هناك رؤيتان أساسيتان للحدود التي يمكن أن يصل إليها الاتحاد الأوروبي. رؤية تقول بالتوسع الكبير، بحيث يضم تركيا ومختلف بلدان المجال المشمول بمجلس أوروبا البالغ عددها 47 دولة، بل وأبعد من ذلك، وهذه الرؤية يدعمها بشكل خاص الأميركيون، كما بدأ من سياسة الإدارات المتعاقبة، وذلك في أفق إحكام الحصار على روسيا، المستثناة وحدها من «البناء الأوروبي الموحّد».
ورؤية ثانية تؤكد على ضرورة إيجاد حدود معرّفة مسبقا، وتضم بلدان القارة الديمقراطية، وهذه الرؤية تستثني بشكل أساسي كلا من تركيا وروسيا. ذلك على أساس أن الجغرافيا والتاريخ يشكلان العنصرين الحاسمين في عملية التوحيد. مثل هذا الموقف يبدو بوضوح في بلدان أوروبية أساسية مثل فرنسا وألمانيا ويدعمه عامة معسكر اليمين الأوروبي. وهناك رؤية وسط بين الرؤيتين تؤكد على إقامة «شراكات» مع دول المحيط الأوروبي على أساس مفاوضات وصيغ يتم القيام الاتفاق عليها. في 30 يونيو 2005، شهدت مدينة واشنطن الاجتماع الثالث لمجموعة من مراكز البحث حول الاستراتيجية الأطلسية. كان ذلك بعد عدة أسابيع فقط من رفض الفرنسيين وبعدهم من الهولنديين التصديق باستفتاء شعبي عام على مشروع الاتفاقية الدستورية الأوروبية (الدستور الأوروبي).
دعا مؤلف هذا الكتاب المجتمعين يومذاك إلى أن يأخذوا في الحسبان الضغوط السياسية الجديّة، التي يعاني منها الأوروبيون، حيال متابعة التوسيع المستمر لحدود الاتحاد الأوروبي. وقد ردّ عليه بعنف بيتكرن جاكسون، المحامي المتحمس لحصار روسيا عبر التوسيع المستمر للحلف الأطلسي باتجاه الشرق وضمّ تركيا واوكرانيا وبلدان القوقاز سريعا إلى الاتحاد الأوروبي. وجاكسون هو، كما يقدمه المؤلف، من مؤيدي الحرب الأميركية على العراق وأحد مصادر إلهام مفهوم «أوروبا الجديدة» وصاحب الصوت المسموع لدى البيت الأبيض حتى أكتوبر 2008. هذا كله فضلا عن أنه أحد استراتيجيي الحزب الجمهوري الأميركي ويحظى كذلك بالاهتمام في العديد من البلدان الأوروبية، بما في ذلك فرنسا.
قال المحامي جاكسون في ردّه: «إذا كنتم لا تعرفون أين مصالحكم، فالنقاش ليس مفيدا. وهذا ما يعلّق عليه المؤلف بالتساؤل: مصالح من؟ ويضيف أن ذلك المحامي يرى في التوسيع غير المحدود للاتحاد الأوروبي أحد سبل تحقيق هدف أميركي كبير بالتواجد من المحيط الأطلسي حتى بحر قزوين، ولم يكن يرى أن هناك أي إمكانية لمناقشة «مشروعية» مثل ذلك الهدف الأميركي. ويرى المؤلف أن إحساس المواطنين بأنهم أعضاء في مجموعة سياسية يستدعي إدراكهم لنتائج ملموسة من العمل المشترك، وأن يجدوا أنفسهم في رموز يلتقي حولها الجميع وفي قدرتهم على أن يناقشوا الخيارات المتعلقة بالمستقبل. ولا بد أيضاً من توفّر مرجعيات ومعالم في الزمان والمكان. فعلى صعيد الزمان لم يعد من السهل التعرّف على فكرة التوحيد الأوروبي مثلما تمّت صياغتها منذ بدايتها عام 1957 ذلك أن لمختلف الدول الأعضاء تاريخها الخاص. وعلى صعيد المكان، ينبغي أن يكون للمجموعة مجال حدودي واضح ومُعترف به، ويكون منطلقا للحديث والتحرك باسمه في ميدان السياسة الخارجية.
التوسع الحدودي
يشكّل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الحلف الأطلسي، المنظمة الوحيدة التي تشترك فيها مجموعة من الدول وهي بصدد التوسع الحدودي المستمر.
وهذا يتمّ إما بطريقة الدمج المباشر والشامل الكامل لدول جديدة وإما عبر الانخراط الجزئي والمتدرج لدول متاخمة في دائرة نفوذها السياسي ومصالحها الاقتصادية. ويمكن للاتحاد الأوروبي، على قاعدة الاندفاع الحالي، أن يتناظر في أفق 2020 ـ 2025 مع المجال الحالي لمجلس أوروبا، الذي أعلن في عام 1994 عبر قراره رقم 1247 الصادر عن مجلسه البرلماني أنه لا يمكن أن تصبح أعضاء في المجلس الأوروبي سوى الدول التي توجد حدودها الوطنية بشكل كامل أو جزئي داخل القارة الأوروبية والتي ترتبط ثقافتها بشكل عضوي مع الثقافة الأوروبية.
وهذا يعني أن مجلس أوروبا يضم 47 دولة من بينها تركيا، واوكرانيا منذ عام 1995، وبلدان جنوب القوقاز وبلدان البلقان، وباستثناء روسيا. وحسب سيناريو توسيع الاتحاد الأوروبي بلا كوابح سيجعله تجسيدا لأوروبا، بمعنى ما تمثله من مجال حضارة دنيوية وذات المحيط المتبدّل.
ويذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك بقوله إنه إذا استمر الاتحاد الأوروبي في التوسع عبر شواطئه وتخومه بصيغ متنوعة كالمشاركة مع أوكرانيا ومولدافيا وغيرهما وكتبنّي أطر معدة لحالات محددة كالمغرب وإسرائيل فإنه تلوح في الأفق إمكانية قيام مجموع آخر يمتد من المحيط الأطلسي حتى بحر الشمال وبحر قزوين ويضم دولا تندمج في المنظومة الجيو ـ اقتصادية والجيوسياسية الأوروبية بطرق مختلقة وعلى صيغ يتم التفاوض عليها وقابلة لإعادة النظر فيها.
وفيما يتعلق بمسألة الحدود يبدو أن سياسة الاتحاد الأوروبي تخضع لـ «جغرافيته» التي تلعب دورا حاسما باستثناء الحالة الروسية. هذا مع الاستفادة من «فضيلة» الجوار، مع التأكيد على عناصر الحداثة التي تشمل دولة القانون واحترام العقود المبرمة وحرية التعبير والعمل.
كما أن عملية توسيع إطار الاتحاد الأوروبي تخضع أيضاً إلى هدف جيوستراتيجي صممته الإدارات الأميركية المتعاقبة. إن هذه الإدارات هي الوحيدة التي كان لها منذ فترة طويلة رؤية واضحة للحدود النهائية لأوروبا الموحّدة التي تجمع بعد أجل في إطار «بنية أوروبية ـ أطلسية» جميع بلدان مجلس أوروبا باستثناء روسيا.
ويرمي المشروع الأميركي إلى أن يعمّم السلام في القارة الأوروبية قيام مجال تسود فيه أنظمة ديمقراطية، بحيث يتولى الحلف الأطلسي، أي الولايات المتحدة، الدفاع عنها. وتعززت مثل تلك الرؤية لدى الأميركيين مع نشوب الأزمات التي للولايات المتحدة علاقة مباشرة فيها، خاصة في الشرقين، الأدنى والأوسط. وضمن نفس المنظور الإستراتيجي يتم دعم ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ذلك على أساس أنها مجاورة للعراق المطلوب استقراره ولإيران المطلوب كبحها ولسوريا المطلوب التطبيع معها.
سيناريوهات وتحفظات
ويشير المؤلف، في هذا السياق، إلى الدعم الكبير الذي أبداه الرئيس الأميركي باراك اوباما أثناء القمة التي ضمّت بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 27 والولايات المتحدة في براغ ـ العاصمة التشيكية، في الخامس من أبريل ـ نيسان 2009، عندما قال: «إن التطور نحو انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يشكّل مؤشرا هاما لالتزامكم في هذا المنحى ويؤكد إصرارنا المستمر على أن تصبح تركيا في عداد الدول الأوروبية».
الاتحاد الأوروبي كما يعرّفه المؤلف، ليس دولة وليس أمة، ولكنه يتصرّف كمنظمة مفتوحة يمكنها أن تتأقلم نظريا، مع حدود غير ثابتة. وهذا يعني أن النقاش حول الحدود النهائية مُغلق منذ اللحظة التي يتم فيها تبنّي مفهوم الحدود المألوف في التاريخ الأميركي، كخط انطلاق للتقدم ومدّ النفوذ.
وذلك على غرار ما عرفته أوروبا في ضم شرق القارة بفضل الثورات الديمقراطية المتعاقبة. ثم إن الشعار الذي ترفعه المفوضية الأوروبية وأغلبية دولها، بما في ذلك الأكثر تشكيكا منها بالمسيرة التوحيدية، يتم الإعراب عنه بالجملة التالية: «سوف نعرف حدود الاتحاد الأوروبي عندما تبلغ هذه الحدود».
تبقى التحفّظات الأكبر حيال مثل هذا السيناريو الكبير هي حيال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وحتى من بين الدول الأكثر قدما فيه، ذلك باسم القيم الثقافية الأوروبية.
ومثل هذه المواقف تبدو بوضوح داخل «الحزب الشعبي الأوروبي»، الذي يمثّل الأكثرية داخل البرلمان الأوروبي. ولكن تبدو أيضاً في تصريحات القادة الأوروبيين القريبين من هذا الحزب في فرنسا وألمانيا وكذلك تبدو لدى الرأي العام في عدة بلدان أوروبية مثل فرنسا وألمانيا والنمسا وهولندا وايرلندا.
بالمقابل يؤيد الآخرون وعلى رأسهم بريطانيا وإيطاليا وبلدان شمال أوروبا والدول ـ الأعضاء الجديدة مثل بولندا وبلدان البلطيق، متابعة توسيع إطار الاتحاد الأوروبي. أما الحزب الاشتراكي الأوروبي، الذي يحتل المرتبة الثانية من حيث العدو في البرلمان الأوروبي، فإنه يستبعد المعايير الجغرافية والثقافية كي يؤكد على الديناميات السياسية والديمقراطية بينما يدعم النواب اللبراليون الأوروبيون استراتيجية وسيطة تدعو إلى علاقات «الشراكة» مع الدول وليس ضمّها.
أما موقف المفوضية الأوروبية كما صاغته أثناء انعقاد المجلس الأوروبي عام 1992 وأكّدته عام 2007 فهو تأخير إصدار أي حكم منذ اللحظة التي يتواكب فيها تعبير «أوروبي» مع أبعاد جغرافية وتاريخية وثقافية. هذا خاصة أن هذه العناصر كلها يُعاد تعريفها من جيل إلى آخر.
بالمقابل يجب التعريف الذي صاغه مجلس أوروبا في خانة أولئك الذين يؤيدون التوسع المستمر ويرون أن الاتحاد الأوروبي قد يرتكب خطأ استراتيجيا إذا أقام على الخرائط خطا فاصلا يمثّل شرخا بين «أوروبا الحقيقية وأوروبا المتخيّلة في ما هو أبعد منها». وهذه «المتخيّلة» يتم النظر إليها على أنها «غير متمدّنة».
ويرى المؤلف كذلك أن توسيع إطار الاتحاد الأوروبي ناتج عن الصورة التي يرى فيها هو نفسه صورته كقوة مدنية نموذجية لها مصلحة كبيرة في توسيع مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون، وزيادة المكاسب من السوق الحر عبر تشجيع التحولات السياسية والوقاية من تفجر الأزمات ذات الطبيعة القومية.
وتبقى آفاق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بمثابة حافز لإجراء إصلاحات داخلية. كما أنه مصدر أمن بالنسبة لكل دولة من دوله، ذلك أن كلا منها تعزز من أمنها عير الاندماج في نفس المنظومة. وكان انضمام اليونان للاتحاد الأوروبي وأفق انضمام تركيا عاملا في تخفيف التوترات الأمنية بينهما منذ عام 1999.
وبمبادرة من السويد وبولندا، على خلفية السعي التاريخي لصدّ روسيا، اقترحت دول أوروبا الشرقية منذ بداية عام 2009 شراكة «شرقية» كبديل للاندماج السريع في إطار الحلف الأطلسي. وبعد نشوب الأزمة الجورجية في 2008، اكتسبت جورجيا في باريس، خلال شهر سبتمبر من نفس السنة، مكانة «بلد أوروبي يشترك مع بلدان الاتحاد بتاريخ وقيم مشتركة».
وفي المحصلة، يرى المؤلف، أن الرؤية الحدودية الأكثر طموحا لما يمكن أن يصل إليه الاتحاد الأوروبي قد قدّمها دافيد ميليدباند، وزير الخارجية البريطاني، الذي اعتبر أن سياسة الجوار بمثابة غرفة الانتظار قبل انضمام جميع الدول المحيطية.
الأحلام القديمة
ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشير إلى الأحلام التوحيدية الأوروبية القديمة منذ العصور الوسطى حيث رأى البعض إمكانية توحيد القارة في «جمهورية مسيحية» تضم آمة متجانسة وثابتة القيم والمعتقدات. لكن الصعود القوي للدول ذات السيادة والوطنية حطّم ذلك الحلم الطوباوي. وكان هناك حلم آخر، فدرالي، آراء أن يكرر في القارة الأوروبية التجربة الأميركية.
أما تجربة الاتحاد الأوروبي الذي يضم اليوم 27 دولة فإن شرط استمراريتها الأساسي يتمثل، كما يرى المؤلف، في توصل ألمانيا وفرنسا إلى مواقف مشتركة صلبة حول المواضيع الكبرى الخاصة بالتوسيع وسياسات الجوار وروسيا وأوكرانيا وتركيا والشرق الأوسط والطاقة والمناخ والسياسة الاقتصادية. وينتهي إلى القول أن المجموع الأوروبي الموسّع إلى هذه الدرجة هو من التنوع إلى درجة أنه لم يعد يمثّل اتحادا، ولكنه غدا من جديد «مجموعة دول ـ أمم».
الصفحات: 267 صفحة
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: أوديل جاكوب ـ باريس ـ 2009



