كان لتركيا وروسيا باستمرار علاقات متميزة وفريدة مع القارة الأوروبية، وهذه العلاقات المتميزة تجد انعكاساتها على سياسة الاتحاد الأوروبي حيال هذين البلدين.

ورغم أن روسيا عضو في مجلس أوروبا منذ عام 1996، إلا أن قادتها لا يطالبون أبدا بانضمام بلادهم إلى هذا الاتحاد. وما تبحث عنه روسيا مؤخرا هو الوصول إلى آليات «مشتركة» لاتخاذ القرارات مع الأوروبيين، وهذا ما جرى التعبير عنه بمشروع إنجاز «الميثاق الأوروبي للاستقرار». أما تركيا فإنها تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على قاعدة الاعتراف بقوتها، أو على الأقل تريد الحصول على مكانة «دولة شريكة». ولكنها تواجه مواقف أوروبية متباينة. ففرنسا لا تريد الذهاب أبعد من «الشراكة المتميزة» وبريطانيا تؤيد انضمام تركيا بحماس. بكل الحالات يتم وضع عقبات كبيرة أمام هذا الانضمام من بينها الجغرافيا وعدد السكان والاختلاف الثقافي.

وتبقى من المسائل الجوهرية كيفية الوصول إلى علاقات تفاهم «ثابت» ويجلب الأمن بين الاتحاد الأوروبي والفدرالية الروسية. كانت لتركيا وروسيا باستمرار مكانة خاصة وفريدة في القارة الأوروبية، وفي القرن التاسع عشر، كانت الإمبراطوريتان الروسية والعثمانية جزءا لا يتجزأ من جوقة الأمم الأولى، الروسية، كقوة توازن، والثانية، العثمانية، كعامل خلل للاستقرار. واليوم يتم التفكير بالاتحاد الأوروبي كقطب منظّم أوروبا ـ القارة. مثل هذا الطموح ترفضه موسكو. وإذا كانت الإستراتيجية الأوروبية حيال تركيا هي الاندماج التدريجي، فإن «التداخل» مع روسيا يأخذ صيغة شراكة مدروسة،عبر أربع مجالات للتعاون جرى تحديدها في عام 2003.

جرى قبول روسيا في مجلس أوروبا عام 1996، رغم نشوب الحرب الشيشانية الأولى، على قاعدة معيارين، هما الجغرافيا والسياسة. كان المقصود هو تشجيع الإصلاحات السياسية ودفع روسيا بزعامة بوريس يلتسين للالتزام الكامل بالغرب، وذلك كاستمرار لما كان قد بدأه ميخائيل غورباتشوف عام 1989 عندما تحدّث عن «البيت الأوروبي المشترك» وعن انتماء روسيا للقارة الأوروبية.مع ذلك لا يطالب قادة الفيدرالية الروسية بانضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي. وكان فلاديمير بوتين صريحا عندما قال بتاريخ 30 أكتوبر في باريس: «إننا لا نطرح اليوم مسألة انضمام روسيا إلى الاتحاد الأوروبي. وهناك ظروف عديدة تجعل هذا الانضمام ليس ناضجا اليوم. لقد أحسّت روسيا باستمرار أنها جزء عضوي من أوروبا، وروسيا تعتبر نفسها حاليا، من زاوية سياسية واقتصادية وثقافية أنها جزء عضوي من أوروبا».

ويشير المؤلف إلى أن القادة الروس يدركون أن الأوروبيين سوف يواجهونهم بالرفض إذا أعلنوا رغبتهم في انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، ذلك أنها لا تستوفي معايير الانضمام، ثم أن دخول روسيا سيؤدي إلى خلل كبير بالتوازن داخل الاتحاد، ثم إن الروس أنفسهم لن يقبلوا اقتسام صلاحياتهم السيادية كما يقتضي التكامل الأوروبي.

وهناك نقطة مشتركة تجمع بين تركيا وروسيا، وهي أن كلا منهما تعتبر نفسها «مركزا» وريثا لإمبراطورية قوية. هكذا رفضت روسيا عرض سياسة الجوار. ثم إن تقارب روسيا مع الاتحاد الأوروبي المؤلف من 27 بلدا لا تحبّذه دول أوروبا الوسطى والبلطيق والبلقان الباحثة عن ضمان أمنها. كما أن أنقرة وموسكو تريدان أن تكونا على دراية كاملة بشؤون الاتحاد الأوروبي فلتطوره آثاره المباشرة عليهما.

إن تركيا ترى في الانضمام للاتحاد مرادفا للاعتراف بالقوة التركية، أو أنها تريد على الأقل الحصول على مكانة «دولة شريكة». أما روسيا فإنها تريد التوصل إلى إقامة آلية لاتخاذ القرارات المشتركة، وهذا ما تم التعبير عنه قبل فترة وجيزة بمشروع «الميثاق الأوروبي للاستقرار» الذي يرمي إلى ممارسة حق النقض «الفيتو» بخصوص المسائل الإستراتيجية في المنطقة الممتدة من فانكوفر إلى فلاديفوستك.

من جهة أخرى، تفاوض تركيا مع المفوضية الأوروبية ببروكسل على قاعدة موازين القوى، هكذا لوّحت أنقرة بحق النقض ـ الفيتو ـ الذي تتمتع به حيال إعادة اندماج فرنسا في البنى العسكرية للحلف الأطلسي، وذلك في منظور تلطيف فرنسا لموقفها حيال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. كما أشارت تركيا في نفس السياق إلى قدرتها على تعطيل القرارات الأوروبية في مجال البحث عن تنويع مصادر تزويدها بموارد الطاقة.

وينقل المؤلف في هذا السياق تصريح علي بابا جان، وزير خارجية تركيا السابق للصحافة ومفاده: «إننا مصممون تماما على الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. ومن الآن حتى أفق عام 2013 ستكون تركيا جاهزة، ولكننا لا نعرف إذا كان الاتحاد الأوروبي سيكون جاهزا من جهته».

هنا يتساءل المؤلف: من ينضم إلى ماذا؟ ثم يشير إلى أن السلطات الروسية تذهب أبعد من القادة الأتراك، إذ أنها تضع علاقاتها مع أوروبا الموحّدة على مستوى المواجهة والحديث عن التزويد بمصادر الطاقة وتستخدم بلاغة دوائر النفوذ والأعمال العسكرية. بكل الحالات ينتهي المؤلف إلى القول، حيال الحالتين، الروسية والتركية، إن القيمة الوحيدة لمثل هذه السلوكيات هي إرغام الأوروبيين على أن يوضّحوا مصالحهم بشكل أفضل ويهتموا بأمنهم.

تركيا.. حضور دائم

تدل مؤشرات كثيرة على أن الأتراك يرغبون بعمق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. إنهم يبحثون بذلك عن الاعتراف بهم، كما يرون به سبيلا نحو التحديث، وهم يطمحون إلى تحديد تاريخ زمني معيّن لانضمامهم. وينقل المؤلف في هذا السياق عن «اورهان باموق» الكاتب التركي الحائز على جائزة نوبل للأدب قوله له بخصوص خيار «الاتحاد من أجل المتوسط» المطروح على تركيا، إن هذا الخيار هو بمثابة: «بطاقة سفر من الدرجة الثانية للغرب».

وفي ظل الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي، خلال النصف الثاني من عام 2008، جرى «فتح» ملفّين جديدين للمفاوضات تنفيذا لقرارات جرى اتخاذها عام 2004، رغم الموقف الرسمي للقادة الفرنسيين. ويتمثل هذا الموقف الرسمي الحالي بفتح ملفين يمكن أن يؤديا إلى الانضمام أو إلى الشراكة المتميّزة، ورفض فتح الملفات الخمسة التي لا تؤدي إلا إلى الانضمام. ومثل هذا الموقف غير مفهوم من قبل بلد خدم كنموذج للتحديث وهو يبدو اليوم بثياب «الخصم» صراحة.

ويرى كثير من الأوروبيين أن دمج تركيا داخل إطار الاتحاد الأوروبي يعني التخلّي نهائيا عن فكرة الاتحادية للولايات المتحدة الأوروبية، حسبما جرى تصورها في المشروع الأولي. ويعني أيضا أن المشروع الأوروبي قد غيّر من طبيعته كي يصبح مجموعة مفتوحة من الأمم مدعوّة إلى التفاهم فيما بينها.

وهذا يتجاوز حالة تركيا كما يقول هوبير فدرين، وزير خارجية فرنسا الأسبق، الذي ينقل عنه المؤلف ما مفاده: «يخشى البعض في فرنسا أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي سيطرح للتساؤل أوروبا السياسية.

لكن بماذا يعقد الانضمام التركي ذلك مما هو موجود أصلا في اتحاد يضم 27 بلدا»؟ ويتم ذكر العديد من العقبات أمام انضمام تركيا منها أولا «الجغرافيا» حيث أغلبية الأراضي التركية موجودة في القارة الآسيوية.وهناك حجة أخرى تتمثل في القول إن انضمام تركيا يعني وصول الاتحاد إلى تخوم سوريا والعراق وإيران، ومما يعني «تورّط» أوروبا المتعاظم في قضايا الشرقين، الأدنى والأوسط وفي إستراتيجية شراكة دول جوار البحر المتوسط.

وحجة ثالثة هي أن عدد سكان تركيا سيبلغ حوالي 87 مليونا عام 2025، أي أكثر من ألمانيا (80 مليونا) وفرنسا (67 مليونا)، مما يترتب عليه نتائج هامة على صعيد وزن تركيا داخل الاتحاد. وهناك حجج الميزانية وكلفة انضمام تركيا، وبالطبع يقدّم كُثر حجج الخلاف الثقافي. بالمقابل يثير انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي نقاشات أكثر في تركيا نفسها. ذلك أن الكماليين العلمانيين وقسم من الرأي العام التركي يرفضون ما يرون به خسارة للاستقلال وللسيادة.

روسيا وتحدي الجغرافيا

عندما يتم طرح مسألة حدود الاتحاد الأوروبي، فإنه يتم في الوقت نفسه طرح مسألة الحدود الغربية لروسيا. وينقل المؤلف عن فاكلاف هافل، رئيس الجمهورية التشيكية السابق قوله: «لقد اتسعت حدود روسيا وانكمشت خلال المسيرة التاريخية.

وأغلبية النزاعات تجد جذورها في الخلافات علة الحدود في ضم أراض أو خسارتها. وفي اليوم الذي سنتوصل فيه بهدوء إلى تحديد أين ينتهي الاتحاد الأوروبي وأين تبدأ الفدرالية الروسية سيخوّل نصف التوتر بين الطرفين».

ومن وجهة نظر موسكو تبدو عملية توسيع حدود الاتحاد الأوروبي، خاصة عندما تترافق مع توسيع حدود الحلف الأطلسي، هي بمثابة المساس بالمصالح الوطنية الروسية إذ تطال مناطق تعتبرها في دائرة نفوذها الحيوي مثل أوكرانيا أولا وفي جورجيا.

ثم إن النخب الروسية بمختلف مشاربها ترى في علاقاتها الحميمة مع أوكرانيا جزءاً من رؤيتها للعالم. وهذه هي ثمرة تاريخ طويل.ثم من الواضح أن دول أوروبا الشرقية التي انضمت حديثا إلى الاتحاد الأوروبي تريد استخدام ذلك كأداة لتعزيز هامش مناورتها حيال موسكو.

ومنذ عام 1991 فشل الأوروبيون والأميركيون والروس في إقامة علاقات «شراكة دائمة» بينهم. الأوروبيون بسبب تنوّعهم العميق، والأميركيون بسبب إستراتيجية محاصرة موسكو وإغفال المصالح الشرعية الروسية، والروس بسبب تزمّتهم القومي ورفضهم قبول واقع وجود بناء أوروبي ثبّت ركائزه.

تتم الإشارة هنا إلى أن الاتحاد الأوروبي دمج في إطاره خلال سنوات 2004 ـ 2007 تسع دول خرجت حديثا من دائرة النفوذ الروسي ـ السوفييتي، رغم أن روسيا تحاول أن تفرض على بعضها حالة من «ضعف السيادة».

ثم إن الاتحاد الأوروبي المؤلف من 27 دولة لا يمكنه أن يحس بالأمان المستمر إذا اعتبرت روسيا نفسها، صوابا أو خطأ، أنها ليست آمنة. هذا يعني أن بناء شراكة دائمة يتطلب معرفة متبادلة واضحة لواقع كل طرف وإيجاد برنامج إستراتيجي لتسيير الميادين ذات المصلحة المشتركة.

مفتاح للاندماج

ويرى المؤلف أن أشكال القطيعة والتبدلات التي يمكن للمجتمع وللدولة الروسية القيام فيها ليست معروفة لدى الأوروبيين ، هذا إلى جانب التقليل من قيمة الصعوبات العملية والنفسية لعملية التحوّل الجيوسياسي. ثم إن العلاقات مع روسيا أصبحت أحد عوامل الخلاف الرئيسية بين الدول ال27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وبما أن الفدرالية الروسية ليست مرشّحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن تبنّي سياسة أوروبية ترمي إلى فرض تحوّل ديمقراطي في روسيا من الخارج إنما هي سياسة لا أمل بأن تثمر على المدى القصير.

ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن أوروبا تشكّل المفتاح أمام اندماج روسيا في النظام الدولي، ولكن ليس كقوة عظمى وإنما كدولة حديثة عادية. بالمقابل لا يكفي للاتحاد الأوروبي أن يوسع حدوده كي يصبح قوة عظمى. المهم بالنسبة للجميع هو تحديد أشكال «التمفصل» مع العالم المتبدّل.

المؤلف في سطور

ميشيل فوشيه جغرافي فرنسي معروف ومستشار، لمدة سنوات، لدى وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبير فدرين للمسائل السياسية والإستراتيجية. شغل منصب مدير مركز التحليل واستشراف آفاق المستقبل في وزارة الخارجية الفرنسية، ثم عمل سفيرا لفرنسا لدى جمهورية ليتوانيا.ويعمل في الوقت الحالي أستاذا في مدرسة المعلّمين العليا في باريس.

والمؤلف هو كذلك أحد الاختصاصيين الفرنسيين الفرنسيين البارزين المهتمين بالشأن الأوروبي. وقدم للمكتبة العالمية عدة مؤلّفات، منها: «وسواس الحدود» و«الجمهورية الأوروبية بين التاريخ والجغرافيا» و«جبهات وحدود».

الصفحات: 267 صفحة

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: أوديل جاكوب ـ باريس ـ 2009