دشن الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري مدفيديف عهد العلاقات الدافئة في مستهل زيارة أوباما الأولى إلى العاصمة الروسية موسكو منذ تسلمه سدة الحكم بتوقيع اتفاق، من إجمالي ثمانية، فيما يخص خفض الترسانة النووية إلى حدود 1500-1675 رأسا تمهيداً لاستبدال «ستارت 1»، بالتزامن مع اتفاقهما أيضاً على السماح للإمدادات العسكرية الأميركية بعبور الأراضي الروسية في طريقها إلى أفغانستان، فيما عاودا في الوقت ذاته تعاونهما العسكري الذي كان علق العام الماضي.
وفي المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان مدفيديف وأوباما، إثر محادثتهما التي دامت أربع ساعات، أكد الرئيس الأميركي على أنه «عازم على إطلاق العلاقات للتعاون في المجالات المشتركة»، منوهاً إلى أنه «يتوجب ضمان أن الدول الأخرى ككوريا الشمالية وإيران تلتزمان بوقف برنامجهما النووي والانضواء تحت الالتزامات الدولية حتى يتوقف التهديد لمنطقتيهما». أما الزعيم الروسي فقال إنه «ناقش الوضع في أفغانستان ومؤتمر موسكو للسلام في الشرق الأوسط»، واصفاً ما تم التوصل إليه بـ «الفتح» على مستوى العلاقات لما فيه «مصلحة» لكلا الطرفين. وشدد على استمرار الخلافات بشأن الدرع الصاروخية.
وأكد مدفيديف بحثه العديد من القضايا مع أوباما من بينها أمور خاصة بالاقتصاد والأمن الدوليين ونزع السلاح. وأضاف: «نتمنى أن تتكلل هذه المحادثات بالنجاح»، معرباً عن أمله في أن يقوم البلدان «بطي الصفحات الصعبة» التي شهدتها العلاقات في الأعوام الماضية و«فتح صفحات جديدة».
وتابع قائلاً: «نأمل في إغلاق سلسلة من الصفحات الصعبة في تاريخ العلاقات الروسية الأميركية وفتح صفحات جديدة». ورد عليه الرئيس الأميركي بالقول: «إذا عملنا بجهد في اليومين المقبلين، فيمكننا إحراز تقدم كبير».
وكان أوباما أعرب فور وصوله إلى مقر الرئاسة الروسية (الكرملين) أمس واجتماعه بنظيره الروسي في القاعة الخضراء، عن ثقته من أن المناقشات التي أجراها «يمكن أن تحقق تقدماً غير عادي» مع روسيا بشأن «مجموعة من القضايا»، مشيراً إلى أنه واثق من «إمكانية البناء على المناقشات الممتازة» التي أجراها سابقاً في العاصمة البريطانية لندن مع الرئيس الروسي.
وأردف أوباما قائلاً إن الأمر يتعلق ب«مجموعة كبيرة من القضايا بما في ذلك المسائل الأمنية والقضايا الاقتصادية والبيئية وأمور الطاقة»، منوهاً إلى أن ما بين واشنطن وموسكو «العديد من المسائل المشتركة التي تفيد شعبي البلدين تجعل ما يجمعهما أكثر مما يفرقهما من الخلافات».
اتفاقات ثنائية
وأعلن الرئيسان التوقيع على ثمانية اتفاقات من بينها إطار اتفاق أشبه ب«خريطة طريق» بشأن سير مفاوضات تخفيض الترسانة النووية الإستراتيجية التي ستستبدل بالتدريج معاهدة «ستارت 1» التي ينتهي العمل بها نهاية العام الجاري. ولفتا إلى أن اتفاق الإطار يسمح بخفض الترسانة النووية لتصبح 1500-1675 رأس لكل طرف، على أن يصلا إلى هذا الرقم في خلال سبعة أعوام من دخول المعاهدة الجديدة حيز التنفيذ.
كما نص على تخفيض أنظمة الإطلاق النووي إلى ما بين 500 و1100 وحدة فقط لكل جانب، فيما سيتم استكمال اتفاق ملزم قانوناً بشأن الأسلحة النووية بحلول نهاية العام الجاري يحل مكان «ستارت 1».
وفضلاً عن ذلك، وقع الجانبان اتفاقاً يسمح للإمدادات العسكرية الأميركية بعبور الأراضي الروسية متجهةً إلى أفغانستان حيث سيسمح ذلك بتوفير 133 مليون دولار سنوياً على واشنطن بالإضافة إلى تهيئة الفرصة لقرابة 4500 رحلة جوية دون نفقات ملاحية سنوياً عبر المجال الجوي الروسي. كما وقعا اتفاقاً رفعت بموجبه موسكو القيود عن صادرات الماشية الأميركية.
وبرزت خلافات بشأن الدرع الصاروخية، حيث تم التأكيد على «مراجعة أكبر لسبل التعاون» بشأن المشروع. إذ أشار بيان مشترك صادر عن أوباما ومدفيديف إلى أن البلدين «سيكثفان البحث عن طرق لتقوية العلاقات وتحليل مخاطر الصواريخ البالتسية»، مضيفاً أن الخبراء الروس والأميركيين «سيحضرون توصيات بخصوص الأمر بعد تمحيص عميق». ودعا الجانبان الدول التي تمتلك القدرات الصاروخية إلى «ضبط النفس عن أي تصرفات يمكن أن تقود إلى إنتاج الصواريخ».
مصير المفقودين
وأعلن البيت الأبيض في بيانٍ أمس عن توصل واشنطن إلى اتفاقٍ رابعٍ لإنشاء لجنة مشتركة تسعى لمعرفة مصير أفراد الخدمة العسكرية المفقودين من كلا البلدين منذ الحرب العالمية الثانية.
وستتألف اللجنة من أربع منظمات تعمل لكشف مصير الجنود المفقودين منذ الحرب العالمية الثانية وحربي كوريا وفيتنام والحرب الباردة علاوةً على حرب أفغانستان. كما تم إقرار تشكيل لجنة حكومية برئاسة أوباما ومدفيديف للتعاون في مجالات تهريب المخدرات والطاقة ومكافحة الإرهاب وتنمية التعاون التجاري والعلمي.
واتفق رئيس الأركان الأميركي مايك مولن ونظيره الروسي على معاودة التنسيق العسكري، مشتملاً على مناورات مشتركة للتدرب على خطف طائرات، والذي كان علق إثر الحرب الروسية على جورجيا صيف العام الماضي على أن يجتمع الأفراد العسكريون 20 مرة سنوياً. ومن المقرر أن يجتمع سيد البيت الأبيض خلال زيارته أيضاً بأقطاب المعارضة الروسية كما سيلتقي بآخر رؤساء الاتحاد السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف قبل أن يلقي كلمة مهمة أمام الطلبة الروس في إحدى الجامعات.
أقمار وشكوك
وبالتزامن، نقلت وكالة أنباء «إنترفاكس» عن الناطق باسم القوات الفضائية الروسية إليكسي زولوتوكين قوله إن موسكو أطلقت صباح أمس بنجاح ثلاثة أقمار صناعية عسكرية من قاعدة بليستسك شمال البلاد.
وذكر زولوتوكين أن الأقمار الصناعية أطلقت بواسطة الصاروخ «روتوك» على أن توضع في المدار لحساب وزارة الدفاع الروسية. وأوضح أن عملية الإطلاق هذه هي السادسة عشرة التي تجريها القوات الفضائية الروسية منذ بدء العام الجاري.
وعشية القمة، أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة ماريلاند الأميركية أول من أمس أن نحو ثلاثة أرباع الروس يعتقدون أن الولايات المتحدة تسيء استغلال قوتها كما أن عدداً قليلاً منهم يثق في السياسة الخارجية لأوباما.
ووجد الاستطلاع أن اثنين في المئة فقط من الروس لديهم «ثقة كبيرة» في أن أوباما سيفعل الصواب في ما يخص الشؤون العالمية، فيما ذكر 55 في المئة منهم أنهم «لا يثقون أو ليس لديهم ثقة كبيرة» بأوباما. وقال 21 في المئة أن لديهم «بعض الثقة»، في حين أشار البقية إلى أنهم لا يعرفون. وارتفع عدد الأشخاص الذين قالوا إن واشنطن تسيء استخدام قوتها من 69 العام الماضي إلى 75 في المئة.
مع الزيارة
ميشيل أوباما تزور متاحف الكرملين
قامت عقيلتا الرئيسين الروسي سفيتلانا ميدفيديفا والأميركي ميشيل أوباما بجولة في متاحف كرملين موسكو. وتجولت ميشيل وكريمتاها ساشا وماليا متحف السلاح ومتحف الرصيد الماسي، وكاتدرائية صعود العذراء. وشاهدت العائلة الرئاسية الأميركية مجموعة من بدلات التتويج القديمة من الفترة الممتدة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وبدلات الطقوس الدينية وأوسمة ونياشين ورايات وطنية عريقة وأدوات المراسم.
رسائل أميركية إلى الكسندر الثاني
سلم مدفيديف نظيره الأميركي أوباما صورة مستنسخة لشهادة بعنوان «يتقدم سكان الولايات الأميركية الشمالية بالإعراب عن امتنانهم للالكسندر الثاني على تعاطفه ومساعدته إبان الحرب الأهلية». وتزين الشهادة التي تعود لعام 1866 رسوم ترمز إلى الإمبراطورية الروسية والولايات الأميركية الشمالية. ففي يسارها لنكولن محاط بالعبيد الذين تم تحريرهم، وفي اليمين القيصر الكسندر الثاني محاط بالفلاحين الذين جرى عتقهم. كما سلم مدفيديف ضيفه صورا مستنسخة لرسائل من المراسلة بين الكسندر الثاني وأبراهام لنكولن. وبين هذه الوثائق صور مستنسخة ل10 رسائل باللغتين الفرنسة والروسية، وكذلك صورة مستنسخة لرسالة من لينكولن إلى الكسندر الثاني.
من الحدث
باقة زهور
كان الرئيس الأميركي باراك أوباما هبط مع أفراد عائلته في مطار فنوكوفو في العاصمة موسكو وسط أجواء باردة وممطرة بشكلٍ لم تعتده العاصمة في مثل هذا الوقت من العام حيث كان في استقباله نائب وزير الخارجية سيرغي ريباكوف. وعلى الفور، توجه أوباما إلى ضريح الجندي المجهول أمام الكرملين حيث وضع باقة من الزهور تكريماً لضحايا الحرب العالمية الثانية.
أوباما وبوتين
يعقد أوباما اجتماعاً محرجاً اليوم مع رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بعد أن كان انتقده في وقتٍ سابق ووصفه بأنه «غارق في فكر الحرب الباردة»، وقارن بينه وبين مدفيديف الذي اختاره بوتين لرئاسة البلاد بشكلٍ سلبي. ورد بوتين حينها أن الشعب الروسي «يقف راسخ القدمين»، معرباً عن أمله في أن يغير الرئيس الأميركي من نظرته حياله.
تجاهل إعلامي
لم يبث التلفزيون الروسي أمس نبأ وصول أوباما إلى العاصمة موسكو على الهواء مباشرةً على غير ما كان متوقعاً. كما لم يظهر في شوارع العاصمة الروسية الكثير من علامات الهوس بالرئيس الأميركي. وبثت محطة الرياضة الرئيسية مباراة معادة بكرة القدم أثارت العديد من الجدل من الدوري الروسي قبيل إعلان الطرفين التوصل إلى اتفاق إطار.
16780
يقيم أوباما وزوجته ميشيل ثلاث ليال في جناح في فندق «ريتز كارلتون» أحد فنادق العاصمة الروسية تبلغ مساحته237 متراً مربعاً. ويتيح الجناح منظراً خلاباً للكرملين و«الميدان الأحمر»، وله نوافذ وأبواب مصفحة وتصميم على النمط الإمبراطوري الروسي. وتبلغ كلفة الليلة الواحدة فيه 16780 دولارا. وكان الرئيسان السابقان جورج بوش وبيل كلينتون أقاما في فندق «ماريوت غراند» الذي يقع على مسافة أبعد من الكرملين.

