«خدعني بكلامه المعسول.. صنع لي قصوراً من الخيال.. أوهمني بأن عش العصفورة يسعنا حتى ننتهي من دراستنا ثم سيتقدم للزواج مني رسمياً.. لأن أهله يرفضون زواجه أثناء الدراسة.. أفهمني أنني زوجته أمام الله ورسوله.. وأننا لن نكون أول ولا آخر من سيتزوج عرفياً وأن المئات بل الآلاف بالجامعات متزوجون عرفياً، وأن ورق الزواج العرفي يباع أكثر من المذكرات والكتب الدراسية.. صدقته وأمنت له ومع مرور الوقت اكتشفت مدى الخداع والكذب والسراب الذي كنت أعيش فيه..
وأنه لا يفرق كثيراً عن أية بهيمة شهوانية لا تريد سوى إشباع رغباتها وشهواتها.. ومرت الشهور والسنين ليعلن رفضه الزواج مني بحجة أن الزواج الرسمي لن يضيف شيئاً إلى حياتنا وإنما سيجلب المشكلات والخناق والخلافات كما أن حالته المادية التي اكتشفت حقيقتها لا تساعده على الارتباط الرسمي حالياً.. الأكثر من ذلك أنه يرفض تطليقي كما أنه يرفض زواجي من أي شخص آخر بحجة أنه يعتبر زواجنا صحيحاً ورسمياً.. والآن أنا لست مطلقة ولا متزوجة».
في هذا الإطار أو ما شابه ذلك تدور قصص وحكايات آلاف المتزوجات عرفياً في عالمنا العربي وخاصة طالبات الجامعات أو اللائي تزوجن أثناء دراستهن الجامعية، حيث توجد النسبة الأكبر لتلك الظاهرة داخل أسوار الحرم الجامعي وغالباً ما تبدأ بالصداقة أو الزمالة ثم تتطور الأمور لتصل إلى الزواج العرفي أو الزواج السري.
الأخطر من ذلك أن كثيراً من الشباب والفتيات يرون أن الزواج العرفي من خلال الورقة التي تباع على الرصيف، أو في الأكشاك والمحلات المحيطة بالحرم الجامعي، أصبح موضة قديمة وأخذوا يتفننوا في ابتكار الأساليب المختلفة التي يعتبرونها تساير التطور الحديث والعصري وأنه يمثل الجيل الثالث والرابع والخامس من الزواج العرفي العصري الذي يتناسب مع القرن الحادي والعشرين.
ظاهرة مقلقة
الدكتورة عزة كريم خبيرة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، كشفت عن أن الزواج العرفي في الوطن العربي أصبح ظاهرة مقلقة بعد انتشارها في صفوف الشباب بشكل كبير وخاصة بين طلاب وطالبات الجامعة بغض النظر عن طبيعة المجتمع ونوعيته وتقاليده وقيمه.
ونوهت إلى وجود أكثر من 15 ألف دعوى لإثبات بنوة المواليد من زواج عرفي في مصر فقط، حيث إن معظم الشاكيات كن يتقدمن بقضاياهن مصطحبات معهن أطفالهن على أمل إثبات بنوتهم بعد أن تنكر الزوج من الزواج ورفض الاعتراف ببنوة ابنه أو مزق ورقة الزواج العرفي.
وأرجعت الدكتورة عزة كريم سبب الزواج العرفي إلى ارتفاع تكاليف الزواج والمغالاة في المهور، وارتفاع نسبة العنوسة خاصة بين الفتيات وزيادة معدلات الطلاق بالإضافة إلى تخوف عدد كبير من الفتيات من الزواج نفسه بسبب المشكلات الأسرية التي تعرضن لها طيلة حياتهن ومعاناة أمهاتهن من الزواج ومسؤولياته.
وأوضحت ان ما تسبب في انتشار الزواج العرفي أكثر وأكثر في الدول العربية هو اقتناع الشباب بمشروعية الزواج العرفي خاصة بعدما أفتى بعض علماء الدين بأن الزواج يعد صحيحاً بتوافر شاهدين وعرض وقبول، مضيفة ان العيوب الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً في تفاقم ظاهرة الزواج العرفي والسري، منها ارتفاع تكاليف الزواج من حيث استحالة حصول الزوج على الشقة والعمل.
صور جديدة
ومن جانبها، كشفت أستاذة علم النفس بجامعة عين شمس الدكتورة داليا مؤمن عن انتشار صور جديدة من الزواج بين صفوف الشباب في الوطن العربي خاصة طلبة الجامعات مثل الزواج بالكاسيت، حيث يقوم الشاب والفتاة بتوثيق عقد زواجهما على شريط كاسيت ويقر فيه أيضاً الشاهدان بشهادتهما على الزواج كما يقر المتزوجان فيه بأن يظل هذا الزواج سراً إلى أن تحين الفرصة المناسبة لإعلانه ويتم الاحتفاظ بهذا الشريط في مكان يعلمه الطرفان ويكون الطلاق بنفس الطريقة بأن يتم تسجيل الانفصال على نفس الشريط.
وقالت «إن كثيراً من الشباب في الجامعات العربية يلجأون إلى حيلة مسح هذا الشريط أو التخلص منه بعد فترة وجيزة منه مستغلين انشغال الفتيات بالسعادة الزوجية المزعومة لتفاجأ الفتاة بعد فترة أنه لا يوجد أي إثبات أو دليل على علاقتها بالشاب وتجد نفسها أصبحت في الهواء خاصة أن الشاهدين يكونان دائماً من أصدقاء الشباب بحجة الحفاظ على سرية الزواج وكثيراً ما تكون هذه العملية تبادلية بمعنى أن الشاهد في الزواج هو عريس في زيجة أخرى والعريس هو الشاهد له وهكذا».
وأضافت «ان من صور الزواج التي ظهرت أخيراً أيضاً وانتشرت بشكل كبير في الجامعات العربية منها «الزواج بالدم» حيث يقوم الشاب بجرح إصبع الإبهام الأيسر لقربه من القلب وتفعل الفتاة الشيء نفسه ويتم وضع الإصبعين على بعضهما لبرهة من الزمن حتى تختلط دماؤهما، اعتقاداً بأنهما عبر هذه الطريقة لا يفترقان أبداً، ويشهد على ذلك شاهدان من أصدقائهما».
أما النوع الثالث الذي ثبت أيضاً انتشاره من باب التغيير والتطوير و«الروشنة»، كما تقول الدكتورة داليا مؤمن، هو الزواج بالوشم ان يتم رسم صورة الفتاة واسمها على صدر الشاب بينما يتم رسم صورة الشاب وكتابة اسمه على كتف الفتاة وبالتالي يصبحان زوجين للأبد، فهذا الوشم لا يزال إلا بماء النار.
وأرجعت الدكتورة داليا مؤمن ذلك إلى غياب القدوة وافتقاد الرعاية الأسرية، ووجود فراغ ديني وثقافي وسياسي، والهروب من الضغوط والمشكلات المختلفة، وكذلك الرغبة في مسايرة المظاهر الخارجية والأجنبية وللأسف فشبابنا لا يختار إلا أسوأ ما في الغرب ويسعى إلى تقليده تقليداً أعمى من دون تفكير.
انتقاد عنيف
ومن جانبه، انتقد رئيس جامعة الأزهر الأسبق الدكتور عبدالفتاح الشيخ بشدة مثل هذه الظواهر السلبية وانتقد بعنف تخاذل الفئات المنوط بها تحمل المسؤولية أمام الله قبل أي جهة أخرى وخاصة علماء الدين الذين لم يقوموا بدورهم كما يجب في رعاية وتنشئة هذا الشباب التنشئة الإسلامية الصحيحة وتعريفهم بصحيح الدين.
كما انتقد الأجهزة المسؤولة في الدول العربية والإسلامية لعدم توفير أنشطة ووسائل مناسبة يمكن أن تستفيد من جهد ووقت وتفكير الشباب بدلاً من أن ينصرفوا إلى التفكير فيما يضر ولا ينفع فيه وفيما يغضب الله ويخلق الكثير من المشكلات والقضايا للدولة والمجتمع هم في غنى عنها.
وطالب بإعادة النظر في تقنين إباحة الزواج العرفي في الدول العربية، مشيراً إلى أن إباحته كانت لتدارك أخطار كبيرة نتجت عن ظهوره في فترة من الفترات فقد كانت الرؤية أن يباح لدفع الضرر الذي يمكن أن يلحق بعدد كبير، إلا أن هذه الإباحة استغلت أسوأ استغلال من جانب الساعين للعيش في الظلام مثل الخفافيش لإشباع رغباتهم وشهواتهم هروباً من الحقوق ومما فرضه الله عز وجل وأوجب على الجميع الالتزام به.
القاهرة ـ سباعي إبراهيم
