يبدو أن الأزمة السياسية التي شهدتها موريتانيا خلال الـ 12 شهرا الماضية (منذ مايو 2008)، ولم تخرج منها كليا حتى الآن، فتحت الباب واسعا أمام تدخلات خارجية وتنافس إقليمي ودولي غير مسبوقين بهذا الحجم وعلى هذا المستوى.
وإن لم يكونا جديدين بالكامل على الساحة السياسية والأمنية الموريتانية، التي بقيت معقلا لنفوذ فرنسا القوة المستعمرة السابقة، رغم الاستقلال المعلن في العام ,1960. إذ ظلت موريتانيا متأثرة على الدوام، ومؤثرة أحيانا، بالتجاذبات والنزاعات الإقليمية المحيطة بها شمالا وجنوبا.
فمنذ اللحظات الأولى لانقلاب السادس من أغسطس الماضي، الذي جاء في ظل أزمة دستورية وانقسام سياسي حاد، لم يدخر أي من الطرفين، المؤيد والمناوئ للانقلاب، جهدا لكسب الاعتراف الخارجي بالنسبة للطرف الأول، أو استدراج التأييد من قوى إقليمية ودولية بالنسبة للطرف المناوئ.
ولم تكن تلك القوى أصلا لتنتظر مثل هذه الدعوات لتغتنم فرصة الانقسام الحاصل، وتعمل على التدخل والتأثير، المباشر أو غير المباشر، في مسار الأحداث ومآلاتها، كل من منظوره الخاص ووفقا لمصالحه في هذه المنطقة الغنية بالثروات والأزمات، والقريبة جغرافيا واستراتيجيا من الأوروبيين والأميركيين، الحلفاء المتنافسين.
ردود فعل متباينة
تباينت ردود الفعل، إقليميا ودوليا، بعد السادس من أغسطس، وإن جاءت في معظمها منددة بالانقلاب على رئيس منتخب ولو في ظاهر الخطاب الرسمي المعلن، خاصة من قبل الولايات المتحدة في آخر أيام بوش الابن في السلطة، كما هو حال بعض الدول الأبعد جغرافيا عن موريتانيا.
أما على صعيد دول الجوار، فلم يتأخر موقف السنغال، الجارة الجنوبية لموريتانيا، «المتفهم» للوضع الجديد والمشدد على ضرورة استقرار البلاد والحفاظ على الأمن فيها، بينما بادر المغرب بإيفاد مبعوث خاص من قبل العاهل المغربي محمد السادس، إلى القيادة الموريتانية الجديدة. أما الجزائر، المنافس التقليدي للمغرب في المنطقة، فنددت بالانقلاب ورفض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة استقبال مبعوث من المجلس العسكري الذي تولى السلطة في موريتانيا.
وبقي الموقف الفرنسي في حالة «غموض متعمد»، فبعد أن عبرت باريس في أول تعليق لها عن اهتمامها ومتابعتها للأوضاع المستجدة، عادت ونددت بعد أيام بالانقلاب، أثناء رئاستها للاتحاد الأوروبي، لكنها لم تتوقف عن إصدار تصريحات وتوجيه رسائل تبدو متضاربة في ظاهرها، أحيانا، لكنها في المحصلة لم تقم بأي جهد معارض لما حصل من تغيير في هرم السلطة السياسية في نواكشوط.
ومن المعروف أن فرنسا ودول الجوار الملاصق، وخاصة المغرب والسنغال، هي الأكثر تأثيرا ومتابعة للشأن الداخلي في موريتانيا.
غير أن محاولات التأثير والتدخل الخارجي، عموما، ظلت تجري من وراء أستار بعض المنظمات الإقليمية أو الدولية، كالاتحاد الإفريقي والفرانكوفونية الدولية والجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة، إلا أن مفاوضات داكار بين الأطراف السياسية الموريتانية، كشفت العديد من الأقنعة وعرت بعض المواقف التي ساهمت في تأزيم المشهد السياسي الموريتاني وإطالة أمد النزاع بين المتصارعين على السلطة، طلبا للمغانم أو هربا من المغارم والمساءلة!
تجاذب فرنسي أميركي
لم تجد الجبهة المناوئة لتغيير السادس من أغسطس، ما كانت تنتظره أو تتمناه من دعم خارجي فاعل ومؤثر في مجريات الأحداث على الأرض، وإن تلقت الكثير من الدعم اللفظي والبيانات المساندة، فجاءت الوساطة السنغالية (الثانية) مخرجا ملائما، بعد أن تعثرت محاولة سنغالية أولى سبقتها وساطة ليبية قادها الرئيس القذافي نفسه، بصفته الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي وبتكليف من مجموعة الاتصال الدولية، التي ضمت الاتحادين الأوروبي والإفريقي والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي والمنظمة الفرانكفونية والأمم المتحدة.
وبعد مفاوضات شاقة ومتعثرة، وتحت ضغط إقليمي ودولي واضح ومكثف، تمكنت الأطراف الموريتانية في 29 مايو الماضي من التوصل إلى اتفاق يخرج البلاد من نفق مسدود إلى أفق بدا أكثر رحابة.
لكن الاتفاق سرعان ما تعثر في أوحال التفاصيل وبعض العراقيل التي يبدو أن أطرافا في «الجبهة» حاولت أن تعوض بها بعض ما فاتها في الاتفاق الذي جاء أقل كثيرا مما كان متاحا لها قبل عدة أشهر، من خلال المنتديات العامة للديمقراطية التي نظمت من 27 ديسمبر إلى 6 يناير الماضيين، ورفضت الجبهة المشاركة فيها، بينما شارك حزب التكتل قبل أن ينسحب أثناءها وينضم إلى فيلاالجبهةلالا.
وبعد عرقلة تنفيذ اتفاق داكار، الذي بدأ رسمياً في السادس من يونيو الماضي، اضطرت الأطراف للعودة مجددا إلى داكار لتذليل عقبة المجلس الأعلى للدولة الذي كانت المعارضة تصر على حله، بينما رفضت الأغلبية ذلك وهددت بالمضي في تطبيق الاتفاق، ولو بشكل أحادي.
وهنا ظهر التباين بشكل واضح بين الموقف الفرنسي الرافض لحل المجلس مدعوما من قبل اسبانيا، الدولة الأوروبية الأقرب جغرافيا إلى موريتانيا، وبين الموقف الأميركي المتمسك بحله أو تغيير تشكيلته بإضافة مدنيين إليه. ووصل الأمر حد «التلاسن الدبلوماسي» بين سفيري البلدين المعتمدين في داكار والمشاركين عن قرب وبفعالية في المفاوضات.
وفي النهاية تمت الغلبة للأوروبيين من خلال الاتفاق على حل وسط يبقي المجلس كما كان، مع تغيير اسمه من فيلاالمجلس الأعلى للدولة إلى المجلس الأعلى للأمن الوطني، ليوقع الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله على استقالته «الطوعية»، وتنطلق بعد ذلك الخطوات التنفيذية للاتفاق استعدادا للانتخابات الرئاسية المقررة بعد غد السبت.
مطامع ومطامح
قد يكون السؤال المشروع، وربما البديهي: لماذا كل هذا التنافس على موريتانيا والاهتمام بشؤونها وصراعاتها الداخلية؟
لقد ظل الموقع الجغرافي لموريتانيا مثاراً لمطامع وطموحات القوى الاستعمارية الأوروبية منذ أكثر من مائتي عام، وخاصة بين الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى نهايات القرن الذي يليه، بعد أن استتبت السيطرة للفرنسيين في غرب وشمال إفريقيا.
ورضي البريطانيون بمقايضة بعض مواقعهم في المنطقة بمواقع فرنسية سابقة أو متنافس عليها في مناطق أخرى، وخاصة في جنوب وشرق القارة الإفريقية وبعض المواقع في جنوب آسيا. أما على المستوى الإقليمي، فان الموريتانيين تربطهم علاقات تاريخية وبشرية عميقة الجذور مع كل من المغرب والسنغال.
ومع بدايات عهد الاستقلال، ارتبط المغرب والسنغال بعلاقات وثيقة، جعلت البلدين يسعيان على الدوام إلى ألا تكون بينهما قوة فصل إقليمية تعيق أو تؤثر سلبا على التواصل والتعاون بينهما، وكانت المملكة المغربية تعتبر موريتانيا جزءا من أراضيها وأعاقت انضمامها إلى الجامعة العربية سنوات عديدة، قبل أن تعترف بها رسميا العام 1969.
كما أن للسنغال تطلعاتها الخاصة تجاه جارتها الشمالية، وإن ظلت الهيمنة الفرنسية تتحكم إلى حد كبير في مستوى العلاقات بين البلدين. ويدرك كل من المغرب والسنغال أن أي اضطرابات تهدد الأمن والاستقرار في موريتانيا، ستنعكس سلبا وبشكل مباشر عليهما، وخاصة على السنغال.
ومع انتهاء الحرب الباردة وانتشار التنظيمات المسلحة الخارجة على السلطة والقانون في المنطقة والانخراط في ما يسمى حرب الإرهاب واستمرار أزمة الصحراء الغربية، وتحول المنطقة إلى معبر لتهريب المخدرات والهجرة غير القانونية، اكتسبت موريتانيا أهمية إستراتيجية إضافية، فضلا عن الموارد المعدنية والسمكية الوافرة وظهور النفط بكميات واعدة، مع الحديث المتزايد عن نضوبه في مناطق أخرى.
وكانت الجزائر لاعبا أساسيا في كل هذه المراحل، منذ استقلالها عام 1962، بحكم علاقاتها التاريخية مع موريتانيا ودورها الإقليمي المؤثر، وخاصة منذ اندلاع أزمة الصحراء الغربية التي تعتبر الجزائر الداعم الأساسي لاستقلالها.
وتشهد المنطقة منذ سنوات تنافسا دوليا مزدوجا، بين الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا من ناحية، وفي القارة الإفريقية بشكل عام بين الدول الغربية والصين من ناحية أخرى. وتلعب الأطراف الإقليمية أدوارا مختلفة، في إطار التنافس الداخلي في ما بينها، كما في إطار توظيف القوى الدولية الكبرى لمواقف هذا الطرف أو ذاك، في تنافسها على المستوى الدولي الأشمل.
ناخبون دوليون!
لم تبتلع فرنسا سريعا، على ما يبدو، أن تحدث انعطافة سياسية على نحو ما جرى يوم السادس من أغسطس، دون علمها وموافقتها المسبقة، في بلد كانت تعتبره موقعا ثابتا لنفوذها وهيمنتها، وتربطها علاقات معلنة وخفية مع العديد من أطرافه، فضلا عن مراقبتها اللصيقة للشأن الموريتاني وعلى أكثر من صعيد. ولعل هذا ما جعل موقفها يبدو غامضا ومتذبذبا طوال الشهور الأولى بعد السادس من أغسطس.
غير أن البراغماتية المعتادة وتغليب عوامل الأمن والاستقرار، دفعت فرنسا إلى القبول بالواقع الجديد والكشف عن موقفها بهذا الخصوص، بعد أن نجح المجلس الأعلى برئاسة الجنرال محمد ولد عبدالعزيز (قبل استقالته من رئاسة المجلس والدولة استعدادا للانتخابات الرئاسية) في إعادة الأمن والاستقرار إلى موريتانيا التي شهدت صراعا سياسيا واضطرابات أمنية واجتماعية غير مسبوقة خلال الشهور التي سبقت 6 أغسطس 2008.
كما نجح المجلس في الحد من الهجرة السرية وتدفق المخدرات العابرة نحو أوروبا، خلال الأشهر العشرة الماضية. وكانت اسبانيا داعمة بقوة وإلحاح واضح في هذا الاتجاه.
أما الولايات المتحدة في عهد أوباما، فقد بدت أكثر ميلا إلى الحوار والحلول الوسط، وأقل اندفاعا نحو تأجيج الصراعات وافتعال الأزمات، كما كان الحال في عهد سلفه جورج بوش.
وعلى المستوى الإقليمي، أعادت الجزائر النظر في موقفها وكثفت اتصالاتها مع السلطات الموريتانية الجديدة، بينما لم يكن المغرب بعيدا عن المساعي السنغالية والضغوط الفرنسية، للتوصل إلى حل توافقي مقبول من الأطراف الموريتانية..
وإذا جاز لنا أن نصنف تلك الأطراف كـ «ناخبين دوليين» في هذه الانتخابات، فإنه يمكن ترجيح أن تميل فرنسا ومعها اسبانيا وكل من المغرب والسنغال، لمصلحة الاستقرار الأمني وتشجيع الوئام الأهلي وما تحقق من نتائج ملموسة على هذين المسارين، في ظل سلطة المجلس الأعلى ورئيسه السابق المرشح الرئاسي ولد عبدالعزيز.
أما الجزائر فقد «تمتنع» عن التصويت وتفضل انتظار ما ستفرزه نتائج الاقتراع. وقد تختار الولايات المتحدة الموقف ذاته، وربما تصوت «نصف تصويت» لأحد مرشحي الجبهة، وتحتفظ بالنصف الآخر للمساومة عليه في حال لم ينجح المرشح الذي تدعمه، أو في انتظار الشوط الثاني للانتخابات إذا لم يتمكن احد المرشحين من حسم النتائج لمصلحته في الشوط الأول.
الانعكاسات الفعلية
إلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه المواقف الخارجية على توجهات واختيارات الناخبين الموريتانيين؟
ليس من السهل تقديم إجابة جازمة بمدى هذا التأثير، في غياب معطيات إحصائية دقيقة أو استطلاعات رأي يمكن الاطمئنان إليها.
ولكن يمكن، تجاوزا وتبسيطا، تقسيم الناخبين بهذا الخصوص إلى ثلاث فئات أساسية، أولاها فئة النخبة السياسية والمالية التي لا شك أنها تضع مثل هذه المواقف على رأس أولوياتها وفي صلب حساباتها الانتخابية.
غير أن وجود قوى خارجية في خلفية الصورة الانتخابية لأي مرشح، وخاصة الطرفين الدوليين (الولايات المتحدة وفرنسا)، قد يكون له انعكاس سلبي لدى شريحة مهمة من الناخبين، كمثقفي الطبقة الوسطى والطلاب ومن في حكمهم، لكن الأرجح أنه لن يكون عاملا حاسما بمفرده، ما لم تصاحبه عوامل منفرة إضافية.
أما الفئة الثالثة فلا يتوقع أن يكون لتلك المواقف تأثير يذكر على مواقفها الانتخابية. وهذه الفئة تمثل غالبية المواطنين العاديين و«موريتانيا الأعماق» التي ركز عليها المرشح ولد عبدالعزيز، أثناء الحملة الانتخابية وقبلها، بينما تجاهلها البعض وسخر منها آخرون!
ورغم كل هذه المؤشرات والاحتمالات، يبقى الحسم رهنا بإفصاح صناديق الاقتراع عن مكنونها، وإعلان النتائج النهائية التي لا يتوقع أن تتأخر عن يوم الاثنين المقبل، من دون استبعاد لاحتمال المفاجآت في مثل هذه المعركة الانتخابية، الأشد شراسة والأكثر جدية في تاريخ موريتانيا السياسي.
عبد الله إسحاق
