يخوض المؤلف بنا غمار تجربة جديدة في كتابه، الذي يمكن اعتباره كله بمثابة ابتكار جديد في الكتابة السياسية، فيقدم لنا سيناريو حرب عالمية تحدث بسبب الصراعات التي تسود القرن الجاري. غير أن فريدمان في اتساق مع أطروحاته بشأن التطور الكبير الذي سيطرأ على العالم على كافة المستويات خلال العقود المقبلة يتصور أن الحرب العالمية المقبلة ستكون حربا غير كل الحروب السابقة، فهي حرب نجوم بالأساس.

وأما عن الخسائر البشرية الناجمة عن هذه الحرب فلن تقترب بأي معيار من الخسائر الفظيعة التي تم تكبدها خلال الحروب السابقة، حيث ستكون بالغة المحدودية. وبالطبع فإن طرفها الرئيسي الولايات المتحدة، وأما الطرف الآخر الذي سيواجه الولايات المتحدة فهو اليابان وتركيا، حيث سيبادران بالهجوم في إطار صراع المصالح الذي سيحكم العالم آنذاك في ظل انحسار أو اختفاء القوى التقليدية، مثل روسيا والصين وفرنسا وألمانيا من ساحة الصراع.

ضمن محاولة تقديمه توقعات بشأن مسار الاتجاهات الدولية في القرن الجاري، يصف المؤلف حربا يعتقد أنها ستحدث في منتصف القرن الحادي والعشرين. وخروجا من محاسبة القارئ له على ما سيورده من تفاصيل تجعل ما يعرض له أقرب إلى الخيال العلمي يبرئ فريدمان ساحته، قائلا: من الطبيعي أن لا أعراف أين ستحدث، ولكن الهدف تقديم فكرة عامة بشأن ماهية الحرب في ذلك القرن.

ويضيف في معرض تقريب وجهة نظره بشأن ضرورة قيام مثل هذه الحرب إننا لا نستطيع مثلا استيعاب تطورات القرن العشرين، بدون أن تكون لدينا فكرة عن الحربين العالميتين الأولى والثانية خلال القرن العشرين. كما أنه لا يمكن أن يلم المرء بالقرن الحادي والعشرين دون أن تكون لديه فكرة حقيقية عن حرب يمكن أن تحدث خلاله.

ويقول إنه لكي نفهم الحرب علينا أن نفهم ما يتجاوز الأسباب التي اندلعت من أجلها، وعلى ذلك فالمرء عليه أن يضع في اعتباره لدى أي حديث عن الحرب التطور التكنولوجي والثقافة والعديد من الجوانب الأخرى. وأن يفكر بشأن التكنولوجيا والثقافة والعديد من المسائل الأخرى. وعلى سبيل المثال، فإنه لدى الحديث عن الحرب العالمية الثانية، فإنه يجب أن نناقش ما حدث في بيرل هاربر، والتي كانت في المنظور الجغرافي السياسي، محاولة لشراء الوقت، فيما كانت اليابان تحاول احتلال جنوب شرق آسيا.

ولكن من أجل فهم حقيقي لحقيقة بيرل هاربر، فإنه يجب فهم واستيعاب تفاصيل تتعلق بالجوانب العسكرية التي بنت على أساسها اليابان هجومها، وكذا قرار الهجوم صباح الأحد وهو يوم عطلة.

حرب وقائية

من هذا الاستهلال بشأن السياق الذي ييسر استيعاب احتمالات نشوء حرب خلال القرن الجاري يضعنا المؤلف في الإطار العام للصورة، فيقول: إن ما حاولت الإشارة إليه على مدى الفصول السابقة هو كيف أن الولايات المتحدة وبولندا وتركيا واليابان سوف تزداد انغماسا في قضايا النظام الدولي، ولماذا ستشعر اليابان وتركيا بالتهديد بالشكل الذي لا يجدون معه أمامهم سوى المبادرة إلى شن حرب وقائية؟.

هنا يشير المؤلف إلى صعوبة الموقف الذي يجد نفسه فيه، حيث يجب عليه أن يتظاهر بمعرفة الأوقات والتواريخ التي ستقع فيها المعارك وبدقة وكيف ستحدث. ويضيف أنه من خلال تتبع التطور التكنولوجي يمكن له تقديم صورة متكاملة بشأن الجوانب العسكرية للحرب، ومن تقدير لظروف وتطورات أحداث القرن الجاري يمكن له كذلك تقديم تصور بشأن الوقت الذي ستندلع فيه مثل هذه الحرب.

على هذه الخلفية يقحم المؤلف نفسه في تفاصيل، قد لا تبدو ضرورية وتقوض من قيمة ما يقدمه، كمحاولة لرصد الملامح بشأن المستقبل وتدخل به في إطار العرافة، فيذكر أن الحرب ستبدأ بهجوم من اليابان على مواقع أميركية في الفضاء في 24 نوفمبر 2050 الساعة الخامسة مساء.

في هذا الوقت سيكون الأميركيون يحتفلون بعيد الشكر، ومعظم الناس هناك يتابعون كرة قدم. وسيكون البعض في طريقه إلى المنزل، ولن يكون هناك أحد في واشنطن يتوقع مشكلة. فتلك هي اللحظة التي سيجد اليابانيون أنها أكثر مناسبة لشن هجومهم.

وبعد خوض في تفاصيل بالغة الدقة بشأن جوانب عسكرية، يقول المؤلف أنه يتم إخبار الرئيس بالهجوم، ولكنه لن يكون قادرا على فعل شيء على الفور، من أجل جمع معظم مستشاريه. إن الأسئلة التي سيطرحها الرئيس والأكثر حيوية هي: من شن الهجمات؟ من أين انطلقت؟ ولكن لن يوجد من يمكنه تقديم الإجابة على الفور. سيكون الافتراض بأنها من الممكن أن تكون انطلقت من تركيا، حيث أنهم الأكثر انهماكا في الأزمات الدولية، ولكن المخابرات الأمريكية ستكون على ثقة بأن الأتراك ليست لديهم القدرة على إطلاق مثل هذا الهجوم. سيلتزم اليابانيون الصمت، ولن يكون في مقدور أحد توقع أن يقوموا بمثل هذا الهجوم.

تدمير متبادل

على الجانب الآخر سيخبر اليابانيون حلفاءهم الأتراك بما حدث قبل نحو نصف ساعة حوالي الرابعة والنصف دون أن يقدموا لهم الحقيقة كاملة بشأن الهجوم. وسيتبع هذا الهجوم آخر على سفن وقواعد للولايات المتحدة في المحيط الهادي.

في الوقت ذاته سيقوم الأتراك بشن هجمات على أهداف محددة سلفا بالاتفاق مع اليابانيين منذ سنوات. كما سيشن الأتراك هجوما آخر على بولندا والهند، ليس باعتبارهما قوى عظمى، ولكن كحلفاء للولايات المتحدة.

وخلال دقائق فإن الصواريخ من طائرات آلية ستبدأ ضرب القوات الأميركية في أوروبا وآسيا فيما أن تلك التي ستضرب الولايات المتحدة ستستغرق نحو الساعة ما سيتيح لهذه الأخيرة وقتا ثمينا يتيح لها فرصة الرد.

بالطبع ستقوم الولايات المتحدة بالرد بقصف أهداف عسكرية لدى الدولتين محددة سلفا، وخلال 50 دقيقة سيكون قد تم تدمير الكثير من قوات الدولتين.

وفي ضوء كون الولايات المتحدة قوة نووية، وهو الأمر ذاته بالنسبة لليابان وتركيا وبولندا ؟ في المستقبل الذي يتناوله المؤلف ؟ والهند، فإن العمليات العسكرية لن تؤدي إلى إشعال حرب نووية. ومن هنا سيجري العمل على التوصل إلى تسوية سياسية تتضمن القبول بمناطق النفوذ الحيوي لكل من اليابان وتركيا والإقرار بحدود على تلك المتعلقة بالولايات المتحدة وتقدم إطار عمل قابل للتنفيذ بشأن الحد من الصراعات في الفضاء. بمعنى آخر فإن التحالف سيراهن على أن الولايات المتحدة ستدرك أنه قد حان الوقت لإدراك أنها لم تعد سوى قوة كبرى بين مجموعة قوى بدلا من كونها قوى عظمى وحيدة.

في السيناريو الذي يرسمه يشير المؤلف إلى أن التحالف سيعمل قبل بداية الحرب على كسب ألمانيا إلى صفه والاشتراك في الهجوم على بولندا، غير أن برلين سترفض المشاركة في الحرب. ورغم ذلك سيحاول الأتراك التلويح لهم بمكافأة على موقفهم، فمقابل مساعدة تركيا في بولندا، فإن الأتراك سينسحبون من البلقان بعد الحرب، حاصلين على رومانيا وأوكرانيا، وستبني تركيا قوتها حول البحر الأسود والأدرياتيكي والبحر المتوسط، على أن يتم إطلاق يد الألمان في المناطق التي تبدأ من شمال المجر وبولندا والبلطيق وبيلاروسيا. وسيقبل الألمان أن يكون مشاركتهم سياسية أكثر من كونها عسكرية. وهكذا فإن مواقف ميركل الحالية ستكون نواة لمواقف القادة الألمان التي يتصورها المؤلف.

هجمة أميركية مضادة

يقول المؤلف إنه سيكون هناك جمود على الأرض حتى صيف 2052، حيث ستقوم الولايات المتحدة في النهاية بالمبادرة بشن عمليات جديدة ومن خلال التطور الناجم في مجال حرب النجوم والأسلحة المستخدمة في هذا المجال ستدمر القوات الأميركية قوات الحلفاء في بولندا، وستفعل الشيء نفسه ضد القوات اليابانية في الصين.

وستفاجأ الهجمة المضادة اليابانيين والأتراك وتترك الألمان في حالة فوضى كاملة. قواتهم الأرضية ستتبخر تماما على أرض المعركة. وهنا سيواجه الأميركيون المشكلة النووية مرة أخرى. وهنا فإن التصور هو أنه إذا تم دفع دول الحلفاء إلى المرحلة التي تشعر معها بأن سيادتها وبقائها على المحك، فإنهم في هذه الحالة قد يفكرون في اللجوء إلى السلاح النووي.

وهذا المنعطف من تفكير المؤلف يشدد على الحقيقة الواضحة وهي أن تصريحات الرئيس أوباما عن السلام لا تحجب جوهر الإستراتيجية الأميركية الرامية إلى المزيد من الهيمنة عالميا.

وعلى ذلك فإن الولايات المتحدة لن تطلب استسلاما غير مشروط، ولن تهدد الوجود القومي لهذه الدول. فلقد تعلمت على مدى الخمسين عاما الماضية أن تدمير العدو ليس هو الإستراتيجية المثلى. وعلى ذلك فإن هدفها سيكون الحفاظ على توازن القوى بغرض الإبقاء على القوى الإقليمية في صراع مع نفسها بالشكل الذي يشغلها عن الولايات المتحدة. وبناء على ذلك لن تعمل الولايات المتحدة على تدمير اليابان وبدلا من ذلك ستعمل على الحفاظ على توازن القوى في المنطقة بين اليابان وكوريا والصين.

وستسلك الأمر ذاته مع تركيا، حيث لن تسعى لتدميرها أو خلق فوضى في العالم الإسلامي ولكنها ستبقي على التوازن في القوى القائم بين الكتلة البولندية وتركيا. وستدعو إلى مؤتمر للصلح على غرار صلح فرساي وطرح مبادئ شبيهة بتلك التي طرحها وودرو ويلسون وبدعاوى إنسانية ستعمل على التيقن من بقاء أوراسيا في حالة فوضى.

صلح (فرساي) جديد

ومن خلال مؤتمر سلام الذي سيتم تنظيمه على عجل، سيتم إجبار تركيا على الانسحاب إلى الجنوب في البلقان تاركة كرواتيا وصربيا كمنطقة عازلة والعودة إلى الوراء نحو القوقاز وليس داخله. كما سيجد اليابانيون أن عليهم سحب كل قواتهم خارج الصين.

وسيتم كل ذلك وفق شروط غامضة ومبهمة، ستعكس بالتحديد ما تريده الولايات المتحدة، وستظهر العديد من الدول الجديدة نتيجة تلك الاتفاقات وستكون مناطق النفوذ الدولي غامضة. وباختصار فإن النتيجة النهائية للحرب وتطوراتها ستتمثل في أن المنتصرين لن يكونوا قد انتصروا تماما والخاسرين لن يكونوا قد خسروا كل شيء، وعلى ذلك ستخطو الولايات المتحدة إثر ذلك خطوة رئيسية نحو الحضارة، المرحلة التي مرت بها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

في الوقت ذاته، فإن الولايات المتحدة ستتمتع بالسيطرة الكاملة على الفضاء، وستشهد دفعة اقتصادية نتيجة لزيادة للإنفاق الدفاعي. وأما عن الخسائر في الأرواح فأنه إذا كانت الحرب العالمية الثانية كلفت العالم نحو 50 مليون شخص، فإن الحرب التي ستقع بعد نحو مائة عام ستحصد أرواح تقدر بنحو 50 ألف شخص، وستكون أغلبية هذا العدد في أوروبا والباقي في الصين، فيما أن الولايات المتحدة ذاته لن تفقد سوى أرواح ألاف محدودة الكثير منهم في الفضاء، وبعضهم خلال الضربات الجوية على الولايات المتحدة ذاتها والبعض الأخر في عمليات القتال من أجل مساندة البولنديين.

إنها حرب عالمية بالمعنى الحقيقي للكلمة ولكن مع الأخذ في الاعتبار التقدم التكنولوجي فإنها لن تكون حربا تشمل المجتمع ككل، بمعنى مجتمعات تحاول أن تدمر وتقضي على مجتمعات أخرى.

ومع ذلك فهذه الحرب ستتشابه في شيء واحد مع الحرب العالمية الثانية، يتمثل في أن الولايات المتحدة التي كانت أقل الخاسرين ستكون أكبر الرابحين. وعلى غرار ما حصل بعد الحرب من قفزة تكنولوجية كبرى وحيوية اقتصادية وتمتع بقدر أكبر من السيطرة، فإنه كذلك ستبرز الولايات المتحدة في فترة سينظر إليها باعتبارها العصر الذهبي لأميركا، مع قدر من الرشد في ممارسة القوة.