اجتمع الرئيس الأميركي باراك أوباما في ثاني أيام زيارته إلى روسيا أمس برئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين حيث أعرب عن تفاؤله بوجود فرصة قوية لتمتين علاقات البلدين، مؤكداً أن بلاده ستتخلص من الدرع في حال التخلص من الخطر النووي الإيراني، فيما أكد بوتين أن الاجتماع كان جيداً وحمل الكثير من نقاط، في وقتٍ شدد فيه أوباما في كلمةٍ أمام طلاب مدرسة روسية على أن زمن الإمبراطوريات ولى، مطالباً موسكو بفعل المزيد في مجال الديمقراطية ومكافحة الفساد والتعاون في ما يخص كوريا الشمالية وإيران، ومعدداً أربع مجالات تتطابق فيها مصالح البلدين.
وفي مستهل اللقاء، شكر أوباما رئيس الوزراء الروسي الذي يلتقيه للمرة الأولى على «اقتطاعه جزءاً من وقته» للقائه، فيما ألمح بوتين بدوره إلى أن العلاقات بين واشنطن وموسكو «انتابها في السابق فترات من الكآبة» على حد وصفه. وأضاف: «نعلق عليك آمالنا في تعزيز العلاقات بين الدولتين»، في حين أعرب أوباما عن تفاؤله بوجود «فرصة قوية لإقامة علاقات على أساس متين»، مشيراً إلى أنه «على دراية بالعمل المميز الذي أنجزه بوتين عندما كان رئيسا لروسياً والذي يعمل على إنجازه حالياً بوصفه رئيسا للوزراء».
ونقل عن أوباما قوله «أن الدرع الصاروخي سيهمل ويتم التخلص منه إن أصبح العالم أكثر أمناً بعد التخلص من البرنامج النووي الإيراني».
وقال رئيس الوزراء الروسي إن الاجتماع «كان جيداً للغاية وحمل الكثير من الإيجابيات والنقاط المشتركة وتناول قضايا تعود إلى أعوام سابقة». وشدد سيد البيت الأبيض على اهتمامه «بالتعامل مباشرة مع مدفيديف، ولكن أيضاً بالتواصل مع رئيس الوزراء بوتين وكل القطاعات المؤثرة في المجتمع الروسي».
ووصفت مصادر في البيت الأبيض اللقاء الذي جمع أوباما وبوتين بأنه «ناجح تماماً ويتسم بالصراحة والانفتاح والاحترام».
ولفتت المصادر، التي رفضت الكشف عن هويتها، أن هناك بعض الخلاقات التي ظهرت خلال الاجتماع الذي استمر ساعتين في وقتٍ مبكر من صباح أمس خاصةً فيما يتعلق بالدرع الصاروخية وجورجيا، مضيفةً أن المحادثات «كانت مهمة للغاية لدرجة أنها استغرقت فترة أطول مما كان مخططاً له».
وأكدت أنها كانت «مشجعة ووضعت الأساس لمحادثات جديدة بين الطرفين»، مشيرةً إلى أن الطرفين «اتفقا على ضرورة العمل بشكل مشترك من أجل حل المشكلات والإنصات بشكل أفضل في المستقبل والأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر الطرف الآخر فيما يخص جورجيا وأوكرانيا وطبيعة العلاقات الروسية الخاصة مع هاتين الدولتين».
خطاب مدرسي
وكان جدول أعمال أوباما حافلاً أمس، فبالإضافة إلى لقاءٍ ثانٍ جمعه بمدفيديف وحضوره قمة لرجال الأعمال الروس والأميركيين، ألقى الرئيس الأميركي كلمةً أمام طلبة المرحلة النهائية في المدرسة الاقتصادية الحديثة في العاصمة موسكو. ولفت أوباما في كلمته إلى أن البلدين «ليسا عدوين قدريين»، مستطرداً بالقول إن «السعي لاكتساب القوة لم يعد لعبة تنازلية بعد الآن، فالتقدم أمر لا بد من المشاركة فيه مع الآخرين».
واستغل أوباما الخطاب لتوضيح رؤيته الخاصة بمكانة الولايات المتحدة في العالم مشدداً على أن واشنطن «تريد روسيا قوية مزدهرة تنعم بالسلام». وعدد سيد البيت الأبيض المجالات التي تتطابق فيها مصالح بلاده بتلك الروسية منوهاً إلى أن «أولها وقف انتشار السلاح النووي وثانيها مواجهة عنف المتطرفين وثالثها تأمين الرخاء الاقتصادي ورابعها تحسين حقوق الشعوب وآخرها تعزيز التعاون من غير المساس بمسألة السيادة».
وإذ عرض العديد من القضايا التي تمثل مصالح مشتركة، من التصدي لانتشار الأسلحة النووية إلى البيئة، دعا أوباما روسيا إلى الانضمام للجهود الأميركية بهدف مواجهة التحديين النوويين الإيراني والكوري الشمالي. وأكد أن «كافة هذه التحديات تستدعي شراكة عالمية، وهذه الشراكة ستكون أقوى إذا تبوأت روسيا موقع القوة الكبرى التي ينبغي أن تكونها».
واعتبر أن «الزمن الذي كانت فيه الإمبراطوريات تريد التحكم في الدول ذات السيادة مثل بيادق في لعبة شطرنج ولى»، في إشارة إلى اللقاءات التي عقدها الرئيس الأميركي الراحل تيودور روزفلت رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل والزعيم السوفيتي الراحل جوزيف ستالين والتي كانت تنتهي بإعادة رسم خريطة العالم.
ولكن أوباما تطرق أيضا إلى التحديات داخل روسيا وعلى الأخص في مجال الديمقراطية ومكافحة الفساد. وقال إن «أميركا ليست هي الكمال، ولكن الإعلام المستقل كشف الفساد على مستوى الشركات والحكومة. كما أن الانتخابات التنافسية سمحت بتغيير التوجهات»، مضيفاً: «وإذا لم تنجح الديمقراطية الأميركية في تطوير هذه الحقوق، فلم أكن كشخص من أصول أفريقية لأتمكن من إلقاء هذه الكلمة عليكم كمواطن أميركي، فضلا عن كوني رئيسا للولايات المتحدة».
واعتبر أن واشنطن «لا تحاول فرض أي نوع من الأنظمة على أي دولة أخرى»، مشدداً على أن «حلف ناتو يسعى للتعاون مع روسيا وليس مواجهتها». ودعا أوباما أيضاً إلى إطلاق «شراكة تشمل الشعبين وليس فقط حكومتي البلدين»، لافتاً إلى ضرورة «الامتثال لسيادة دولة القانون». وذكر في هذا الصدد أن «مسار التاريخ يظهر لنا أن الحكومات التي تعمل في خدمة الشعب تستمر وتزدهر، وليس تلك التي لا تخدم سوى قوتها الخاصة»، موضحاً أن «الحكومات التي تمثل رغبة شعوبها تعتبر أقل خطراً على جيرانها فضلاً عن كونها شريكة تجارية أكثر مصداقية».
(وكالات)
