يشكل الحرم الجامعي في كثير من الدول فضاءً ومتنفساً للشباب سيما في اليمن التي تفرض فيه رقابة اجتماعية وثقافية وأخلاقية شديدة على الفرد الأمر الذي يجعل منه مكاناً مختلفاً يفلت فيه الشاب من الرقابة الأسرية والاجتماعية الصارمة، ويتحرر فيه من القيود التي تكبل حريته وتحظر عليه الاختلاط في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي.
الدكتور أحمد رفيق أستاذ جامعي يقول بطبيعة الحال الحرم الجامعي فضاء مفتوح والجامعة من اسمها تعتبر مكاناً تجتمع وتلتقي فيه كل الفئات والشرائح الاجتماعية، زد على ذلك أن الدراسة في اليمن تقوم في الغالب الأعم على الفصل بين الجنسين في مرحلة التعليم الأساسي والثانوي، وعندما ينتقل الطالب والطالبة إلى الجامعة يصبحان في مكان تتاح لهما فرصة الاختلاط ما يؤدي إلى نسج علاقات مختلفة الغايات والأهداف بعضها زمالة بريئة وبعضها عاطفية، ومنها علاقات نفعية لأننا في بيئة منفتحة الدارس والدارسة يعيشان حالة تحرر من الرقابة والقيود.
ويشير رفيق إلى أن ثمة عوامل تحتم تزايد العلاقات بين الطالب والطالبة منها سيكولوجية: وهي أن الفتاة التي غالباً ما تكون خاضعة لرقابة شديدة، وتعاني من عزلة كبيرة عن المحيط الذكوري تكون أكثر ميلاً إلى التعبير عن ذاتها وإثبات كيانها.
وبفعل هذا الشعور الملازم لها تعمد للبحث عن علاقات ليست بالضرورة في كل الحالات عاطفية، بل أحياناً علاقات ندية، الدافع منها إبراز الذات المقهورة، هناك أيضاً عوامل اجتماعية واقتصادية تحفز على إقامة علاقات عاطفية بهدف الزواج. فالمجتمع اليمني، فتي تغلب عليه الفئة العمرية الشابة ونتيجة للظروف الاقتصادية التي طرأت على أوضاع البلاد في العقدين الأخيرين وما ترتب عليها من صعوبات أدت إلى العزوف عن الزواج لذلك فإن مسألة الظفر بزوج أو زوجة خاصة في الوسط الطلابي تفرض نفسها بقوة على الجميع.
تزجية فراغ
عامر طالب جامعي من وجهة نظره يرى أن العلاقات داخل أسوار الجامعة التي تنشأ بين الشاب والشابة أكثرها من قبيل تزجية الوقت أو قتل الفراغ والتسلية. مؤكداً أن جل العلاقات العاطفية المتولدة في إطار الفترة الدراسية تنتهي بانتهاء تلك المرحلة ومن النادر إن تنتهي إلى زواج.
أما الباحث والكاتب أحمد مطهر فيشاطر عامر فيما ذهب إليه، جازماً بأن حوالي 99 بالمئة من العلاقات العاطفية والغرامية التي تتولد في إطار الحرم الجامعي هي من قبيل تمضية الوقت، لأن الطالب اليمني على حد رأيه، وبحكم الثقافة التقليدية المحددة لسلوكه يقيم تلك العلاقة وهو على يقين تام بأنها لا يمكن أن تتطور إلى زواج بمن يقيم علاقة معها، لأنه بحكم ثقافته الموروثة والسائدة داخل المجتمع يرى أن الفتاة التي قبلت أن تقيم علاقة معه دون علم أهلها وتتواصل معه بالهاتف، يمكن أن تقييم علاقات مماثلة مع غيره.
ولذلك يزعم مطهر أن كل العلاقات التي تنشأ في الحرم الجامعي علاقات عابرة لا تدوم، بل تنتهي إلى الفشل، والضحية في هذه العلاقة حسب ما لمسه مطهر خلال دراسته الجامعية هي الفتاة التي ينطلي عليها خداع الشاب. موضحاً ذلك بقوله: «مع الأسف النسبة الغالبة من الفتيات يصدقن ما يقال لهن، ربما لأنهن إما عاطفيات أو يحاولن تجنب العنوسة، فالرجل يمكنه أن يبقى دون زواج حتى الأربعين من العمر دون أن يصبح عرضة للرفض إن أراد الزواج من أي فتاة حتى ولو كانت تصغره في العمر بعدة سنوات عكس الفتاة».
محمد المتخرج من كلية التجارة بجامعة صنعاء بدوره يرى أن العلاقات التي تتطور في الحرم الجامعي بين الطالب والطالبة إلى زواج قليلة جداً ولا تتجاوز الثلاثة بالمئة، فضلاً عن ذلك فكثير من تلك الزيجات تنتهي إلى الفشل بسبب ما يعتبره نزوع المرأة المتعلمة للتسلط، وبأنها ند للرجل.
ثقافة تقليدية
وتقول سمية طالبة جامعية ان العلاقة العاطفية داخل الفضاء الجامعي قليلة جداً، لأن الفتاة التي تسلك هذا الطريق فتاة غير مقبولة اجتماعياً وأخلاقياً. وترى أن انخفاض العلاقة وكذا تواضع معدل الزيجات من داخل الحرم الجامعي يعود إلى هيمنة الثقافة التقليدية التي مازالت تحدد السلوك العام في اليمن.
وأشارت إلى أن اليمن تسوده ثقافة اجتماعية ضبابية ترتكز على تقسيم المجتمع إلى شرائح اجتماعية عليا ومتوسطة ودنيا وغير مسموح فيها بالتزاوج فيما بينها، بل إذا ما فكر شخص ما سواء كان طالباً أو طالبة ينتمي أو تنتمي لشريحة من الشرائح العليا وترغب أو يرغب في الزواج من شريحة اجتماعية تصنف بأنها أدنى مرتبة فإن ذلك الزواج يعد من قبيل التنازل عن المكانة الاجتماعية.
الخلاصة أن الفضاء الجامعي اليمني ورغم ما يشكله من أطر متعددة إلا انه لا يزال يخضع لمعطيات الواقع التقليدي اليمني، الذي لم يترك لتلك الأطر أن تتشكل وتستقل بمنظومتها، نتيجة لحداثة الانفتاح المجتمعي على التعليم الجامعي وغلبة المكون القبلي والقروي على سكانه بنسبة تقدر بنحو 75 بالمئة من إجمالي السكان.
صنعاء ـ محمد الغباري
