يختتم المؤلف كتابه بأكثر الفصول إثارة، ويتناول فيه ما يمكن اعتباره بدء أفول القوة الأميركية من خلال الصراع الذي سينشأ بينها وبين قوة صاعدة جديدة في النظام الدولي، وهي المكسيك.
في هذا الخصوص يشير المؤلف إلى أنه منذ بداية الكتاب تحدث عن أميركا الشمالية باعتبارها مركز الجاذبية للنظام الدولي. وقد كان يوازي أميركا الشمالية بالولايات المتحدة، في ضوء أنها تعد القوة المهيمنة في القارة التي ليس في القارة من هو في وضع يسمح بتحديها.ولعله مما يعزز ذلك على مدار القرن الجاري ؟ حسب رؤية المؤلف ؟ نتائج الحرب الكونية التي ستنشب منتصف القرن، والتي ستؤكد على عدم وجود قوة دولية في أوراسيا يمكنها تحدي القوة الأميركية.فضلا عن ذلك، فمن بين المبادئ الحيوية الجيوسياسية ذلك المبدأ الذي سيتم اختباره وتحديثه، الذي يقوم على أن من يسيطر على المحيطين الأطلسي والهادئ سيسيطر على التجارة العالمية، ومن يسيطر على الفضاء سيسيطر على المحيطات العالمية. وستبرز الولايات المتحدة بسيطرة غير مسبوقة على الفضاء وكذلك على المحيطات العالمية.
يشير المؤلف إلى أن الحقيقة، على ما يذكر، معقدة بكثير عما تبدو عليه الأمور، فالولايات المتحدة ستعاني من ضعف ضمني في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين، من بينها أنه لم تخض حربا لمدة قرنين. وإذا كانت الولايات المتحدة قد تمتعت بالهيمنة على القارة إثر الحرب الأميركية المكسيكية ومعاهدة «جوادالوب» التي تم التوصل إليها عام 1848، حيث ان الولايات المتحدة أصبحت عمليا تسيطر على القارة، فإن ذلك لن يكون واقع الحال مع نهاية القرن الجاري.
إن سعي المكسيك إلى القوة في مواجهة الولايات المتحدة سيتزايد مرة ثانية وبشكل بالغ التعقيد ويصعب تخيله. فالمكسيك بعد نحو قرنين ستكون في وضع يسمح لها بتحدي التكامل الإقليمي للولايات المتحدة، وكذا التوازن الكلي للقوى في أميركا الشمالية. وهذا التحدي المكسيكي سينبع من الأزمة الاقتصادية بالولايات المتحدة في عقد العشرينات من القرن الجاري، والتي سيتم حلها عن طريق قوانين الهجرة، التي سيتم إجازتها أوائل العقد الثالث.
وستشجع هذه القوانين بشكل كبير الهجرة إلى الولايات المتحدة من أجل حل أزمة نقص العمالة هناك. وسينتج عن هذا تدفق كبير للمهاجرين من كل الأقطار وستكون من بينها بالتأكيد عمالة مكسيكية. وإذا كان بقية المهاجرين سيتصرفون بالشكل المعتاد، فإن المكسيكيين سيتصرفون بشكل مختلف، بعد أن أصبح السور العازل الذي أقامه بوش يشكل مفارقة تاريخية.
الهجرة المكسيكية
إن القرب الجغرافي للمكسيك مع أميركا فضلا عن تنامي القوة الاقتصادية للمكسيك كأمة سيحدث تحولا كبيرا في توازن القوة في أميركا الشمالية، فالمهاجرون الآخرون لم يصل وضعهم مهما كان إلى حد الهيمنة على أي ولاية أو مدينة بشكل كامل. بمعنى آخر يريد المؤلف أن يقول ان أميركا كانت بالنسبة للمهاجرين بمثابة البوتقة التي صهرتهم، على عكس الوضع مثلا في بعض الدول الأوروبية.
حيث ان المسلمين مثلا ما زالوا محتفظين بهوياتهم الدينية والوطنية عن باقي السكان، فيما أن المهاجرين المسلمين في الولايات المتحدة مثل باقي الجماعات المهاجرة تحولوا عبر الأجيال ضمن السكان، وانخرطوا ضمن المبادئ الأميركية، ولم يحل ارتباطهم بدينهم دون هذا التحول.
والنتيجة العامة التي يود المؤلف أن يشير إليها هي أن ذلك النهج في التعامل مع الهجرة يؤدي إلى ذوبان المهاجرين، الأمر الذي لن يتحقق بالنسبة للمهاجرين المكسيكيين. فهؤلاء رغم انخراطهم في المجتمع الأميركي، لن ينفصلوا عن وطنهم الأم أو يفصلهم عنه محيطات وبحار أو ألاف الأميال.
بعبارة أخرى ستخلق الهجرة المكسيكية حركة في المنطقة الحدودية بين دولتين على نحو يشبه كثيرا «الإلزاس ؟ اللورين» بين فرنسا وألمانيا، حيث تختلط ثقافتان فيما الحدود تتمتع بالاستقرار. ويشير في هذا الصدد إلى خصوصية وضع كل من تكساس و«مكسيكان سيسشن» حيث يتركز المكسيكيون في هذه الأراضي كما يوجد جيوب مكسيكية خارجية في المناطق الحدودية. والخلاصة أن المكسيكيين لن يكونوا في عزلة عن وطنهم الأم، وأنهم بطرق مختلفة سيمثلون امتدادا لوطنهم داخل الولايات المتحدة.
ويضيف أنه مع عام 2060 بعد نحو 30 عاما من السياسات التي تشجع الهجرة فإن الخريطة التي نراها في 2000 ستتطور بشكل ستتحول معه المناطق التي تضم نحو 50 % من المكسيكيين إلى مناطق بكاملها من المكسيكيين وتلك التي تضم 25% ستتحول ليصبح نصفها من المكسيكيين، وسيتطور الأمر إلى حد مد المكسيك حدودها السياسية لتضم هذه الأراضي بتشجيع من الولايات المتحدة.
سيناريو كابوسي
ويقدم المؤلف سيناريو كابوسيا، مشيرا إلى أنه مع حلول عقد الثمانينات سيتطور الموقف إلى حد اندلاع مظاهرات ضد الولايات المتحدة في عدد من الولايات والمدن الأميركية في مكسيكو سيتي وفي لوس أنجلوس وسان دييغو وهيوستن وسان انطونيو وفونيكس والمدن الأخرى في المناطق الحدودية مع المكسيك، والتي ستصبح غالبيتها من المكسيكيين. وستسود المطالبات بضمها إلى المكسيك، وسيبدأ بعض المكسيكيين في الولايات المتحدة في ارتكاب أعمال تخريب وأعمال إرهابية ضد متعلقات الحكومة الفيدرالية في المنطقة.
ورغم عدم مساندة مثل هذه التطورات من قبل الحكومة المكسيكية أو حكومات الولايات التي يهيمن عليها المكسيكيون، فإن مثل هذه العمليات الإرهابية سينظر إليها باعتبارها أولى الخطوات في تمرد منظم وسيتحرك الرئيس الأميركي إزاء الضغوط بالسيطرة على الموقف لحماية الممتلكات الفيدرالية.
وإزاء حالة العصيان سيتطور الأمر إلى حد تحرك الجيش الأميركي إلى تلك الولايات. وعلى ذلك سيكون هناك رد فعل مماثل من قبل الجيش المكسيكي وسيخمد لقاء بين الرئيسين نذر الحرب التي بدت بين الدولتين إزاء عدم رغبتهما في اندلاعها.
مع التسعينات سيفرض الراديكاليون المكسيكيون أزمة جديدة من خلال تغيير الدستور المكسيكي. وبمقتضى هذا التغيير سيتم إنشاء مناطق برلمانية مكسيكية خارج المكسيك بشكل يسمح للسكان المكسيكيين الذين يعيشون في الأرجنتين مثلا بالتصويت لممثل في البرلمان المكسيكي يمثل المكسيكيين الذين يعيشون في الأرجنتين. وعلى هذا سيكون هناك مثلا نحو 20 نائبا برلمانيا مكسيكيا من لوس أنجليس وخمسة من سان انطونيو منتخبين في البرلمان المكسيكي.
على هذا الأساس ستشعر الولايات المتحدة بمدى الأزمة التي تواجهها والتي تنذر بالمواجهة وإذا كان الأميركيون يتمتعون بميزات هائلة في الفضاء فإن المكسيكيين لديهم ميزات كبرى على الأرض.
حيث لن يستطيع الجيش الأميركي مثلا أن يسيطر على لوس أنجلوس ذات الأغلبية المكسيكية. بل يصل المؤلف في تصوراته إلى أن من بين تطورات ذلك الصراع قطع خطوط الإمداد عن القوات الأميركية ما ينتهي بحصارها.
مراقبة ومتابعة
إن العالم سيقف في حالة مراقبة ومتابعة لما يجري، وسيأمل المكسيكيون في مساندة خارجية، وستقدم البرازيل التي ستصبح قوة ذات قيمة إشارات على التضامن مع المكسيك. وفيما سيأمل العالم - لاسرا - أن يمرغ المكسيكيون بالأميركيين، فإن أحدا لن يتدخل في مسألة بالغة الحيوية على هذا النحو لأميركا، والتي ستجد أن غزو المكسيك لن يحل المشكلة بل قد يفاقمها. وسيكون عدم قدرة أميركا على تسوية القضية الميزة الأساسية التي تتمتع بها المكسيك.
وسينتهي الأمر إلى حالة من الجمود. وعلى ذلك فإن السؤال الذي ستجد الولايات المتحدة مجبرة على مواجهته للمرة الأولى منذ نشأتها هو: ما هي المدينة التي ينبغي أن تكون عاصمة أميركا الشمالية.. هل هي واشنطن أم مكسيكو سيتي؟ وفيما سيظل السؤال مطروحا ويمكن تأجيله إلا أنه لن يكون في الإمكان تجنبه.
وعلى ذلك فإنه مع قرب دخول القرن الحادي والعشرين نهايته فإن السؤال سيكون هو إذا كانت أميركا الشمالية هي مركز الجاذبية في النظام الدولي، فمن يسيطر هناك. ذلك هو السؤال الذي ستتطلب الإجابة عليه الانتظار إلى حلول القرن الثاني والعشرين.
يقول المؤلف انه قد يبدو أنه من قبيل المبالغة القول أو توقع أن المكسيك سيصعد نجمها إلى المستوى الذي يمكن معه أن تمثل تحديا للولايات المتحدة.
غير أنه يوضح قائلا انه وعلى غرار ما أوضح في بداية الكتاب فإنه لدى محاولتنا توقع المستقبل فإن حدسنا يخوننا في اغلب الأحيان. وتكفي للدلالة على ذلك متابعة التحولات التي سادت خلال القرن العشرين ومحاولة ما كان يمكن أن تسعفنا به مخيلتنا بشأن احتمالات المستقبل لندرك مدى التباين بين ما جرى وما تم تخيله.
وهنا يقرر المؤلف قاعدة مؤداها أن أفضل نهج عملي لتخيل المستقبل هو إخضاع ما يجري توقعه للفحص، حيث قد يشير ذلك إلى أنه أبعد ما يكون عن الحدوث. ويضيف في ختام كتابه إنه لا يوجد أحد يستطيع أن يتخيل بدقة تفاصيل المستقبل، ولكن المخرجات العامة للقرن العشرين كان يمكن رؤيتها أو تلمسها. وهذا هو ما حاول القيام به في الكتاب لتلمس ما يمكن أن يحدث خلال القرن الحادي والعشرين.
وهنا يشير إلى أنه حاول من خلال الكتاب التأكيد على قضيتين هما: من سيقاوم؟ ثم كيف سيكون رد فعل الولايات المتحدة على هذه المقاومة؟ على نحو ما قدم خلال الكتاب.
ويضيف أنه كان يعي أنه بقدر ما يقترب المرء من التفصيلات بقدر ما يتزايد احتمال وقوعه في الأخطاء، غير أنه وفي إطار المهمة التي حددها لنفسه وهي أن يضع القارئ في أجواء ما سيحدث في القرن الحادي والعشرين، فقد استلزم ذلك الأمر منه تقديم قدر من تلك التفصيلات.
تحفظ
في معرض التماس العذر من القارئ على ما قد يراه تجاوزا منه، يقول المؤلف انه قد يكون أخطأ في تحديد الدول التي ستصبح قوى عظمى وكيف ستقاوم الولايات المتحدة، ولكن ما هو واثق منه هو أن موقف الولايات المتحدة في النظام الدولي سيكون المحور الأساسي لكافة تطورات ذلك القرن، وأن بقية الدول ستحاول اللحاق بها في صعودها.
ويوضح أنه إذا كان من نقطة محل توقف في الكتاب فتتمثل في إشارته في أن الولايات المتحدة، على عكس الكثير من الرؤى ؟ بعيدة عن شفا الهبوط ؟ وأنها بالفعل بدأت الطريق نحو الصعود.
ومع ذلك يقرر المؤلف أن الكتاب ليس احتفائيا بالولايات المتحدة، ورغم أن رؤيته قد تفسر انطلاقا من أنه مواطن أميركي، إلا أنه يوضح أن المكانة التي تتمتع بها الولايات المتحدة لم يمنحها لها الدستور ولا النظم الفيدرالية، وإنما جاءت عبر سلسلة طويلة من التطورات على مدى القرنين الماضيين.
وفي النهاية ورغم تأكيده على أنه قد يكون من الغريب أن يقدم كتابا لن يكون شاهدا على الوقائع التي تناولها خلاله، إلا أنه يشير إلى أنه كتبه لأولاده وأحفاده الذين سيكونون في موقع يمكن لهم منه معرفة مدى صحة ما ورد فيه.
الصفحات: 253 (متوسط)
الكتاب: المئة عام المقبلة
تأليف: جورج فريدمان
عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق
الناشر: دبل داي، نيويورك، 2009

