ضرورة الأخذ بأقصى قدر من روح العدوان خلال معارك القتال ولا يرمش له جفن إزاء استخدام الأسلحة النووية.. والواقع أنه تم استخدامها لأول مرة في التاريخ بإلقاء أول قنبلتين ذريتين على كل من هيروشيما ونجازاكي في اليابان.
والواقع أن الجنرال أرنولد كان معجبا «بمشروع مانهاتن» الذي عمدت فيه أميركا إلى تجميع صفوة العقول من علماء الفيزياء والكيمياء ومن في حكمهم.. سواء كانوا من أهل البلاد أو كانوا عاملين في السابق مع دوائر النازي أو كانوا هاربين من ربقته، المهم أن هذا الجمع السوبر من العلماء هو الذي توصل إلى انتاج القنبلة الذرية التي كانت بمثابة البساط الإمبراطوري الأحمر الذي جعل من أميركا القطب الأول في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
من هنا أراد الجنرال أرنولد أن يعيد سيرة هذا التجميع لصفوة الباحثين والعلماء على صعيد واحد ولكن هذه المرة من أجل الارتقاء بمستوى سلاح الطيران بالولايات المتحدة.
تقرير الآفاق الجديدة
لم تكن هذه الفكرة وليدة ما بعد الحرب، بل كانت قد راودت صاحبها في غمار اشتعال ذلك الآتون العالمي الذي دام 6 أعوام (1939 ؟ 1945) يقول المؤلف:
حتى وسط الحرب.. وبالتحديد في عام 1944، استدعى الجنرال أرنولد كبير مستشاريه العلميين وكان عالما ينتمي إلى الأصل الهنغاري واسمه ثيودور فون كارمان وطلب منه أن يضع خطة لتدبير علماء واستمالتهم كي يواصلوا أعمالهم في خدمة سلاح الطيران خلال زمن السلم المنشود.. وعاد البروفيسور كارمان بتقرير جوهري يحمل العنوان التالي: «نحو آفاق جديدة».
هذا التقرير يدعو إلى إنشاء نوعية جديدة من الهيئات العلمية، أو على حد تعبيره «نواة لمجموعات من العلماء على غرار تلك المجموعات التي ساعدت القيادة وأركان حربها خلال وقت الحرب.. أو بعبارات أخرى إنشاء جامعة أكاديمية بغير طلاب.. وليس لها سوى زبون واحد هو (ببساطة) سلاح الطيران في الولايات المتحدة.
هكذا بدأ التفكير في المشروع الذي سيؤول فيما بعد إلى إقامة المؤسسة التي حملت اسم «راند».. وكان طبيعيا أن يتأجل تنفيذ الفكرة إلى حين تضع الحرب أوزارها.. وبعد الحرب كان قادة الطيران مشغولين بقضية مؤداها ببساطة ما يلي: سلاح المستقبل هو.. الصواريخ.
ومن ثم كان البحث العلمي مطلوبا بقدر ما كانت الاعتمادات المالية متوافرة من واقع المخصصات التي لم يتم إنفاقها على المجهود الحربي. وهكذا أعلنوا ولادة «راند» بعد غداء عسكري في خريف عام 1945.
الصفحات: 388 (متوسط)
الكتاب: راند وصعود الإمبراطورية الأميركية
تأليف: اليكس ابيللا
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: هاركور، نيويورك

