يقول جورج فريدمان أن أي مناقشة للمستقبل يجب أن تبدأ بالبحث في وضع الصين. وعلى عكس ما هو متوقع، يخالف المؤلف كل التحليلات السائدة بشأن بنية النظام الدولي في المستقبل، حيث يرى أن الصين إلى زوال، أو حسب تعبيره ستتحول مع عام 2020 إلى ما يصفه ب«نمر من ورق»، مختلفا بذلك مع الرأي الذي يذهب إلى أن الصين ستعد المنافس الرئيسي للولايات المتحدة، وهي الرؤى التي قدمها الكثيرون بما فيهم بعض ذوي الشأن في الولايات المتحدة.

ويبني فريدمان رأيه على أسس ثلاثة، أولها أن الصين تعد إقليما منعزلا، وإن كان مما يقوض ما يراه المؤلف في هذا الصدد أن ذلك لم يحل دون احتلال الصين مرتبة متقدمة في مراحل مختلفة من التاريخ. ثم إن الصين حسب المؤلف ليست قوة بحرية رئيسية لعدة قرون وبناء مثل هذه القوة يتطلب وقتا طويلا، ثم إن الصين ثالثا ورثت حالة من عدم الاستقرار الأصيل. وقد يبدو للوهلة الأولى أن رؤية المؤلف هنا تفتقد إلى التماسك الأمر الذي يبقى رهنا بالأخذ والرد انتظارا لما يحسمه الواقع في المستقبل.

يفند المؤلف الأطروحات التي تروج لصعود الصين والتي تنطلق من أن الوضع السكاني هناك حيث يقطن ربع سكان العالم، فضلا عن النمو المتواصل الذي يحياه اقتصادها بشكل كبير على مدى الثلاثين عاما الماضية.

ومن خلال نفي صحة هذه الفرضية يبني المؤلف تصوره باضمحلال الصين خلال السنوات العشر المقبلة. ومن الغريب هنا هو عدم تطبيق المؤلف المنطق ذاته على النمو المتواصل في بلاده.. الولايات المتحدة يقول فريدمان إن ثلاثين عاما من النمو لا تعني بالضرورة استمرار هذا النمو، بل تعني أن نمو الصين قارب على الانتهاء، مضيفا أن النمو البطيء يعني مشاكل سياسية واجتماعية. وهنا يعلن المؤلف صراحة أنه لا يتفق مع وجهة النظر القائلة بأن الصين ستصبح قوة عالمية رئيسية، ويرى أن أهمية الصين تنبع من نظرة الآخرين لها على أنها كذلك.

شكوك حول النمو الصيني

من الحجج التي يسوقها المؤلف على ذلك قوله أولا إن موقع الصين يجعلها في عزلة عن باقي العالم. وقد جرى غزو الصين مرة واحدة من قبل المغول في القرن الثاني عشر ونادرا ما توسعت فيما يتجاوز حدودها الحالية. كما أن الصين لم تنخرط على الدوام في التجارة العالمية وقد مر عليها فترات أغلقت أبوابها وتجنبت الاتصال بالأجانب. وقد واجه الأوروبيون الصين في منتصف القرن التاسع عشر على مدى فترات متقطعة.

وهنا يقدم لمحة تفصيلية عن المراحل التي مرت بها الصين خلال تاريخها وحتى العصر الحديث حيث توحدت على يد ماو اعتبارا من عام 1949 حتى وفاته وخضعت لحكومة قوية وإن واجهت في الوقت ذاته حالة من العزلة والفقر.

لقد أدت وفاة ماو بخلفائه إلى محاولة تحقيق حلم الصين القديم بأن تصبح دولة غنية وموحدة تحت حكومة قوية عبر التجارة الدولية. وقد كان خليفة ماو دينج زياو بنيج يرى صعوبة الإبقاء على الصين في عزلة على الدوام والبقاء في مأمن في الوقت ذاته.

يقول المؤلف إن اقتصاد الصين يبدو أنه يعيش مرحلة صحية وحيوية ومع ذلك فإن السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان ذلك النمو الذي تعيشه الصين مربحا أم لا؟ ويضيف أن الكثير من النمو الصيني حقيقي ويحقق الأموال الضرورية للحفاظ على رضاء البنوك، ولكن هذا النمو في الواقع لا يعزز الاقتصاد.

وخلال مراحل معينة من الركود، ومن ذلك الذي تشهده الولايات المتحدة حاليا، فإن البنية الاقتصادية للصين يمكن لها أن تنهار سريعا. ورغم أن الرد على هذا الجانب يتطلب خبيرا اقتصاديا، إلا أنه قد لا يكون من العسير التأكيد من واقع التقارير المتخصصة أن ذلك ليس صحيحا.

تجارب مماثلة

غير أن المؤلف يواصل رؤيته، مفصلا بالقول إن ما يشير إليه بخصوص مسار النمو الصيني ليس قصة جديدة في آسيا، حيث واجهت اليابان من قبل تجربة شبيهة خلال الثمانينات من القرن الماضي، إلى حد أن الحكمة التي كانت سائدة هي أن اليابان يمكن أن تطيح بالولايات المتحدة، بينما أن الحقيقة كانت تشير إلى أنه فيما أن الاقتصاد الياباني ينمو فليس هناك ما يدعمه ؟

نمو وهمي بمعنى أصح. وعندما انهار الاقتصاد الياباني شهدت اليابان أزمة بنوك حادة لم تتعاف منها تقريبا سوى بعد نحو عشرين عاما. وكذلك الأمر بالنسبة لاقتصاد شرق آسيا عندما انهار في 1997 فقد كان ذلك بمثابة مفاجأة بالنسبة للكثيرين في ضوء حقيقة النمو السريع الذي كان يقوم عليه اقتصاد هذه الدول.

من هذا التناول يشير المؤلف إلى أن الصين توسعت بشكل غير طبيعي، على مدى الثلاثين عاما الماضية، وأن مصير هذا النمو هو نفس المصير الذي واجهته اليابان والنمور الأسيوية. وإذا كانت هذه الأخيرة قد واجهت مشاكلها بطريقة أو بأخرى فإن مشكلة الصين تبقى سياسية، فما يجمع الصين هو المال وليس الأيديولوجية.

وعلى ذلك فإنه عندما تحدث ردة اقتصادية أو انهيار اقتصادي وتتوقف الأموال عن الدوران فإن ذلك سينعكس بشكل كبير على بنية المجتمع الصيني. فالولاء هناك إما أن يتم شراؤه أو فرضه. ومع عدم وجود المال الكافي، فإن الفرض يبقى هو الحل. كما أن تراجع الأعمال يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار، باعتبار النتيجة المنطقية لذلك والمتمثلة في الفشل الاقتصادي والبطالة، كل ذلك بالضرورة لا بد أن ينعكس في حالة من عدم الاستقرار السياسي.

خيارات صعبة

يخلص المؤلف إلى أن الصين أمام مفترق طرق، وأن لديها ثلاثة خيارات. أولها أن تواصل النمو على هذا النحو، وهو أمر يبدو مستحيلا، حيث لم تحققه أي دولة من قبل والصين لن تكون استثناء من هذه القاعدة. وقد أدى هذا النمو إلى اختلالات ينبغي علاجها وفي مرحلة معينة قد تجد الصين نفسها مجبرة على خوض إجراءات كتلك التي قامت بها مجموعة دول آسيا التي شهدت عملية مماثلة.

أما الخيار الثاني فهو إعادة المركزية، حيث يتم السيطرة على المصالح المتعارضة التي ستظهر وتتنافس في أعقاب الانهيار الاقتصادي من خلال حكومة مركزية تفرض النظام وتحد من قدرة المناطق على المناورة. وهذا السيناريو أكثر قابلية للتحقق من الأول.

أما الخيار الثالث فيتمثل في أنه تحت ضغط التراجع الاقتصادي ستواجه الصين خطر الانقسام على خطوط التقسيم التقليدية ما بين ما بين مناطق ذات أكثر اتصالا بالعالم الخارجي وهى الغنية وأخرى داخلية في عزلة وهي الفقيرة، فيما ستضعف الحكومة المركزية وتصبح أقل قوة. تقليديا ؟ يقول المؤلف إن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالا في الصين وهو احتمال سيحقق منفعة الطبقات الثرية وكذلك المستثمرين الأجانب.

البزوغ غير المكتمل

من الصين إلى روسيا التي يرى أنها ستلقى المصير ذاته ينتقل بنا فريدمان في كتابه، فيذكر في معرض الإشارة إلى بزوغها مرة ثانية إثر انهيار الإتحاد السوفييتي أنه في إطار علم الجيوسياسة أو الجغرافية السياسية فإن الصراعات الرئيسية تكرر نفسها.

ويضرب مثلا على ذلك بأن فرنسا وألمانيا خاضتا حروبا عدة، كما فعلت بولندا وروسيا. والقاعدة الحاكمة لهذا الوضع هي أنه عندما تفشل الحرب في حل مشكلة خاصة بالجغرافيا السياسية، فإن ذلك من شأنه أن يفرض الحرب من جديد إلى أن يتم حل تلك المشكلة بشكل نهائي.

يقول المؤلف إن روسيا تمثل الجزء الشرقي لأوروبا، وقد دخلت في صراعات مع بقية القارة في مناسبات عدة، مثل الحروب النابولونية والحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة.

لقد وقعت هذه الحروب على خلفية علاقات روسيا مع باقي أوروبا غير أن أيا منها لم يحسم في النهاية هذه المشكلة، في ضوء أن هذه الحروب كانت تنتهي في أغلب الأحوال إما بانتصار روسيا أو استمرار بقائها. المشكلة هي أن وجود روسيا موحدة يفرض تحديا محتملا أمام أوروبا.

ويشير المؤلف إلى أن روسيا تحتل منطقة واسعة ذات كثافة سكانية عالية، وهى أكثر فقرا من بقية أوروبا، ولكنها لديها من الإمكانيات ما يعزز موقعها، وتتمثل بشكل أساسي في الأرض والموارد الطبيعية. وعلى هذا النحو فقد مثلت غواية متواصلة للقوى الأوروبية والتي رأت فيها فرصة لزيادة نطاق مساحتها وثروتها في اتجاه الشرق.

يذكر المؤلف أنه على الصعيد التاريخي لم يجن الأوروبيون الذين حاولوا غزو روسيا سوى المشاكل والهزائم، إذا لم يكن على يد الروس أنفسهم، فعلى يد عوامل أخرى تتسبب في إلحاق الهزيمة بهم. وقد كانت الحرب الباردة بمثابة وضع حل لهذه المشكلة حيث فرضت أوضاعا على طرفي الصراع شروطا جعلت كلا الطرفين في مأمن من غزو الآخر له.

ومع انهيار الإتحاد السوفييتي في عام 1990، وتفككه إلى جمهوريات فإن القوى الروسية كادت أن تختفي بما تمثله من تهديد لأوروبا، غير أن ذلك لم يتم بسبب عدم الإجهاز السريع على هذه القوة من قبل المنافسين سواء أوروبا أو الولايات المتحدة، بل على العكس فإن ما قامت به الولايات المتحدة نبه الروس إلى الخطر الكبير الذي تمثله واشنطن عليهم الأمر الذي كان عاملا في يقظتهم من جديد.

إن السؤال المحوري الذي سيفرض نفسه ؟ من وجهة نظر المؤلف؟ على هذا الأساس هو أين ستقف حدود روسيا وكيف سيكون شكل علاقاتها مع جيرانها؟ يضيف أن تلك القضية ستمثل الملمح الرئيسي للفترة المقبلة من التطورات العالمية حتى 2020 والسنوات التي ستؤدي إليها.

ملامح الامتداد الروسي

على هذا النحو يتناول المؤلف بالتفصيل ملامح الصراع على خلفية هذه القضية، خلال السنوات المقبلة، مستعرضا السياسات المختلفة التي ستسعى إليها روسيا لتعزيز موقعها سواء على صعيد دول الاتحاد السوفييتي السابقة أو على الصعيد الأوروبي وردود الفعل على هذه التحركات.

يقول فريدمان إنه خلال المرحلة الأولى من إعادة بروز روسيا حتى 2010 أو نحو ذلك، سيواجه ذلك الأمر بموقف يقلل من قيمتها، حيث سينظر إليها على أنها بقايا دولة وذات اقتصاد يفتقد للفعالية، وضعيفة عسكريا.

وخلال العقد التالي، ومع تزايد المواجهات على حدودها بشكل ينبه جيرانها إلى ما يجرى داخلها فإن القوى الكبرى في النظام الدولي ستستمر على موقفها الذي لا يبدي اهتماما كبيرا بما يحدث هناك. وهنا يقول المؤلف إن الولايات المتحدة بشكل خاص تتجه إلى التقليل من أعدائها ثم التضخيم من شأنهم.

وعلى ذلك فإنه مع حلول منتصف العقد ؟ 2015 ؟ فإن الولايات المتحدة سوف تبدي قدرا من الانتباه لروسيا. ويضيف: هنا يمكن ملاحظة قضية بالغة الأهمية، فالولايات المتحدة رغم ما هي عليه من مزاجية، إلا أنها على الصعيد الفعلي، كما نرى، تنفذ سياسة خارجية بالغة الرشادة. وعلى صعيد القضية التي يتناولها المؤلف هنا يقول إنها ستسعى إلى تقييد حركة روسيا دون المغامرة بالدخول معها في حرب.

فإذا كان صعود روسيا محدودا، فسيسيطر الروس على وسط آسيا والقوقاز، وربما يبتلعون مولدوفيا ولكن لن يكون في إمكانهم السيطرة على دول البلطيق، أو الهيمنة على أي دولة في غرب الكارباثيان ؟

جبال في تشيكوسلوفاكيا. وإذا ما تمكن الروس من ابتلاع البلطيق والحصول على حلفاء بارزين في البلقان مثل صريبا وبلغاريا واليونان أو دول وسط أوروبا مثل سلوفاكيا، فإن المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا ستكون أكثر حدة ورعبا. وإن كان المؤلف يشير إلى أن ذلك في النهاية لن يعني الكثير بالنسبة للولايات المتحدة، فالقوة العسكرية الروسية ستكون في حالة تحول دون مواجهة القوة العسكرية الأمريكية التي ستقرر الولايات المتحدة استخدامها في مواجهة الخطوات الروسية.

وبغض النظر عن ما ستقوم به بقية دول أوروبا، فإن بولندا وجمهورية التشيك والمجر ورومانيا ستكون ملتزمة بمواجهة التقدم الروسي، وستجري أي اتفاق مع الولايات المتحدة تريده هذه الأخيرة من أجل الحصول على مساندتها. وعلى ذلك فإن الخط الفاصل حينئذ سيكون مرسوما في جبال الكربات هذه المرة بدلا من ألمانيا، كما كان خلال الحرب الباردة. وستكون سهول بولندا الشمالية الخط الرئيسي للمواجهة ولكن الروس لن يتحركوا عسكريا.

ظروف غير مواتية

إن الأسباب التي ستشعل هذه المواجهة وما سيتمخض عنها من نتائج ستكون على شاكلة الحرب الباردة مع جهد أقل للولايات المتحدة هذه المرة. وإذا كان مركز الحرب الباردة هو وسط أوروبا فإن المواجهة المحتملة ستحدث أكثر قربا إلى الشرق، وإذا كانت الصين حليفا لروسيا في البداية خلال الحرب الباردة، فإن الصين ستكون خارج اللعبة في المواجهة الثانية.

وفيما كانت روسيا تسيطر بشكل كامل على القوقاز، فإنها الآن لا تتمتع بهذه الميزة، وستواجه الضغط التركي والأمريكي في الشمال. وخلال الحرب الباردة كان عدد روسيا بالغ الضخامة، ولكن الآن بفعل تفكك الاتحاد السوفييتي انخفض بشكل كبير. نتاج هاذ الوضع حسبما يتوقع المؤلف هو انكسار روسيا وتفككها لتكون تلك المرة الثالثة بعد 1917 و1991 وخلال 2020.

الصفحات: 253 (متوسط)

الكتاب: المئة عام المقبلة

تأليف: جورج فريدمان

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: دبل داي، نيويورك، 2009