تمر اليوم الذكرى الأولى لميلاد الاتحاد من أجل المتوسط التكتل الذي كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أول المبادرين به لجمع الدول المطلة على ضفتي المتوسط حول «كلمة سواء» لحسم القضايا الإقليمية والدولية السياسية منها والاقتصادية والعسكرية.
ومن خلال عملية تقييم أولية ينتهي المتتبع إلى القول إن المبادرة ساهمت في تكوين هيكل إقليمي بدون روح على الأقل سنة بعد ميلاده. فهو امتداد لمشروع إعلان برشلونة بتطوير محدود وقد إصابته «إنفلونزا» الجمود، وتدرك الدول الأوروبية قبل غيرها أن العقبة الأولى أمام إقامة أي تكامل إقليمي أو جهوي فعال وناجح تبقى إسرائيل التي ترفض الاعتراف بأدنى الحقوق الفلسطينية والعربية. أطلق ساركوزي مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط التي هدفت إلى بناء تحالف واسع بين دول الاتحاد الأوروبي والدول الواقعة على الجانب الجنوبي من البحر المتوسط، وقد رافق المبادرة الكثير من الشكوك التي حاولت أن تقلل من أهمية المبادرة منها، إنها إلى تفادي أزمة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عن طريق حصرها ضمن مظلة تحالف الاتحاد من أجل المتوسط. وإدماج إسرائيل في البيئة الإقليمية الشرق أوسطية بهدف التطبيع من دون أن يترتب على ذلك إلزامها بالدخول في معاهدات السلام مع العرب إضافة إلى لجوء بعض حلفاء أميركا في الاتحاد الأوروبي إلى عرقلة ترتيبات المبادرة على النحو الذي اضطرت معه باريس إلى تقديم المزيد من التأكيدات للاتحاد الأوروبي بأن المبادرة لن تؤثر على التزامات فرنسا تجاه الاتحاد الأوروبي.
تخوفات أميركية
ويبدو ان السلبيات التي صاحبت مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط تمثلت في عدم وضوح الأهداف النهائية وتفادي الدخول في اتفاقيات جماعية متعددة الأطراف إضافة إلى الاكتفاء بمجرد الحديث عن التعاون في القضايا ذات الصلة والعلاقة بملف الدعامة الثالثة لتكتل الاتحاد الأوروبي حيث زادت الضغوط الأميركية الهادفة إلى عرقلة مشروع مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط من اجل عدم إعطاء باريس القدرة على تعزيز وزنها التقليدي في منطقة الشرق الأوسط.
فحسم مسألة المقر في اجتماعات مرسيليا، لم يحسِم مشكلة أعقد منها، وهي تعيين الأمين العام ومساعديه الخمسة، وتمسك الأوروبيون بأن يسمّوا ثلاثة مساعدين، إذا كان الأمين العام من الجنوب (ومن المنطِقي أن يكون جنوبيا، بعدما صار المقر في دولة شمالية)، وتعللوا بأن ثلاثة مقاعد هي الحد الأدنى «مراعاة التوازنات بين الكتل الجغرافية في الاتحاد».
وساومت إسرائيل من جهتها، للفوز بمنصب أمين عام مساعد، إذ افتعلت خصومة حول حضور الجامعة العربية، لكي تظهر في الأخير أنها تنازلت مقابل ترضيتها بإسنادها منصب أمين عام مساعد. وهكذا، لم يتبق للعرب سوى مقعد واحد، أي أن حصّتهم (وهم تسعة بلدان) في هياكل التسيير، ستكون معادلة لحصّة الدولة العبرية، وسيبقى هذا المقعد مخصّصا لها، فيما ستتداول تسعة بلدان عربية على المقعد المخصص لها..
انتكاسة
وكلما تكالبت الخلافات فإنها ستجلب معها المزيد من الانتكاسات، ويمكن اعتبار قرار نقل مقر الأمانة الدائمة للاتحاد من تونس إلى اسبانيا بمثابة أول إرهاصة لقاطني جنوب المتوسط المعنيين بالمشروع، كما أن جعل رئاسة الاتحاد ثنائية، ولمدة سنتين تنحصر بين فرنسا ومصر بينما الاتحادات ومن بينها الاتحاد الأوروبي، والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وغيرها تتم فيها الرئاسة بشكل دوري وتسند فيها لدولة واحدة يطرح أكثر من تساؤل حول محاولة تهميش الدور العربي في الاتحاد، فساركوزي، سياسي طموح مزعج، ينفرد بمبادراته، ويتسرّع بتصريحاته، ويسعى للشهرة على حساب الفكرة، ولا يفكر إلاّ بمصلحته على حساب الآخرين، ويعد بتحقيق أكثر ممّا يستطيع، وربّما أكثر مما يريد، أو الحصيلة الحقيقية للمساومات الأوروبية حول المشروع فهي أنّ ساركوزي اضطر إلى «اقتسام الغنيمة» مع شركائه الأوروبيين، ليس في صناعة القرار فقط، بل فيما يمكن تحقيقه اقتصاديا أيضا.
ويبقى الشيء الأكيد أن المشاكل والتحديات التي تواجه التعاون الأورومتوسطي تأتي من إحساس الدول العربية بأن«مغانم» هذا التعاون لا تتوزع بالتساوي بين الجانبين وأن الاتحاد الأوروبي يسعى بطريق أو بآخر لفرض توجهات معينة على بلدان جنوب المتوسط.
والواقع أن هذه الحصيلة تبقى طبيعية على أكثر من صعيد وخاصة وان الاتحاد ولد بعوامل فشله المسبق بسبب الاختلافات الجذرية بين دوله من حيث طبيعة توجهاتها وطموحات كل منها، فواحدة تريد الاستفادة من القوة الاقتصادية لدول الضفة الشمالية لتحقيق الإقلاع المنشود وهذه الأخيرة تريد الاستحواذ على بترول وغاز دول الضفة الجنوبية وجعلها أسواقا لمنتجاتها الصناعية والاستهلاكية ليبقى القاسم المشترك الوحيد بين هذه الدول يبقى فقط موقعها الجغرافي كونها تطل جميعها على البحر الأبيض المتوسط.
حرب غزة قصفت الاتحاد
وتبقى إسرائيل وممارساتها ضد الفلسطينيين وكل العرب فوق كل ذلك اكبر عقبة أمام بناء المسار المتوسطي.فقد سدّدت الغارات الإسرائيلية على غزّة التي امتدت من أواخر شهر ديسمبر 2008 إلى أوائل يناير الماضي، ضربة قوية لـ «الاتحاد من أجل المتوسط»، وبلغت الصّدمة التي شعُر بها الجنوبيون من انحياز دول الضفة الشمالية إلى إسرائيل، درجة جعلت الحكومة المصرية، ،تبادِر إلى تجميد جميع اللقاءات والاجتماعات التي كانت مقرّرة في إطار «الاتحاد من أجل المتوسط»، بصفتها شريكا في رئاسته مع فرنسا.
وكانت تجربة المجزرة دليل على العجز الأوروبي ولكنها أفقدت الاتحاد من اجل المتوسط كل معنى له والدول العربية ترى أن دولة عضوا تنتهك أدنى القواعد التي تحكم أي تكتل إقليمي وأدت في النهاية إلى تجميد كل حركية فيه.
ويبقى الشيء الأكيد أن التحديات والمصاعب التي وقفت أمام نجاح مسار برشلونة ما زالت قائمة حتى الآن في الاتحاد المتوسطي ولا توجد مؤشرات حاسمة تؤكد زوالها أو على الأقل احتوائها. فإعلان ولادة مشروع جديد وتحت اسم جديد لا يعني بأي شكل من الأشكال نجاح هذا المشروع ما لم ينضوي تحت برنامج حقيقي جدي وواضح وسهل التطبيق ينظر إلى مواضع الخلل ويبحث عن أسباب الفشل ويعالجها.
ومن من أهم المصاعب التي واجهت المشاريع السابقة هي مشكلة وضع البرنامج النظري في حيز التطبيق، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قد خصصت مبالغ مادية ضخمة من أجل تمويل المشاريع الاقتصادية في دول جنوب الحوض إلاّ أن هذه المبالغ لم تر النور أبدا بل بقيت في خزاناتها نائمة.
المشروع لم يتجاوز «إعلان النوايا»
فبعد عام من انطلاق الاتحاد المتوسطي يمكن التأكيد على أن المشروع لم يتجاوز «إعلان النوايا» من أجل تقارب الدخل بين الضفتين، والتخفيض من نسبة البطالة ومن الفقر، والعناية بالشباب، والعدالة في توزيع الثروات، فالدول الأوروبية حريصة على اقتلاع مزيد من الضمانات للمستثمرين الأوروبيين، وخلق مناخ مطمئن لهم، مع ضمان عدم العودة إلى الخلف، وتقويض نظام الجباية، بفرض حرية دخول السلع الأوروبية، وتسهيل خروج أموال مستثمريها (والتضييق على منتجات الجنوب، كما تمكنت من تدعيم العلاقات اللامتكافئة، وجعل الهاجس الأمني محددا لسياساتها، على حساب التنمية والتطور الاقتصادي، وأنيط بحكومات المغرب العربي دور أمني لحصر الإرهاب لديها ومراقبة الهجرة المغاربية والإفريقية، والقيام بمهام أمنية لصالح أوروبا.
مصالحة حقيقية
وبعيداً عن النظرة التشاؤمية، فإننا نأمل بأن يكون الاتحاد المتوسطي فضاء ديمقراطيا مبنيا على مبادرة سياسية هادفة لجمع شمل دول المنطقة ودفعها صوب مصالحات سياسية هامة ومشاريع اقتصادية حيوية لطالما حلمت بها بلداننا الشرق الأوسطية التي اعتادت في الماضي على التصارع مع جيرانها الأوروبيين المتشاطئين معها في الطرف الآخر من هذا البحر.
وفي الوقت الذي يعتبر فيه بعض المحللين السياسيين السلبيين بطباعهم ومراميهم، بأنّ أي تفاؤل بنتائج هذه القمة يمكن اعتباره في عداد الرهانات الخاسرة التي قد تصدمنا بسراب دولي آخر كما كان يحدث في الجولات السابقة فإنّ البعض الآخر الإيجابي يعتبر بأنّ ما يجري هو خيار استراتيجي في المسار الصحيح الذي قد يضع قطار العلاقات المتوسطية فوق سكته السليمة.
هيكل بدون روح
ولد الاتحاد المتوسطي من أجل رأب الصدع المتفاقم بين ضفتي المتوسط، سواء أكان ذلك على الصعيد الاقتصادي أو الثقافي بتحسين ظروف دول جنوب المتوسط بالتقليل من الفقر وتجاوز الأسباب التي أدت إلى فشل عملية برشلونة والعمل بمنهج أفضل يساعد على تقريب الأمم بعضها من بعض ، لكن بعد عام من ولادة الاتحاد لم نر اي شيء تحقق من هذه التحديات التي بقيت حبرا على ورق .
لا شك أن أسباب فشل «الاتحاد من أجل المتوسط»، تعود إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، التي لم تكن متوقعة بهذا العمق وللصراعات الأوروبية التي ترى فيه إقصاء لها، واستئثارا فرنسيا بالسوق المغاربية.
كما أن ضعف الميزانية المرصودة، وضبابية البرامج والمشاريع، لم تشجع بلدان جنوب المتوسط على الاقتناع بجدية هذا الاتحاد المزعوم.
فالاتحاد أصبح مشروعا دعائيا شخصيا للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ولم يحظ باهتمام الأوروبيين الآخرين، ولم يتمكن منظموه من انجاز فكرة واحدة مفيدة تعطي انطلاقته قيمة حقيقية لمنطقة بالفعل في حاجة لعلاقة إصلاحية جادة لا أفكار دعائية، وقد أصبح في صالح ثلاث أطراف، أولا (إسرائيل) ثانيا أوروبا وثقافتها واقتصادها، وثالثا النخب الحاكمة التي تطرح نفسها (حاميا) لأوروبا، وسدا منيعاً، بزعمها، ضد كل من يهدد أمنها، فقد حرصت الدول الأوروبية على إدخال (إسرائيل) في نسيج المنطقة من النافذة بعد أن فشلت كل محاولات إقحامها عبر الأبواب.
مشروع ساركوزي بهذه الطريقة لا يخرج عن كونه أداة لإدارة الأزمات الأوروبية على الطريقة الفرنسية، دون أية اعتبارات لمصالح الدول العربية الأخرى الأمر الذي يفرض على هذه الدول الوعي والحذر في تعاملها مع مثل هذا المشروع وغيره من المشروعات، وهي الأمور التي قد تقوض إمكانية تحقيقه على أرض الواقع. فحرب غزة ستترك آثارا بعيدة على الاتحاد الوليد، وقد كانت تجربة المجزرة دليلا على العجز الأوروبي، وليس مستبعَدا أن تعصِف الخلافات بين بلدان الضفتين، الجنوبية والشمالية، بأركان الخيمة المتوسطية التي أقامها ساركوزي بعد جهود مضنية... وتقتلع أوتادها، خاصة وان إسرائيل لا تزال ترفض السلام مستفيدة من انحياز دول الضفة الشمالية لها.
ليلى بن هدنة

