أكد شهود عيان مقيمون في العاصمة الصومالية مقديشو أمس أن متمردي «حركة الشباب المجاهدين» تراجعوا مؤخراً من مناطق حول القصر الرئاسي وذلك بعد يومٍ معارك الكر والفر والقتال الضاري الذي تسبب في مقتل العشرات وإصابة نحو 150 بجروح، فيما تراجعت القوات الحكومية بدورها إلى مواقعها السابقة بما وصفته «انسحاباً تكتيكياً».
وأفادت مصادر إعلامية بأن الحركة المتمردة و«الحزب الإسلامي» استعادا السيطرة على المناطق التي كانت انسحبت منها أول من أمس في شمال العاصمة مقديشو أمام القوات الحكومية والإفريقية.
ونقلت وكالة «أسوشيتد برس» عن الناطق باسم «الشباب المجاهدين» محمد علي راج قوله إن القتال في العاصمة «دخل مرحلة جديدة». وأضاف أن القتال حالياً «يدور بين قواتنا والقوات الأفريقية التي دعمت الحكومة مباشرة»، متوعداً بـ «مواصلة القتال».
وكشفت مصادر مقربة من الحكومة الصومالية عن أن أعداداً كبيرة من القوات الرسمية «نقلت أول من أمس بسفن صغيرة وأنزلت ليلاً من موانئ جهزت بسرعة خلف مقاتلي الحركات المسلحة».
وكانت مواجهات اليومين الماضيين بين الجانبين أودت بحياة 43 شخصاً وإصابة ما لا يقل عن 150 آخرين بجروح، في حين يزداد الموقف تعقيداً بسبب استمرار الانقسام وإعادة تكوين تحالفات وشبكة معقدة من الولاء القبلي. ورغم ذلك، لا يمكن الاعتماد على الأرقام الرسمية، كما تلاعب الجانبان في أعداد الضحايا في الماضي.
وفي هذا السياق، كانت مصادر عسكرية ذكرت أن ثلاثة جنود حكوميين قتلوا مقابل 40 مسلحاً إسلامياً في معارك الكر والفر قبل يومين.
وأشار أحد سكان العاصمة مقديشو علي عبد الله محمد أن طلقات أسلحة رشاشة متقطعة كانت تسمع طوال ساعات نهار وليل أمس في وقتٍ كان فيه كل من مسلحي «الشباب المجاهدين» والقوات الحكومية يتراجعون ويعودون إلى مواقعهم السابقة.
وقال أبقر جمال أحد سكان العاصمة أيضاً: «الوضع هادئ هنا اليوم لكن القتال قد يندلع في أي وقت».. فيما ذكر الناطق باسم الجيش الصومالي فرح أسانيو إن الحكومة «نفذت تراجعاً استراتيجياً»، مشيراً إلى أنها فضلت «بدلاً من ملاحقتهم وإجبارهم على الاندماج مع المجتمع أن يأتي إلينا عدونا ويواجهنا في الخطوط الأمامية حتى يذوقوا طعم الموت الذي ذاقوه سابقاً» على حد وصفه.
الاتحاد الإفريقي: تدخلنا للرد
من جهتها، أشارت القوات الإفريقية إلى أنها تدخلت في القتال بهدف «الرد على تعرضها للهجوم».
وأفاد الناطق باسم تلك القوات باهوكي باريغيي في تصريحاتٍ صحافية بأن «قواتنا تواجه خطراً محدقاً، لذلك يجب علينا أن نقوم بعمل محدود، لكن ذلك لا يعني أننا تورطنا بشكل كامل في القتال».
ومثّل اشتباك أول من أمس أول تدخل مباشر لقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي دعماً للجيش الصومالي، في ما كثف المسلحون الإسلاميون بزعامة طاهر أويس مساعيهم للاستيلاء على مقديشو عقب عودة أويس من المنفى في شهر أبريل الماضي وجمعه الفصائل المتمردة تحت راية «حركة الشباب المجاهدين».
وأجبر الاتحاد الإفريقي على التدخل بعد أن صار المتمردون على مسافة كيلومتر واحد فقط من القصر الرئاسي وذلك وفقا لما ذكره نائب عمدة مقديشو عبدالفتاح شاوي.
وعادة ما تتجنب قوة حفظ السلام المؤلفة من 4300 جندي الانخراط في صراع مباشر حفاظاً على حيادها. وتتولى القوة الدفاع عن الميناء ومطار العاصمة إلى جانب المنشآت الحكومية الرئيسية.
المدنيون الصوماليون يتحملون أعباء أعمال العنف
أكد ممثل منظمة الأمم المتحدة الخاص إلى الصومال أحمدو ولد عبدالله في تصريحاتٍ صحافية أمس أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر في أعمال العنف التي تضرب البلاد منذ نحو عقدين، مشيراً إلى أن الهجمات والهجمات المضادة تؤدي بالنتيجة إلى انتهاكات حقوق الإنسان وازدياد المعاناة في صفوف النازحين الذي يفرون من أعمال القتال ويعيشون ظروفاً بائسة.
وذكر عبدالله في تصريحاتٍ صحافية أمس أن المدنيين «يتحملون العبء الأكبر في أعمال العنف»، مضيفا أن القوات الحكومية «تتخذ جانب الحيطة والحذر». واستطرد ممثل منظمة الأمم المتحدة الخاص إلى الصومال قائلاً إنه «ورغم ضبط النفس الذي تمارسه القوات الحكومية، فإن الهجمات استمرت ضد مؤسسات حكومية ومدنيين أبرياء من خلال انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وعمليات قتل متبادلة».
وذكر عبدالله أنه «ورداً على ذلك، لم يكن هناك خيار أمام القوات الصومالية سوى الدفاع عن سكان العاصمة مقديشو».
وأفادت مصادر صحافية بأن مستشفيات العاصمة مقديشو أصبحت مكتظة خاصةً مع ارتفاع عدد الضحايا. وذكرت المصادر أن سوق بكارا المشهور بات هدفاً للقصف اليومي خلال المعارك.
وأدت هذه التطورات، بحسب المصادر، إلى «تفاقم أوضاع النازحين» في وقتٍ يصل فيه عدد هؤلاء بحسب تقديرات الأمم المتحدة إلى قرابة 250 ألف شخص يعيش عدد كبير منهم في كينيا المجاورة في ظل ظروف إنسانية بائسة.
من جهته، أفاد نائب رئيس منظمة «علمان لحقوق الإنسان» التي يقع مقرها في مقديشو علي شيخ ياسين، أن 397 شخصاً قُتِلوا وأصيب 1738 آخرون منذ بدء العنف في ال7 من شهر مايو الماضي. وكان معظم الضحايا من النساء والأطفال. كما أفاد شيخ ياسين أن عدداً أكبر من الناس «يغادرون المدينة ويبدو أنهم يحاولون تجربة حظهم والمغادرة في وقت ما زالوا فيه قادرين على ذلك».
«وكالات»
