في الأول من مايو 2004، فتح الاتحاد الأوروبي ذراعيه لانضمام عدة دول جديدة إلى عضويته، أغلبيتها من أوروبا الشرقية والوسطى. كان ذلك تحولاً تاريخياً بالنسبة لبلدان النصف الشرقي من القارة.
ولفكرة أوروبا الموحّدة رؤيتان، إحداهما من داخل أوروبا والثانية من خارجها. من الداخل يرى الأوروبيون أن انهيار جدار برلين فتح الطريق أمام «إعادة توحيد أوروبا» وتعزيز السلام والديمقراطية والازدهار الاقتصادي فيها. فهذه القيم تبدو للجميع بمثابة «مكتسبات»، كما تدل مجموعة من استطلاعات الرأي التي أجريت في شهر ديسمبر 2008. ومن الخارج يجسد الاتحاد الأوروبي بنظر الصين والهند، البلدين العملاقين، نموذجاً للتكامل الاقتصادي الإقليمي والمجال الحضاري القديم والمتنوع، وأنه بكل الحالات يتمتع بقدر كبير من الاستقرار والازدهار ويمكن التعامل معه كشريك، ذي مصداقية، من أجل تطوير النظام الدولي نحو التعددية القطبية. لكن هل يجسد الاتحاد الأوروبي قيماً أوروبية أو أميركية أو غربية؟ البحث مطلوب في خصوصيات القيم الأوروبية.
يوم السبت الموافق الأول من مايو 2004، احتفلت ليتوانيا بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. عانق رئيس جمهورية هذه البلاد بانفعال كبير سفير فرنسا في بلاده اعترافاً بالجهود التي بذلها أثناء المفاوضات للانضمام. لم يكن ذلك السفير سوى مؤلف هذا الكتاب الذي يروي ذلك. كان لانضمام ليتوانيا إلى الاتحاد الأوروبي بُعداً تاريخياً، لم يكن يخفى على أحد، بعد ما كانت قد عرفته من آلام في مسيرة تاريخها الذاتي.
كما شكّل انضمام ليتوانيا للاتحاد الأوروبي بوّابة مفتوحة نحو الجنوب. لكن رغم هذا كله لم يلق الحديث في فرنسا سوى القليل من الحماس، بل وتحدثت وسائل الإعلام بأغلبيتها وكأنه «ليس حدثاً على الإطلاق». كانت المسألة الحقيقية المطروحة في أفق استكمال البناء الأوروبي هي معرفة مّا إذا سيكون «اجتماعياً»، بمعنى المحافظة على المكتسبات الاجتماعية بل وتعزيزها، أو أنه سيكون «ليبرالياً» يخضع أولاً وأساساً لقوانين السوق. أما ذلك التحول الجيوستراتيجي الذي عرفه آنذاك النصف الشرقي من القارة الأوروبية فقد بدا وكأنه لا علاقة لبلدان أوروبا الغربية به. مع ذلك هل يمكن استعادة الثقة بالنفس في العالم «القاسي» القائم دون الإيمان بوحدة المصير الجماعي؟ يتساءل المؤلف. ثم يؤكد أن إحدى الرهانات الحقيقية للاتحاد الأوروبي ليست في أن يكون له رئيس «يمثله» على صعيد الخارج، ولكن بالأحرى أن يكون له رئيس «يمثّله» على صعيد الداخل. ثم إن مثل مجموعة هي بحاجة لمن «يمثّلها».
أوروبا من الداخل
إذا كانت أوروبا هي نتاج تاريخ يميّزها عن باقي أجزاء العالم الأخرى، فإن مشاعر الانتماء إلى مجموعة سياسية، إلى أوروبا الموحّدة التي أخذت في عام 1992 تسمية الاتحاد الأوروبي، هي نتاج عملية إدراك بطيئة وعمل على الذات.
ثم إن الفكرة الأوروبية المعاصرة تمثّل صدى لمسيرة طويلة الصيرورة. إنها ثمرة قرار جماعي إرادي للتشارك بين بلدان ذات نظام ديمقراطي وتشترك في بعض القواعد وتدير تنافس المصالح بينها أو تنافس الثقافات السياسية بـ «طريقة متحضّرة»، أي دون اللجوء إلى النزاعات.
بالطبع لا يتم إرغام أحد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لا يمنع واقع أن قوة جذب هذا المجموع «الفريد» كبيرة، مما دفع أعضاء جدد للانضمام. وبدأ الأمر بالنسبة لهؤلاء الأعضاء وما ترتب عليه من تبدلات جيوستراتيجية وكأنه «عودة إلى أوروبا» وكـ «قطيعة» مع الاتحاد السوفييتي السابق ومعسكره الإيديولوجي، أي الماركسية ذات الأصل «الأوروبي» هي نفسها.
وعندما انهار جدار برلين انتهت عملية «العزل» بين شطري القارة وبدأ التقارب مع الغرب الأوروبي الذي بدأ مسيرة توحيده منذ اتفاقية روما عام 1957.
وتتمثل عوامل الدفع نحو التوحيد الأوروبي على صعيد الداخل بقيم السلام والديمقراطية والازدهار الاقتصادي، كما يحدد المؤلف، مشيراً إلى تعارضها «واقعياً» مع الوضع في الشرق الأوروبي. هكذا مثّل الانضمام للاتحاد الأوروبي مسعى لمتابعة المصالح الوطنية بوسائل المشاركة.
وكل عضو في «المنتدى» الأوروبي يتحدث باسم أمّته ايرلندا وجدت في بروكسل ـ مقر المفوضية الأوروبية ـ أفضل السبل والوسائل للخروج من المواجهة مع لندن والحصول على «رؤية» ما يجري في ايرلندا الشمالية.
واسبانيا والبرتغال واليونان استطاعت تعزيز تحوّلها الديمقراطي. أما المملكة المتحدة ـ بريطانيا ـ فإنه لها موقع فريد في أوروبا من حيث إنها المنتصر الوحيد في الحرب العالمية الثانية ولم تجد في المشروع الأوروبي ما يزيد من رفعتها الوطنية.
لكن هذا كله لم يمنعها من الالتحاق أخيراً بالحركة العامة منذ أن أثبتت فاعليتها. صحيح أن بريطانيا تتمتع ببعض «الاستثناءات» لكنها ذات نفوذ داخلي حقيقي على أصحاب القرار الأوروبيين وعلى الإشكاليات المطروحة. بالنسبة للدول «الحيادية» فإنه لم يكن أمامها خيار آخر سوى التأقلم مع نهاية الحرب الباردة.
بعد عام 1989 ظلت القيم المؤسسة مرجعيات مهمة بالنسبة للرأي العام الأوروبي الذي يعتبرها مكتسبات. ويشير المؤلف إلى استطلاعات للرأي، جرت في شهر ديسمبر من عام 2008، أظهرت أن 65 بالمئة من الأوروبيين يرون أن انهيار جدار برلين صبّ في فائدة الاتحاد الأوروبي وأن 52 بالمئة يرون أنه صبّ في مصلحة بلدانهم.
ودلّت نسبة 63 بالمئة من مواطني البلدان الأوروبية التي كانت في إطار الكتلة السوفييتية على قناعتهم بجني الفوائد بعد انهيار جدار برلين مقابل 49 بالمئة لدى مواطني بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 15 الأولى.
وبالإجمال تدل الإحصائيات المقدّمة إلى أن 48 بالمئة من مجموع الأوروبيين يعتقدون أن توسيع الاتحاد الأوروبي بعد انهيار جدار برلين قد عزز مسيرة الاتحاد، هذه مع الإشارة إلى أن 59 بالمئة من هؤلاء هم من بلدان الدول الأعضاء الجديدة مقابل 44 بالمئة لدى «القدماء».
أوروبا من الخارج
إن وجود «هوية» سياسية أوروبية يبدو واقعاً لا شك فيه، عندما تتم ملاحظته من بعيد. في آسيا عموماً يمثّل الاتحاد الأوروبي «مجالاً حضارياً» قديماً متغيّر المحيط، ومجموعاً ثقافياً ونموذجاً للتكامل الاقتصادي الإقليمي المتقدم الذي يسمح بتجاوز التباينات السياسية. لكن تنقصه هوية جيوسياسية قوية في مواجهة الولايات المتحدة وبنفس الوقت في مواجهة الهند والصين أيضاً. لكن بكل الحالات لا يتم النظر إلى تركيا وإلى روسيا أنهما تشكلان جزءاً من أوروبا.
ويطرح المؤلف في هذا السياق السؤال التالي: ماذا يتم تعليمه حول أوروبا في معهد الشؤون الخارجية للشعب الصيني في بكين؟ ويجيب أن كل حديث حول هذا الموضوع يبدأ بالتذكير بالانهيار الصيني ما بين 1840 ـ 1949 تحت ضربات التدخلات الإمبريالية ثم الحرب اليابانية والخروج من العزلة منذ عام 1978. إن المفهوم الصيني عن أوروبا يميّز بين الماضي والحاضر.
أوروبا الأمس يتم وصفها على أنها القارّة الأكثر تقدماً على صعيد الإنجازات العلمية والحداثة الثقافية واختراع الأفكار والمبادئ، ولكن أيضاً كقاعدة للسلطات الإمبريالية ذات الطموح العالمي.
أما المفهوم الصيني المعاصر لأوروبا فيرى فيها قوة كبرى في المنظومة الدولية وكمجموعة يسود فيها الأمن والازدهار وشريك تجاري من الصف الأول وقوة استراتيجية تدفع نحو التطور المؤدي لقيام نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وبالإجمال يرى الصينيون أنه يمكن التعامل مع الاتحاد الأوروبي رغم بعض مواقفه الإيديولوجية «العدائية» مثل الموقف من التيبت وقضايا حقوق الإنسان. كما يرى الصينيون في أوروبا عاملاً في تطوير نظام مالي لا يزال تحت سيطرة الولايات المتحدة.
وتؤكّد الرؤية الهندية لأوروبا الموحدة على أنها مصدر يمكن الاستلهام منه في ميدان التكامل الاقتصادي الإقليمي في جنوب شرق آسيا وفي ميدان العكلة الموحّدة التي ينبغي على بريطانيا تبنّيها. ثم إن تشكّل سوق داخلية يمكن أن يخدم كمرجعية لاتحاد عندي «ممكن».
ثم إن انضمام أعضاء جدد يعطي لأوروبا صورة قريبة (27 دولة و24 لغة رسمية) من صورة اتحاد هندي شديد التنوع هو الآخر. ويتم وصف الاتحاد الأوروبي في الهند على أنه ثاني ديمقراطية في العالم، بعد الديمقراطية الهندية.
ويصل المؤلف إلى القول ان المفهومين السابقين لأوروبا «من الخارج» يستحقان الاهتمام والتمعن حيث إنهما يصدران من بلدين عملاقين كالصين والهند. وهما يؤكدان كليهما، على الاستمرارية التاريخية الطويلة وعلى البعد الثقافي. وبكل الحالات يبدو من الغريب لدى الصينيين والهنود أن يعاني الأوروبيون من نقص بالثقة بالنفس.
قيم مراوغة
يمكن توصيف فرادة قيم النموذج الأوروبي من حيث ما تحتوي عليه من عقلانية وعدالة وديمقراطية وحرية فردية وعلمانية وتسامح، كما ينقل المؤلف عن المفكر تزفتان تودورون. ثم يضيف لها مكانة الفكر النقدي ونزعة الشك التي تمثل فضيلة فلسفية تجعل الأوروبيين غير راضين باستمرار عن حالة الأمور القائمة، هذا على عكس الأميركيين.
ويتمتع الاتحاد الأوروبي بهوية «متحركة» ومتجددة كما أثبتت خلال العقدين الأخيرين المنصرمين، وذلك خاصة في التنوع أكثر عبر شعوب جديدة ولغات جديدة وذاكرات مختلفة. بكل الحالات يبقى الرهان الأساسي، كما يتم تقديمه، هو الانفتاح على الآخرين، إذ ليس هناك بناء أوروبي يستجيب لتطلعات المواطنين الأوروبيين دون بذل جهود لمعرفة تاريخ الآخرين وثقافتهم.
وتبيّن استطلاعات رأي حديثة العهد أن 61 بالمئة من الأوروبيين يقولون بوجود مجموعة من القيم الأوروبية المشتركة بالقياس إلى القارات الأخرى. لكن هذه النسبة تنخفض إلى الثلث بالقياس إلى القيم الغربية مقابل 44 بالمئة يؤكدون عدم وجود قيم أوروبية مشتركة ولكن قيم غربية شاملة. ومن الملاحظ أن الدول الأوروبية الشرقية والوسطى، الشيوعية سابقاً، هي الأكثر تمسّكاً بخصوصية القيم الأوروبية على عكس الفرنسيين والبلجيكيين والهولنديين والسويديين والألمان.
ومن وجهة نظر الأميركيين يسود الشك حول خصوصية القيم الأوروبية التي يتم وصفها أنها تشترك مع قيم مجتمع أميركا الشمالية، أي الولايات المتحدة وكندا، وأنها غربية صرفة خاصة على صعيد المجال السياسي.
ويتم النظر إلى الاتحاد الأوروبي بعد عام 1989 على أنه الوجه الآخر لميدالية وجهها الآخر هو الحلف الأطلسي. مع ذلك يصطدم تعريف أية هوية سياسية أوروبية حديثة منذ البداية وعند كل عملية توسيع لإطار الاتحاد الأوروبي أو عند نشوب أية أزمة كبرى، بصعوبة تحديد الموقع بالعلاقة مع الولايات المتحدة.
وتبدو مشكلة تحديد الموقع الأوروبي حيال أميركا أكثر وضوحاً منذ انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، حيث ان الدعوة ملحّة للتقارب أكثر مع الحليف الأميركي.
ولا يتردد الرئيس الأميركي الجديد في تكرار القول ان مفهوم الآباء المؤسسين لمسيرة التوحيد الأوروبي مستلهم من تجربة قيام الولايات المتحدة. بالتالي هل محكوم على الحلم الأوروبي أن يبقى حلماً أميركياً؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب ويضيف سؤالاً آخر: هل ينبغي شطب الماضي الأوروبي نهائياً؟
المؤلف في سطور
ميشيل فوشيه جغرافي فرنسي معروف ومستشار، لمدة سنوات، لدى وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبير فدرين للمسائل السياسية والإستراتيجية. شغل منصب مدير مركز التحليل واستشراف آفاق المستقبل في وزارة الخارجية الفرنسية، ثم عمل سفيرا لفرنسا لدى جمهورية ليتوانيا.ويعمل في الوقت الحالي أستاذا في مدرسة المعلّمين العليا في باريس.
والمؤلف هو كذلك أحد الاختصاصيين الفرنسيين الفرنسيين البارزين المهتمين بالشأن الأوروبي. وقدم للمكتبة العالمية عدة مؤلّفات، منها: «وسواس الحدود» و«الجمهورية الأوروبية بين التاريخ والجغرافيا» و«جبهات وحدود».
الصفحات: 267 صفحة
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: أوديل جاكوب ـ باريس ـ 2009



