بناء على الصورة التي رسمها المؤلف بشأن تفكك روسيا وتدهور وضع الصين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف سيتطور وضع النظام الدولي على هذا الأساس؟ هنا يذكر فريدمان أن انهيار روسيا في أوائل العقد الثالث من القرن الجاري سيترك منطقة أوراسيا كلها في حالة فوضى، ومما سيعزز من ذلك التدهور الذي ستشهده الصين. وبناء على ذلك يقدم لنا ملامح صورة قاتمة لما ستؤول إليه الأمور بسبب هذين التطورين.
ويوضح المؤلف أن الولايات المتحدة ستكون سعيدة بهذه التطورات التي ستراها شيئا جيدا ويصب في مصلحتها، في ضوء حقيقة أن من بين الأهداف الإستراتيجية الأمريكية ألا توجد قوة كبرى تهيمن على الأوضاع في أوراسيا وأن انهيار روسيا وتداعي الصين يمثل تحقيقا لهذا الهدف. ويذكر أنه لن تكون هناك حاجة كبيرة بالولايات المتحدة إلى التدخل بنفسها من أجل الحفاظ على توازن القوى في المنطقة، الذي سيتواصل على مدى عقود. وستصبح المنطقة بمثابة أرض الفرص للطامعين في خيراتها، في ضوء ما يمثله غياب القوة الرئيسية بالإقليم من فرصة على هذا الصعيد. من المشهد العام الذي يقدمه المؤلف، ويدخل في عداد التوقعات المستقبلية التي يصعب الجزم بها، فضلا عن ضعف المنطق الذي يستند إليه المؤلف في بناء مادته عليه، ينقلنا المؤلف نقلة أخرى مشيرا إلى أن هناك ثلاث دول بشكل خاص ستكون في وضع يسمح لها بممارسة النفوذ في أوراسيا، وهي الدول التي يتوقع لها أن تبزغ خلال القرن الجاري. الأولى هي اليابان والتي ستكون في موقف يسمح لها بتوسيع مناطق نفوذها ليشمل مناطق بحرية روسية وكذلك مناطق من الصين.
كما أن تركيا ستكون في موقف يسمح لها للتحرك باتجاه الشمال في القوقاز، وقد يتجاوز تحركها ذلك النطاق. وأخيرا فإن تحالفا من دول أوروبا الشرقية تقوده بولندا ويشمل دول البلطيق والمجر ورومانيا سوف ينظر لهذا التطور باعتباره فرصة ليس فقط للعودة إلى الحدود القديمة بل أيضا إلى حماية نفسه في مواجهة أي دولة روسية مستقبلية. ويتوقع المؤلف أن توسع بولندا نفوذها في اتجاه الشرق لتتعمق داخل بيلاروسيا وأوكرانيا.
ومن بين التطورات التي يراها المؤلف محتملة الوقوع مثلا استعادة فنلندا لكاريليا (جمهورية ذات استقلال ذاتي في الاتحاد الروسي تقع في الشمال وعلى الحدود مع فنلندا) ورومانيا لمولدوفيا.
أما الهند فستساعد التبت على التحرر من الصين، فيما أن تايوان ستوسع من نطاق سلطتها عبر خليج تايوان. أما الأوربيون والأمريكيون فسيوجدون مناطق تمثل مجال نفوذ لهم في الصين، ومن بين الفوائد الثانوية الأخرى لهذه الدول أنه مع زيادة قوتها ستكون في وضع أقوى بالشكل الذي يسمح لها بحماية نفسها في مواجهة الأعداء التقليديين في الغرب مثل ألمانيا.
قوة أوروبا الشرقية
تأكيدا على فكرته يقول فريدمان إن هذه الأقطار الأوروبية الشرقية ستتطلع إلى هذه الفرصة لاتخاذها مناسبة لإعادة صياغة توازن القوى في المنطقة، وإن توقع في الوقت ذاته عدم قدرة دولة مثل الهند على لعب دور يحقق لها مزايا كبيرة نتيجة مثل هذا التطور.
أما على الصعيد الأميركي فيرى أن الولايات المتحدة ستعمل على تعزيز هذه التحولات التي ستجري في العقد الثالث من القرن الحالي، وستكون دول أوروبا الشرقية وتركيا واليابان حلفاء للولايات المتحدة.
فخلال المواجهة مع روسيا ستعمل الدولتان من أجل مصالحهما الخاصة على التنسيق مع الولايات المتحدة التي ستنظر لهما، كما لبقية الحلفاء، كامتداد للإدارة الأميركية.
وفي إطار استعراضه لسيناريوهات تطورات الموقف في العقد الثالث، يذكر جورج فريدمان أن أحداث هذه الفترة ستكون لها تأثيرات تتجاوز روسيا والصين:
* الأول سيتمثل في تغيير وضع آسيا في علاقتها مع منطقة الباسيفيك، الأمر الذي يرتبط بالتالي بعلاقتها مع الولايات المتحدة.
* الثاني يتعلق بحالة العالم الإسلامي بعد الحرب التي شنتها واشنطن مع المتشددين.
* الثالث يتعلق بالنظام الداخلي في أوروبا في عصر تراجع الوضع الفرنسي الألماني وبزوغ قوى أوروبية شرقية.
ثم يتناول المؤلف بالتفصيل موقف الدول الثلاث، بادئا باليابان والتي يشير إلى علاقاتها الشائكة مع الصين تاريخيا. فإذا كانت اليابان تطلعت إلى أسواق الصين خلال ثلاثينات القرن الماضي، وإلى حد ما العمالة، فإنها ستركز في عقد العشرينات من القرن الجاري على العمالة، حيث ستواجه اليابان إغراء استغلال الصين خلال العقدين المقبلين وستفرض هيمنتها على جزء من الأراضي الصينية بشكل يمكنها من المساهمة في حل المشكلة السكانية التي تواجهها من حيث ندرة معدل النمو السكاني بها دون أن تجد نفسها مجبرة على دفع كلفة الهجرة على الصعيد الثقافي والاجتماعي.
صعود اليابان
أما على الصعيد الروسي فيتناول المؤلف انتهاز اليابان لفرصة تفككه على النحو التالي: فإلى جانب مشكلة العمالة التي ستحلها عن طريق الصين، فإن اليابان، تاريخيا، كانت لديها مصادر اهتمام أخرى تتعلق بالمواد الأولية.
فإذا كانت تعد، كما أشار المؤلف، ثاني أكبر اقتصاد عالمي، فإن المشكلة التي تواجهها تتمثل في أنها تجد نفسها مضطرة إلى استيراد كل ما تحتاجه من مواد أولية. إن هذا هو التحدي التاريخي الذي يواجه اليابان وكان السبب الرئيسي في دفعها لخوض الحرب مع الولايات المتحدة عام 1941.
ويذكر المؤلف هنا أن الكثيرين، في هذا المجال، ينسون أن اليابان انقسمت على نفسها قبل التوصل إلى قرار نهائي بشأن الهجوم على بيرل هاربر، حيث ساد الخلاف آنذاك بشأن الإقدام على هذه الخطوة، فقد اقترح بعض القادة اليابانيين غزو سيبيريا للحصول على حاجة اليابان من المواد الأولية دون المغامرة بالحرب مع الولايات المتحدة. هنا تبدو حيوية روسيا ـ المفككة ـ بالنسبة لليابان، فالأولى غنية بكل أنواع المواد الأولية، والمعادن وموارد الطاقة.
ومع حلول العقد الثالث من القرن الجاري ستواجه اليابان مشكلة حادة فيما يتعلق بالوقود والاعتماد المستمر على نفط دول الخليج، والذي قد تستأثر به الولايات المتحدة. ومع تزايد ثقة الولايات المتحدة بقدراتها بعد السقوط الثاني لروسيا، فإن اليابان مثل باقي العالم سيزداد قلقها بشأن التحركات الأميركية المقبلة. ولذلك فإنه مع تفكك روسيا سيكون بمثابة فرصة لليابانيين لمحاولة فرض سيطرتهم الاقتصادية على الأقل على الجزء الروسي القريب من المحيط الهادي.
وقد تلجأ اليابان إلى اتخاذ ردود فعل حادة، إذا ما جرى تهديد حق وصولها إلى مصادر المواد الأولية. ورغم ذلك يقول المؤلف إن اليابان لن يكون لديها الرغبة في خوض مغامرة عسكرية على خلفية تحقيق هذه الأهداف.
بزوغ تركيا
أما على صعيد الوضع بالنسبة لتركيا، فيقول المؤلف أنه خلال المواجهة الأميركية الروسية في أوروبا التي ستتواصل حتى عشرينات القرن الجاري فإنه ستجرى مواجهة أخرى فرعية في القوقاز. فخلال فترة التمدد الروسي والتي يتوقع لها المؤلف أن تكون خلال العقد المقبل سيتوسع الروس جنوبا ملحقين جورجيا بهم مدعمين علاقاتهم مع حلفائهم في أرمينيا.
وعلى ذلك ستشكل عودة الجيش الروسي إلى الحدود التركية أزمة حادة مع هذه الدولة. وعلى ذلك، فإن الأتراك بعد مرور نحو ما يقرب من قرن على سقوط إمبراطوريتهم العثمانية وتأسيس تركيا الحديثة، سيجدون أنفسهم يواجهون مرة أخرى التهديد الذي واجهوه خلال الحرب الباردة.
ومع تفكك روسيا لاحقا فإن الأتراك سيتخذون قرارا استراتيجيا لا مفر منه في حدود العام 2020، وعلى أساسه سيحاولون تجنب مغامرة الاعتماد على منطقة عازلة يسودها الفوضى لحماية أنفسهم من الروس، وسيقومون بدلا من ذلك بالتحرك في اتجاه الشمال داخل القوقاز، بالقدر الذي يوفر لهم حماية أمنهم القومي من هذا الجانب. هنا يقول المؤلف أنه توجد قضية أعمق. فمع حلول 2020 ستبرز تركيا كواحدة من بين أكبر عشر اقتصادات على مستوى العالم.
وقد احتلت بالفعل المرتبة 17 عام 2007 وتنمو بثبات. ولكن تركيا ليست فقط قوة اقتصادية فقط، بل إنها في الواقع تتمتع بواحد من أكثر المواقع حيوية على الصعيد الإستراتيجي يفوق ما تتمتع به أي دولة في إقليم أوراسيا.. فهي تتمتع بالتواصل الجغرافي مع العالم العربي، إيران، أوروبا، ودول الاتحاد السوفييتي السابق، وفوق كل ذلك البحر المتوسط.
في إطار تنبؤاته، يقول المؤلف ببلاغة إن تركيا الصاعدة ستوجد في «بحر من الفوضى»، التي ستحيط بها من كل جانب وليس من الشمال فقط وإن كان لا يوجد خوف عليها، إزاء ضعف الجوار، وهنا يرسم المؤلف صورة بالغة الكآبة بشأن الضعف والهوان الذي سيكون عليه الجانب العربي بل والإسلامي. باختصار يذكر أن العالم الإسلامي ـ والعربي بشكل خاص ـ سيكون خلال 2020 مقسما بشكل يتجاوز أي سيناريو يمكن تخيله.
وعن ملامح التحالف بين تركيا والولايات المتحدة يذكر المؤلف أنه خلال فترة العقد الثالث، وبزوغ تركيا فإنها ستلعب دورا حيويا في المواجهة مع الروس. حيث ستقوم بغلق مضيق البوسفور الذي يربط بحر إيجة بالبحر الأسود أمام المرور الروسي إلى البحر المتوسط. هنا يشير المؤلف إلى أن تركيا تاريخيا سيطرت على البوسفور ولذلك فإن روسيا طالما نظرت إليها على أنها عائق أمام مصالحها.
يضيف لن يوجد اختلاف في العقد الثاني أو الثالث من القرن الجاري حيث ستحتاج روسيا للمرور عبر البوسفور إلى المتوسط للتصدي للأمريكيين في البلقان. وإزاء إدراك الأتراك أن تحقيق الروس لأهدافهم الإستراتيجية من ذلك سيقوض استقلالهم فإنهم سيعملون على تعزيز تحالفهم مع الولايات المتحدة ضد روسيا.
نهضة بولندا
من اليابان وتركيا إلى بولندا، والتي يصف فريدمان موقفها بأنها ستكون الطرف الأكثر حماسا للمشاركة في المواجهة الأمريكية مع الروس، إلى الحد الذي يصف معه موقفهم بأنهم سيقودون الأمريكيون في هذه المواجهة على ذات النحو الذي سيقودهم الأمريكيون.
فمع عودة الروس إلى حدودها ستتطلع بولندا لبقية أوروبا لمساندتها عبر «ناتو». وسيكون هناك قدر محدود من الحماس لمثل هذه المساعدة من قبل فرنسا وألمانيا لخوض هذه المواجهة. وعلى ذلك ستلجأ بولندا إلى ما فعلته تاريخيا عندما اصطدمت بروسيا أو ألمانيا وهو البحث عن قوة خارجية لتحميها.
تاريخيا ذلك هدف لم يتحقق. فالضمانات التي قدمت من بريطانيا وفرنسا عام 1939 لم تقدم أي حماية لبولندا ضد ألمانيا أو روسيا. غير أن الولايات المتحدة ستكون مختلفة هذه المرة. وعودة إلى النرجسية القومية يقول المؤلف في وصفه بلاده: إنها ليست قوة في تراجع، ولكنها فتية! مقدامة، وستكون المفاجأة السارة لبولندا أن الولايات المتحدة ستكون قوية بما فيه الكفاية لوقف الروس.
ذوبان «ناتو»
من بين التصورات التي يطرحها المؤلف توقعه أن يذوب حلف الأطلسي نتيجة ما يجري على خلفية رفض فرنسا وألمانيا التعاون في الدفاع عن دول البلطيق، حيث ستفرض الحاجة التدخل الفردي من قبل الولايات المتحدة خارج نطاق الحلف ما يعني انتهاء وظيفته عمليا.
وعلى هذا فإن موقف فرنسا وألمانيا سيتسم بالحنق على أميركا، فالدولتان اللتان عاشتا الموقف ذاته خلال الحرب الباردة ؟ تفوق الأمريكيين على الروس ؟ سيكون لديهما قدر من المشاعر المختلطة بشأن التفوق الأمريكي على روسيا، فمع عيشهما خلال الحرب الباردة في القرن العشرين، سيكون لديهما تحفظ على مواجهة التجربة ذاتها مرة أخرى.
ومع انهيار روسيا، فإن البولنديين سيكونون الأوائل الذين يسعون للتحرك شرقا، في محاولة لإنشاء منطقة عازلة في بيلاروسيا وأوكرانيا. وفي أعقاب سقوط روسيا سيتجه مركز النظام الأوروبي نحو الشرق.. إلى أوروبا الشرقية والارتباط بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة.
ويضيف إن الاهتمام الأمريكي بأوروبا ربما يخبو في أعقاب السقوط المباشر لروسيا على ما يبدو فاتحا البابا أمام تزايد القوة الفرنسية الألمانية، ولكن ذلك سيكون بمثابة مرحلة انتقالية فمع تزايد أزمة الولايات المتحدة مع اليابان لاحقا، وتركيا فإن الاهتمام الأميركي سوف يعاود الظهور بما سيعني سد الطريق أمام بزوغ قوة ألمانيا وفرنسا.
الصفحات: 253 (متوسط)
الكتاب: المئة عام المقبلة
تأليف: جورج فريدمان
عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق
الناشر: دبل داي، نيويورك، 2009

