استوقف أحد «الغرباء» الوافدين على منطقة القبائل الجزائرية المشهد الفريد لتعدد أوجه نشاط المرأة هناك فدرس الظاهرة في إطار البيئة الاجتماعية وخرج حائرا.
ومن بين ما كتب «بقدر ما يحرص رجال القبائل على تطبيق الشريعة الإسلامية في مسائل الميراث ويتشبثون بأن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يتنازلون أبدا عن هذا الحق المكفول لهم دينيا، هم يعيشون وضعا مناقضا لذلك في حياتهم اليومية بحيث للمرأة مثل واجب الرجلين في العمل وهذا الوضع متوارث منذ القدم».
كانت تلك ملاحظة غريب عن المنطقة نشأ في بيئة مغايرة من خلال منطقة أخرى في الجزائر، فلم يستوعب بسهولة ما رآه واعتبره وضعا متناقضا في مجتمع قبائل جرجرة المحافظ.، لكن واقع الحال يؤكد إن الظاهرة عادية ولا تستدعي الاستغراب والتهويل.
فالمرأة كانت دائما عصب الحياة الاجتماعية، وهي مدرسة وربة بيت لكنها أيضاً عاملة في الحقل، تسهر على جمع المحاصيل الزراعية وتخزينها، والمساهمة بقدر كبير في تأمين عيش الأسرة.
وأول ما يثير انتباه الزائر ما يراه من ألوان تغشي الحقول المنحدرة والوديان العميقة وتمتد عبر الدروب الملتوية، الصاعدة تارة والنازلة تارة أخرى، ألوان تنورات و«فوطات» النساء وهن يدببن في الأرض كالنمل، يزاولن أنشطتهن الزراعية المعهودة في الحقول والبساتين والأحراش.
وتشارك المرأة بنصيب وافر في النشاط الاقتصادي للمجتمع. والواقع أن مهام المرأة في هذه الناحية من الجزائر تكاد تكون ضعف مهام الرجل.
فهي المسؤولة بنسبة مطلقة عن تدبير شؤون منزلها، وتتحمل جزءا مهما من أعباء أشغال الحقول في جميع مواسم السنة، كما تنفرد بمهمة أعمال النسيج والخياطة. وأوقات الاسترخاء لديها نادرة. وهذا الدور الحيوي للمرأة القبائلية في المجتمع جعل منها «دعامة البيت» و«الركيزة الوسطى» التي يتوقف عليها سقف المنزل.
وتشكل حيوية المرأة وبراعتها في النشاط بالمنزل وخارجه، المعيار الأول في نسج علاقات الزواج ولا يأتي مقياس الجمال إلا في الدرجة الثانية أو الثالثة. والويل للرجل الذي يصيبه حظه بامرأة متقاعسة أو فاترة أو مبذرة، فالفقر والخراب يترصدان مستقبله وداره.
ويبدأ يوم المرأة باكرا،وأحيانا عند بزوغ خيوط الفجر الأولى. إذ عليها أن تعد فطور الصباح وزاد الرعاة وأن تحلب المواشي قبل أن تنطلق إلى مراعيها في أعالي الجبال. وما إن تنتهي هذه المهمة حتى تشرع في مهمة أخرى أكثر مشقة وهي تنظيف الزريبة أو الإسطبل وإخراج الروث إلى المكان المخصص له في الحقول المجاورة للديار.
ويبقى لها بعد ذلك أن تتكفل بتنظيف الدار والفناء قبل أن تتفرغ لإعداد وجبة الغداء وأن تنطلق لمزاولة نشاط آخر خارج المنزل بحسب الأشغال التي يفرضها الموسم الفلاحي. وحينما يميل النهار إلى نهايته، يبقى عليها أن تعد وجبة العشاء التي تحظى بأهمية خاصة في العرف القبائلي.
لأنها تجمع كل أفراد العائلة حول قصعة واحدة، ثم بعد العشاء تنهض لإعداد فراش النوم لتكون الأخيرة التي تخلد للراحة بعد نهار شاق وطويل.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
