بين فوضى الأسماء الغربيّة للمقاهي التي تحتل شارع الحمرا في بيروت، يطلّ بلونه الربيعي الفرِح الذي يطغى عليه الأخضر الحشيشي، مكان يشبه اسمه العربي الذي يذكّر بحرف من الأبجديّة ينهي اسماً مؤنّثاً في درس قواعد عربيّة: «ة مربوطة».. فضاء مدوّر كرغيف ببساطة متناهية، يرى الزّائر وجه نفسه في محيطه، ويتّقي بـ «شخطة» من كلّ أنواع الأمطار شتاءً، ومن «ضربة» الشمس صيفاً.

من الخارج نحو الداخل، وكما تُكتشف كل الأشياء الجديدة، تبدو الـ «ة مربوطة» وكأنها هربت من زمن الحروف الجميلة، لتتخذ مقرّاً لها في الطابق الأول في بناية قائمة في شارع «البافيون»، وعلى أعلى بوّابة زجاجيّة تستقبل الزائر بطريقة تشبه «الغمزة»، فيتبادر إلى ذهنه السؤال: هل هو درس القواعد في الصف الثاني ابتدائي لم يملّ ملاحقة «الكسلانين»، أم أنها دعوة ضحوكة للدخول إلى المكان؟

من عبارة مكتوبة بالإنجليزية على ورقة معلّقة على اللوحة الخاصة بالإعلانات في المقهى، ومرفقة بأرقام هاتفية: «تبرَّع بدولار واحد لمشترك بشبكة ٍُّك..

وبذلك تحافظ على حياته الاجتماعية.. وشكراً»، تكون بداية الدخول في تفاصيل المكان الغريب وهو بمثابة تعبير ما عن روح المدينة وكتابها المفتوح وملامحها المعلَنة، بما يحدّد ذائقة روّاده ومزاجهم، في شارع اقترن منذ خمسينات القرن الماضي بالتراكم الثقافي للعاصمة بيروت ومخزونها الأدبي والشعري والفكري.

مدخله ضيّق، لكن داخله واسع، وجوّه الذي يجمع بين الماضي والحاضر مميّز بحميميّة وألفة خاصّتين بروح الأماكن، ديكور مميّز بلمسة هندسية بسيطة وجذابة اعتمدت الطابع الشرقي.. مكتبة عامة تحتوي كتباً وأقراصاً مدمّجة..

طاولتان كبيرتان من حولهما كراسٍ مصنوعة من الخشب والخيزران والقشّ، تتسمّر عيون الجالسين عليها أمام شاشات الكمبيوتر، أو تنكبّ رؤوس على كتب، أو أنامل متوتّرة تستعجل الكتابة.

وفي المكان لكلّ عالمه، حتى النادل بات «صديق الجميع»، وهو لا يملّ تكرار عبارة «خلّيها علينا» عند مبادرة الزبون إلى دفع ما استحقّ عليه.. الكلّ يعرف الكلّ، ويحترم بعضهم أماكن بعضهم الآخر المعتادة.. إيقاع الأحاديث يساير إيقاع الموسيقى، يهدأ حيناً حتى حدود الهمس بين اثنين، ثم يرتفع جلبة.

روّاده من مختلف الأعمار والانتماءات، ممن لم «يشفِهم» الزمن من إدمانهم «المتوارث» على ذلك الشارع الطويل الذي طالما اتسَع للجميع، الشاب والعجوز، المتطرّف والمعتدل، التقليدي والمتحرّر، العالِم والشاعر..

يبدون كجزء من الصورة في مقهى بيروتي، أيام الخمسينات والستينات، يوحّدهم احتراف الرفض وإدمان السجائر، عدا عن النقاش بكل ما يخطر على البال.. فهنا صحافي خمسيني أمام «رزمة» أوراق، لا يشغل باله «تكدّس» فتافيت رماد سجائره الـ «جيتان إنترناشيونال»..

وهناك الناقد الفنّي العشريني في صفحة ثقافيّة في جريدة معارِضة، لا يفارق التجهّم وجهه ولا تغادر سيجارة الـ «غولواز» أصابعه، بما يتناسب مع لزوم «الثقافة».. لكن، لا رائحة تعبق، فالنوافذ المشرّعة تطردها «مجاناً»، تماماً كما إمكانية الاستعمال المجاني لـ «الإنترنت»، شرط اصطحاب قاصد المكان حاسوبه الخاص معه.

ثمة من ينقل تركيزه من بين دفّتَي كتاب إلى المشهد خارجهما، يقابله آخر يراقبه وهو ممدّد على كنبته، رافعاً رجليه على مقعد قشّ خفيض... وثمة من يعبّر عن «مواقف» سياسية أو غيرها بالجهد، مطرقاً في شغله، وعلى غطاء الكمبيوتر ملصق يحمل مجموعة «لاءات».. لا للقنابل العنقودية، لا للحرب، لا للطائفية...

وعلى مقربة، نظرات سارحٍ في لوحات معلّقة «ترتديها» الحيطان بشكل دوريّ، وتتنوع بين صور فوتوغرافية لأدباء وفنانين عرب ولبنانيين وأعمال تشكيلية لرسامين شباب ومحترفين، وإن كانت لا تنوب عن الشبابيك المفتوحة على الشارع..

فيما يدور حوار بين «مثقّفين»، يخلص إلى أن «بعض الأقلام الشابّة لا تعي كيف تكتب، لأنها لا تقرأ»، قبل أن يصل النقاش حدّاً تتصاعد فيه أصوات «المثقفين» الأصدقاء، لتشنّ حرباً تنتهي بجمل معهودة من نوع: «أنت فاشل»، «شو عامل حتى تقيِّم»، أو قد تمرّ المشاحنات بنوع آخر من الجمل، من نوع: «كلنا منعرِف قصصك مع الرأسماليين»، «خلي جماعتك ينفعوك»...

صباحاً، يقصد المقهى، الصحافيون ورجال الأعمال، ليتناولوا طعاماً لبنانياً على شكل «عروس» لبنة أو جبنة مع الشاي، وهم يطّلعون على آخر الأحداث الثقافيّة والاقتصاديّة في البلد.. أما مساءً، فيرتاده الشباب وطلاب الجامعات، فتتنوّع أمامهم لائحة الطعام التي تحوي سلطات ومازة لبنانيّة وأطباقاً كلاسيكيّة وحلويات، بما يرضي «كل الأذواق»، وذلك دون إغفال المشروبات المنوّعة المتوسّطة الأسعار..

أما أصحاب المقهى، فهم لا يساومون في قناعاتهم السياسية، صباحاً ومساءً، وخصوصاً فيما يتعلّق بالشركات الداعمة لإسرائيل، فحين يطلب الزبون «النسكافيه»، مثلاً، يأتيه الجواب واضحاً «لا نقدّم النستلة، لدينا شيء شبيه بهذه الماركة».

ولا تكتمل تجربة الدخول في عالم «ة مربوطة» إلا بالوقوف قليلاً أمام زمن «الأبطال والزعران».. ماكينة «الفليبرز» مبنيّة على مفهوم الحرب الأهليّة اللبنانية.. فيها «الأبطال» أمثال القدّيس مار شربل والإمام المغيّب موسى الصدر..

وفيها «الزعران» كـ «عبّاد الشيطان» والطيّار الإسرائيلي رون آراد الذي اختطِف في لبنان ولا يزال مصيره مجهولاً.. وما على اللاعب إلا أن يغلب الأشرار بقوّة «غراندايزر»، متحاشياً خانتَيْ «تبييض الأموال» و«ليلة ما فيها ضوّ قمر»!

بيروت ـ وفاء عواد