بقدر ما مثلت الأعوام التي تلت الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، منعطفا هاما في تاريخ بلد قلبته الإدارة الأميركية السابقة رأسا على عقب، وأضحى محور اهتمام وجذب أطرافا وقوى عدة في محيطيه الداخلي والخارجي؛ مثَل العام الجاري 2009 اختبارا حقيقيا للجميع، وحاولت القيادات العراقية، المؤيدة منها للغزو والموالية للحكومة والنظام، أن تثبت «حقيقة» لطالما تغنَى الكثيرون بها، مفادها أن الإطاحة بحكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين هي الحل السحري لكافة المعضلات التي عصفت بالعراقيين منذ العام 1979 وربما قبل ذلك بسنوات، وهي أيضا السبيل الوحيد لبناء عراق ديمقراطي قادر على الانخراط في المنظومة العربية والدولية، بعيدا عن «محور الشر».
وكما هي الفترة الماضية (بين الأعوام 2003 و2007) شهد العراق أحداثا ومعارك وتحديات وإنجازات، ليس أقلها إعادة بناء الدولة العراقية بعد القضاء على معظم مكوناتها الأساسية، فإن عام 2008 المنصرم يعد نقطة تحول جديدة في حياة شعب أعاده الاحتلال الأميركي إلى سنوات ما قبل بناء الدولة، رغم رفض الكثيرين لذلك وتمسكهم بفكرتي: «تحرير الشعب» و«بناء الوطن» كإحدى أهم انجازات الحرب، إن كان ما تمخض عن الحرب يمكن اعتباره إنجازا من الأساس.
وبرغم الاتفاق أو الاختلاف حيال ذلك، يبقى الواقع شاهدا على تحول «سياسي واقتصادي وأمني» ملموس سجله العراقيون خلال عام 2008، أبرز سماته تراجع معدلات العنف، واتساع مساحة المناطق الآمنة وشبه الآمنة لتشمل معظم أنحاء العراق، وتراجع نفوذ «القاعدة» وبعض الميليشيات (بحسب المصادر الأمنية العراقية والأميركية)، وانخفاض احتمالات الحرب الأهلية الطائفية بين الشيعة والسنة بصفة خاصة (رغم تحفظ البعض)، وتعزيز سلطة الدولة، بل وبروزها مجددا في النظامين العربي والدولي.
ولكن يبقى سقف التطلعات والآمال حيال ما هو آت أكثر بكثير، مندمجا في نسق واحد مع الوعود التي قطعها رئيسا الجمهورية والحكومة (جلال الطالباني ونوري المالكي) على أنفسهما، واعدين بغد أفضل لا ينقصه سوى قليل من الصبر وكثير من المصالحة وبعض من المثابرة والعزيمة للوقوف بوجه «أعداء» العراق والعراقيين، متلازما مع تطمينات مستمرة عن قدرة القوات الوطنية على تسلم مهامها في المدن والبلدات، دون أن ينقصها شئ لتحقيق ذلك سوى بعض التدريبات وبعض النصائح والتوجيهات، التي ستقدمها القوات الأميركية لها.
وبالنظر إلى كل ما يجري، يبدو واضحا أن 30 يونيو 2009، ليس مجرد تاريخ أو يوم اعتيادي بالنسبة للعراقيين، إنه أمل.. ومسؤولية.. وطموح.. واستحقاق، جميعها مجتمعة في يوم «مبارك» كما وصفه الرئيسان الطالباني والبارزاني، بل هو يوم «منتظر» كلما بدأت بوادره تلوح في الأفق بلغت القلوب الحناجر، بعضها فرحا وبعضها قلقا وأخرى ترقبا، وإن كانت بعيدة عن الأضواء.
سهير إبراهيم